مراتى طلبت منى

مراتي طلبت مني أشتغل شغلانتين مش عشان أولادنا، ولا عشان البيت، ولا حتى عشان نأمّن مستقبلنا!
هي كانت عايزاني أرجع من شغلي كمدير فرع بنك، وبعد ما أخلص يومي الطويل، أروح أشتغل محاسب في شركة تانية عشان أوفّر مصاريف أخوها العاطل وأمها، وأفضل أدفع تمن مصايفهم واحتياجاتهم كمان!
أنا أحمد محمود، عندي 38 سنة، ومن وأنا صغير وأنا بطحن نفسي في المذاكرة والشغل عشان أوصل للمكانة اللي أنا فيها دلوقتي. مرتبي الحمد لله يكفينا أنا ومراتي وولادنا ونعيش حياة محترمة من غير احتياج لحد.
لكن مراتي كان عندها رأي تاني
كانت شايفة إن مرتبي مش بتاعي لوحدي، وإن طالما إحنا متجوزين يبقى من حقي أشتغل ليل نهار عشان أصرف على أخوها خالد، الشاب اللي عمره ما شال مسؤولية ولا حاول يعتمد على نفسه!
ولما رفضت، قلبت الدنيا فوق دماغي وقالتلي بكل برود
إنت هتخسر إيه لما تشتغل كام ساعة زيادة؟ خالد أخويا ومش هسيبه محتاج!
ساعتها بصيتلها وقلت
وأنا ولادي ذنبهم إيه عشان يعيشو من غير أب عشان أخوكي مش عايز يشتغل؟
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن المشكلة الحقيقية ما كانتش في خالد ولا حتى في حماتي
المشكلة كانت في غلطة واحدة أنا اللي عملتها من سنين
إني خليت حسابي البنكي مشترك بيني وبين مراتي.
وفي اليوم اللي قررت فيه أراجع الحساب لأول مرة بنفسي، اكتشفت إن فلوسي اللي كنت فاكر إني بصرفها على بيتي وولادي
كانت بتروح في أماكن عمري ما سمعت عنها!
والأخطر من كده إن آخر عملية سحب كانت بمبلغ كبير جدًا، والاسم اللي ظهر قدامها خلاني أحس إن مراتي مخبية عني سر أكبر بكتير من حكاية أخوها العاطل
وساعتها قررت إني مش هسألها هعرف الحقيقة بطريقتي.
الفصل الأول الحساب اللي فتحلي باب عمرّي ما كنت متخيله
أنا أحمد محمود، عندي 38 سنة.
لو حد سألني عن أكتر حاجة كنت فخور بيها في حياتي، مش هقول عربيتي، ولا شقتي، ولا حتى منصبي كمدير فرع بنك.
هقول أولادي.
أنا

عندي ولد وبنت، عمر وسارة.
عمر عنده عشر سنين، وسارة عندها سبع سنين.
كل اللي عملته في حياتي كان عشانهم.
من وأنا صغير وأنا عارف إن الفلوس مش بتيجي بالساهل.
أبويا كان موظف بسيط، وأمي كانت ست بيت، وكنا عيلة على قد حالنا.
كنت بشوف أبويا يرجع من الشغل مهدود، وبرغم كده كان بيقعد يراجعلي دروسي.
وكان دايمًا يقولّي
يا أحمد، العلم هو الحاجة الوحيدة اللي محدش يقدر ياخدها منك.
علشان كده ذاكرت.
دخلت كلية تجارة.
اشتغلت وأنا بدرس.
وبعد التخرج اشتغلت في بنك صغير، وفضلت أترقى لحد ما بقيت مدير فرع.
مرتبي كان كويس، والحمد لله كان مكفيني أنا وبيتي.
كنت بدفع مصاريف المدارس، الإيجار، الأكل، العلاج، وفوق ده كله بحوش مبلغ كل شهر.
مش عشان أبقى غني.
كنت بس عايز لما أولادي يكبروا ما يحتاجوش لحد.
مراتي مريم كانت معايا من أيام الجامعة.
اتجوزنا بعد ما بدأت حياتي العملية بسنة.
في الأول كانت حياتنا بسيطة جدًا.
شقة صغيرة.
عفش متواضع.
عربية قديمة.
وكنا مبسوطين.
مريم كانت بتحبني وأنا كنت بحبها.
أو على الأقل كنت فاكر إننا فاهمين بعض.
لكن بعد سنين، حصل تغيير تدريجي.
مريم بدأت تهتم بعيلتها أكتر من اللازم.
أخوها خالد كان عنده 32 سنة.
ومن ساعة ما خلص دراسته وهو بيشتغل كام شهر ويقعد كام سنة.
كل ما يشتغل في مكان يحصل خلاف.
مرة يقول المرتب قليل.
مرة يقول المدير مش عاجبه.
مرة يقول الشغل متعب.
وفي الآخر يرجع يقعد في بيت أمه.
أما حماتي، فكانت ست كبيرة ومريضة شوية، وكنت دايمًا أساعدها على قد ما أقدر.
لكن المشكلة إن المساعدة اتحولت مع الوقت لالتزام.
فاتورة كهربا؟
أنا أدفع.
دواء؟
أنا أدفع.
مصاريف خالد؟
أنا أدفع.
أكل؟
أنا أدفع.
ولما كنت أسأل
هو خالد مش هينزل يدور على شغل؟
مريم كانت تزعل.
يعني هتسيبه يموت من الجوع؟
فكنت أسكت.
لحد اليوم اللي مريم دخلت عليا وأنا راجع من الشغل.
كنت الساعة ساعتها حوالي تسعة بالليل.
خلعت الجاكت، وحطيته على الكرسي.
لقيتها قاعدة مستنياني.
قلت
مساء الخير.
ما ردتش.
بصيتلها.
مالك؟
قالت
عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم.
قعدت قدامها.
خير؟
قالت بمنتهى الهدوء
إنت ممكن تشتغل شغلانة تانية.
ضحكت من غير ما أقصد.
افتكرتها بتهزر.
شغلانة إيه؟
قالت
محاسب في شركة.
بصيتلها ثواني.
بعد شغلي في البنك؟
أيوه.
يعني هخلص البنك وأروح الشركة؟
بالظبط.
ضحكت تاني.
بس المرة دي ما كانتش ضحكة هزار.
كانت ضحكة واحد مش مصدق اللي بيسمعه.
قلت
مريم، أنا بدخل البنك الساعة 8 الصبح وبخرج بعد 6 أو 7. ساعات برجع البيت 8 ونص. إنتِ عايزاني بعد كل ده أروح شغل تاني؟
ردت
كام ساعة بس.
كام ساعة؟
من 8 لحد 11.
سكت.
وبعدين سألتها
وليه؟
قالت
علشان خالد.
حسيت إن الدم وقف في عروقي.
خالد؟
أيوه.
يعني أنا هشتغل شغلانة تانية علشان أخوكي؟
مش أخويا وبس. أمي كمان.
وقفت.
مش عارف أضحك ولا أتعصب.
قلت
طيب خالد هيعمل إيه؟
قالت
هو مش لاقي شغل مناسب.
من إمتى؟
من فترة.
هو عنده 32 سنة يا مريم.
يعني إيه؟
يعني قادر يشتغل.
ردت بعصبية
إنت شايف الموضوع بالبساطة دي؟
أيوه. واحد محتاج فلوس، يشتغل.
ولو الشغل اللي لاقيه مش مناسب؟
ينزل يشتغل أي حاجة لحد ما يلاقي المناسب.
مريم قامت من مكانها.
إنت مش مقدر ظروفه.
قلت
وأنا ظروفي مين مقدرها؟
سكتت.
كملت
أنا من الساعة 8 الصبح لحد بالليل في البنك. وأنا اللي بدفع معظم مصاريف البيت. وعندي طفلين محتاجين أبوهم. إنتِ عايزاني أرجع آخر الليل مهدود عشان خالد يقعد في البيت؟
قالت
خالد أخويا.
وأولادي ولادي.
قالتها بصوت أعلى
إنت هتخسر إيه لما تشتغل كام ساعة زيادة؟
بصيتلها.
وقلت
هخسر صحتي.
مش للدرجة دي.
هخسر وقتي مع ولادي.
سارة وعمر مش محتاجينك طول الوقت.
الكلمة دي وجعتني.
أكتر مما توقعت.
قلت
لأ، محتاجيني.
وسبتها ودخلت أوضة الأولاد.
لقيت عمر نايم.
وسارة كانت لسه صاحيه.
أول ما شافتني قالت
بابا.
ابتسمت.
نعم يا قلب بابا؟
قالت
هتقعد معايا شوية؟
بصيت في الساعة.
كنت تعبان.
بس قعدت جنبها.
وفي اللحظة دي، فهمت إن مريم مش شايفة اللي أنا شايفه.
أنا شايف حياتي.
هي شايفة مرتب.
أنا شايف أولادي.
هي شايفة احتياجات أهلها.
أنا شايف أب بيضيع منه عمره ساعة ورا ساعة.
تاني يوم، نزلت الشغل.
لكن كلام مريم فضل في دماغي.
ولأول مرة في حياتي، قررت أراجع حسابنا المشترك.
مش لأنّي كنت شاكك فيها.
ولا لأنّي كنت فاكر إنها بتخونني.
عمرها ما عملت حاجة من النوع ده.
لكنّي بدأت أسأل نفسي
أنا مرتبي بيروح فين؟
فتحت الحساب من تطبيق البنك.
وقعدت أبص.
مرتب.
سحب.
تحويل.
تحويل.
سحب.
مصروفات.
تحويل.
وقفت عند رقم معين.
اتحول مبلغ 18 ألف جنيه لشركة اسمها
النور للاستشارات الإدارية.
استغربت.
أنا عمري ما سمعت عن الشركة دي.
راجعت العمليات القديمة.
لقيت تحويلات لنفس الاسم.
5 آلاف.
8 آلاف.
12 ألف.
17 ألف.
وفي شهر واحد كان فيه تحويلين مجموعهم 31 ألف.
قلبي بدأ يدق.
دخلت على تفاصيل التحويل.
اسم المستفيد
محمود عبد الرحيم.
فضلت باصص للاسم.
محمود عبد الرحيم؟
مين ده؟
اتصلت بالبنك من تليفوني الشخصي، وطلبت تفاصيل العملية باعتباري أحد أصحاب الحساب.
الموظف قال
التحويل تم من خلال الخدمات الإلكترونية.
مين عمله؟
العملية تمت من جهاز مسجل على الحساب.
الجهاز ده باسم مين؟
بعد شوية قال
الجهاز مسجل باسم مدام مريم.
قفلت.
حطيت الموبايل على المكتب.
ما اتعصبتش.
الغريب إني ما حسيتش بغضب.
حسيت بحاجة أسوأ.
إحساس إن فيه جزء من حياتي أنا مش عارف عنه حاجة.
وفي نفس اليوم، قبل ما أرجع البيت، قررت أعمل حاجة.
مش هواجه مريم.
مش دلوقتي.
هعرف الأول الفلوس راحت فين.
رجعت البيت عادي.
اتعشيت مع أولادي.
ضحكت.
ولعبت مع سارة.
ومريم كانت بتبصلي باستغراب.
قالت
إنت ساكت ليه؟
ابتسمت.
مفيش.
لكن في دماغي كان سؤال واحد
مين محمود عبد الرحيم؟
وليه مراتي بتحول له فلوس من حسابنا؟
والأهم…
ليه كل التحويلات دي كانت بتحصل من غير ما أعرف؟
الفصل الثاني خالد ما كانش عاطل زي ما كنت فاكر
تاني يوم، طلبت من زميلي في البنك، كريم، يساعدني في معلومة.
كريم كان مسؤول العمليات الإلكترونية، وكنت واثق فيه.
قلتله
عايز
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *