ابني كان كل ما يقعد ياكله
لمحة نيوز
وصلتني رسالة منه
إنتي فين يا أمي؟ خرجتي من البيت ليه من غير ما تقولي لحد؟
كنت مستنية أشوف كلمة تطمني إنه قلقان عليا، لكن لما رديت، أول حاجة قالها كانت
إنتي فين يا فاطمة؟
قلت بهدوء
صباح الخير يا أحمد.
رد بعصبية
صباح الخير إيه بس؟ إنتي سيبتي البيت ومشيتي من غير ما تصحي حد ليه؟
قلت له
عشان كنت محتاجة أمشي.
قال
تمشي تروحي فين؟ وإنتي عندك بيتك وولادك هنا!
سكت لحظة، وبعدين قلت
بيتي يا أحمد هو المكان اللي أحس فيه إني متقدرة، مش المكان اللي أفضل فيه طول اليوم أخدم الناس، وفي الآخر أسمع منك إني قاعدة عندك زي اللي فاتحة لوكاندة.
اتنهد بضيق وقال
يا أمي، هو إنتي مكبرة الموضوع ليه؟ أنا كنت بطلب منك حاجة بسيطة.
قلت
تالت مرة في نفس الليلة يا أحمد.
رد ببرود
خلاص يا ستي، حقك عليا. تعالي بقى، عشان الولاد محتاجينك ونجلاء عندها مشوار.
غمضت عيني. حتى اعتذاره ما كانش عشاني، كان عشان محتاجني أرجع أساعدهم.
قلت له
أنا مش راجعة يا أحمد.
صوته علي
يعني إيه مش راجعة؟ هتعيشي فين؟
قلت
هتصرف.
ضحك بسخرية وقال
هتتصرفي إزاي وإنتي معاشك على قدك؟
الكلمة وجعتني، لكن المرة دي ما عيطتش.
قلت له
ما تقلقش عليا. أنا هعرف أعيش. وعلى فكرة يا أحمد، أنا مش زعلانة عشان نضفت البيت ولا غسلت الأطباق. أنا زعلانة عشان إنت نسيت أنا مين بالنسبة لك.
وبعدين قفلت الخط.
بعد المكالمة، حسيت بهدوء غريب. ما كنتش فرحانة إني سيبت ابني، لكن كنت مرتاحة إني أخيرًا قلت اللي جوايا.
بعد الضهر، اتصل بيا الأستاذ سامح، المحامي اللي بيتابع ميراث محمود.
قال
صباح الخير يا مدام فاطمة. حبيت أطمن حضرتك إن المستندات الأساسية بقت جاهزة، وفيه شوية إجراءات أخيرة محتاجين نراجعها سوا.
قلت له
أنا جاهزة يا أستاذ سامح، بس عندي طلب. أنا عايزة أبدأ حياة جديدة، ومش عايزة حد يعرف أي حاجة عن الفلوس اللي ورثتها من جوزي.
رد
ده حقك طبعًا، وهنحافظ على سرية بياناتك في حدود القانون. بس مهم تحتفظي بأوراقك، وما تمضيش لأي حد على توكيل أو مستند من غير مراجعة.
شكرته، واتفقنا نتقابل تاني يوم.
بعدها بدأت أدور على شقة مفروشة صغيرة أعيش فيها مؤقتًا، لحد ما أخلص إجراءات الميراث وأحدد المكان اللي يناسبني.
كنت عايزة مكان بسيط، فيه أوضة نوم وصالة ومطبخ صغير وبلكونة أقدر أقعد فيها الصبح أشرب الشاي من غير ما حد يطلب مني حاجة.
وبالفعل، لقيت شقة هادية واتفقنا على الإيجار.
لما دخلتها لأول مرة، حطيت شنطتي جنب السرير وفتحت الشباك، وقلت لنفسي
أهو يا فاطمة، بداية جديدة. هنا هتقدري ترتاحي وتعيشي من غير ما تحسي إن وجودك عبء على حد.
في الناحية التانية، أحمد رجع من شغله ولقي نجلاء قاعدة في الصالة.
سألها
ماما لسه ما رجعتش؟
قالت
وهي هترجع ليه؟ ما إنت عارف إنها زعلت من كلامك.
رد
ما أنا كلمتها وقالت مش راجعة.
قالت
يمكن ترتاح شوية عند حد من قرايبها.
بصلها باستغراب
ترتاح من إيه؟ هي كانت قاعدة في البيت بتعمل إيه غير إنها تساعدنا؟
الكلمة خرجت منه من غير ما يفكر، لكن ابنه الصغير يوسف كان واقف عند باب الصالة وسمعه.
قرب منه وسأله
بابا، هو إنت زعقت لتيتة عشان تنظف السلم؟
أحمد اتضايق وقال
إنت مالك يا يوسف؟ روح العب.
الولد ما اتحركش، وقال بحزن
بس تيتة كانت بتساعدنا كلنا، وبتحكي لي حواديت قبل النوم. هو إحنا زعلناها عشان كده مشيت؟
أحمد اتعصب
قلت لك روح العب!
يوسف جري على أوضته وهو بيعيط، ونجلاء بصت لأحمد وقالت
شايف عملت إيه عشان كلمة؟
رد
إنتي كمان هتبدأي؟
قالت
أنا مش هبدأ حاجة، بس أمك كانت شايلة البيت كله، وإحنا اتعودنا على ده.
سكت أحمد.
لأول مرة، بدأ يفكر في معنى الجملة دي. هو فعلًا اتعود إن أمه موجودة، وإن الأكل جاهز، والهدوم نضيفة، والعيال متطمن عليهم، من غير ما يسأل نفسه مين اللي بيتعب عشان كل ده.
لكنه بدل ما يواجه غلطه، بدأ يدور عليا.
اتصل بخالاته وعماته وأصحابي القدامى، لكن محدش كان عارف مكاني.
لحد ما اتصل بخالته سعاد.
قال لها
يا خالتي، إنتي شوفتي أمي؟ أنا مش عارف أوصل لها.
ردت
ما شفتهاش يا أحمد، بس عايزة أقول لك حاجة. أمك عمرها ما اشتكت منك قدامي، لكن ده مش معناه إنها ما كانتش تعبانة.
سألها
تعبانة من إيه؟
قالت بحزم
من إنها بقت حاسة إنها ملهاش قيمة في بيتك. بص يا ابني، أمك مش خدامة عندك. دي اللي سهرت عليك وحرمت نفسها عشانك. لو زعلتها، روح صالحها من قلبك، مش عشان ترجع تخدمك.
وقبل ما تقفل، قالت
وما تستناش إنها تفضل مستنياك طول العمر.
الكلام فضل يرن في ودنه، لكنه لسه ما كانش فهم الدرس كله.
عدى أسبوع، وأنا بدأت أتعود على حياتي الجديدة. كنت بصحى الصبح وأعمل فطاري بنفسي، وأنزل أتمشى شوية، وبعدها أروح أقابل الأستاذ سامح عشان نكمل إجراءات الميراث.
ولما اتأكدنا من المستندات القانونية، بقيت قادرة أتصرف في فلوسي بشكل منظم وآمن.
ما كنتش عايزة أشتري أغلى عربية ولا ألبس أغلى هدوم. كنت عايزة أضمن إن محدش يقدر يتحكم في حياتي، وإن يبقى عندي بيت باسمي أعيش فيه وأنا مطمنة.
وبالفعل، اشتريت شقة تمليك في مكان هادي، وبدأت أجهزها على ذوقي. اخترت ستاير بسيطة، وأثاث مريح، ومكتبة صغيرة حطيت فيها صورة محمود وصور أحفادي.
وفي الوقت نفسه، بدأت أزور دار أيتام قريبة مني. كنت بقعد مع الأطفال وأسمع حكاياتهم، وأجيب لهم كتب وألعاب على قد احتياجهم.
ما كنتش عايزة أعمل حاجة عشان الناس