ورث مزرعه
ورث مزرعة مهجورة، ولما راح يستلمها لقى أرملة شابة عايشة فيها.
أول ما عمر قال إنه هيبيع الأرض، الست اللي كانت لسه مقدماله الأكل وقفت غسل المواعين، وبصت له بهدوء وقالت
بيع الحيطان براحتك بس قبل ما تبيع، اسأل نفسك الأول مين هيشرب المية بعد كده؟
عمر بص لعقد الملكية المتني اللي كان محطوط جنب كباية الشاي.
كان وصل للقرية دي في الفيوم وهو مقتنع إن كل اللي ورثه عبارة عن بيت قديم مهجور، وشوية أرض ناشفة مليانة حجارة.
كان محتاج يبيع بسرعة.
يسدد ديونه.
ويرجع القاهرة.
لكن اللي ماكانش متوقعه
إنه يلاقي سفرة متحضرة ومستنية حد ياكل.
ولا كان متوقع يقابل أرملة بتبص له كأنه على وشك يرتكب غلطة هتندمه طول عمره.
اسمها سلمى.
عندها 31 سنة، ولابسة جلابية بسيطة عليها ورد أحمر صغير.
جوزها كان شغال عند عم عمر، ومات في حادثة من 3 سنين.
ومن ساعتها، سلمى فضلت عايشة في الأرض، وبتعتني بالمزرعة وتحافظ عليها.
عمر قال لها
عمي مات من 5 شهور.
هزت راسها.
عارفة. واحدة من البلد قالتلي.
بصلها باستغراب.
وحدش جه اتكلم معاكي؟
هزت راسها بالنفي.
عمر حس بإحراج.
طول الشهور اللي فاتت، عيلته كلها كانت بتتكلم عن الورث وتقسم الممتلكات وتحسب قيمتها
ولا واحد فيهم سأل نفسه مين اللي كان بيأكل الفراخ.
ومين اللي بيصلح السور.
ومين اللي حافظ على البيت واقف لحد دلوقتي.
بص للطبق التاني على السفرة وسأل
الطبق ده لحد تاني؟
قالت
للحاج صابر، جارنا. من ساعة ما مراته ماتت وهو بييجي ياكل هنا. النهارده راح للدكتور.
حطت قدامه طبق فول بالزيت الحار، وقرع مطبوخ، ورغيف عيش سخن.
عمر كان جعان جدًا.
أكل بسرعة.
كان ماشي تقريبًا ساعتين من أول الطريق لحد ما وصل للمكان.
وبعد ما خلص، قال من غير ما يعرف ليه حكى لها
عليا ديون ب ألف جنيه.
سلمى رفعت عينيها له.
كمل
أمي كانت تعبانة. استلفت عشان علاجها، وبعدها استلفت تاني عشان أسدد القرض الأول. بشتغل طول اليوم، وبرضه الفلوس مش مكفية.
سلمى قعدت قدامه.
عشان كده عايز تبيع؟
أيوه.
سكت لحظة وبعدين سألها
وإنتِ؟ هتروحي فين؟
نزلت عينيها على إيديها.
لسه ماعرفتش.
الليلة دي، عمر نام في أوضة صغيرة في آخر البيت.
كان سامع صوت نقط المية وهي بتنزل في جردل تحت السقف اللي كان بيسرب.
وفضل طول الليل يفتكر أمه وهي قاعدة زمان، بتحسب مصاريف البيت بالقرش، وتشوف هيفضل معاها كام جنيه بعد ما تشتري دواها.
مع أول ضوء للصباح، عمر دخل المطبخ وهو واخد قرار.
قال
أنا هسيبلك الأرض.
إيد سلمى وقفت وهي بتقلب في مطحنة القهوة.
بصت له.
نعم؟
إنتِ اللي تعبتي فيها. وأنا أصلًا ما بفهمش حاجة في الزراعة. هدور على طريقة تانية أسدد بيها ديوني.
كان مستني منها تفرح.
يمكن تعيط.
لكنها حركت الحلة من على النار وقالت بهدوء
لأ.
عمر اتفاجئ.
لأ؟
أنا برفض أعيش لوحدي مع مشكلة إنت لسه مش فاهمها.
أخدته ورا البيت، لحد بئر قديم عند سفح تلة صغيرة.
فوق البئر كانت شجرة جميز ضخمة، جذعها معوج، وناحية منها فروع ناشفة.
سألها
إيه علاقة البير بالأرض؟
أشارت للأراضي اللي ورا السور.
في آخر موجة جفاف، كذا عيلة من البلد كانت بتيجي هنا تاخد مية. كل الآبار التانية كانت نشفت.
عمر بص للبئر.
وبعدين؟
قالت
كل الأرض اللي حواليك دي ملك واحد اسمه بدر الجبالي.
عمر سكت.
بدر ده عايز يشتري الأرض دي من سنين. عمك عمره ما وافق.
عمر رد
حتى لو سبتها لكِ، إنتِ مش مضطرة تبيعي له.
سلمى بصت له.
إنت فاكر الموضوع بالبساطة دي؟
وسكتت لحظة، وبعدين قالت
وقت ما جوزي كان تعبان، بدر عرض علينا فلوس عشان يساعدنا في علاجه، مقابل إني أمضي على ورقة.
عمر قرب منها.
ومضيتي؟
عمك هو اللي قرأ الورقة.
عمر اتفاجئ.
وكان فيها إيه؟
ماكانتش ورقة سُلفة زي ما قال.
سكتت.
كان فيها تنازل عن جزء من الأرض.
عمر حس إن الموضوع أكبر من مجرد أرض.
سلمى كملت
أنا أقدر أشتغل. وأقدر أتعب. وأقدر أعيش بالقليل.
وبصت له في عينه.
بس اللي مقدرش أعمله إني أفضل طول عمري بشتغل، وفوق كل ده أفضل خايفة من كل واحد يشوفني لوحدي ويفكر إنه يقدر يستغلني.
عمر سكت.
ولأول مرة فهم حاجة مهمة.
حتى كرمه لما قال لها خدي الأرض
كان فيه جزء منه هروب.
كان عايز يرمي المشكلة كلها على حد تاني، ويهرب يسدد ديونه.
الظهر، وصل الحاج صابر.
كان ماشي بعصاية، مع إنه ماكانش بيستخدمها إلا لما يحس إن محدش واخد باله.
راجل عنده 68 سنة، وإيديه كبار وقويين من سنين الشغل.
قعد وسمع عمر من غير ما يقاطعه.
وبعدين قال
عمك كان بيقول إنك شاطر في الحسابات.
عمر ابتسم بحزن.
كنا مش بنتقابل كتير.
الحاج صابر هز راسه.
بس هو كان بيتكلم عنك.
الجملة وجعت عمر أكتر مما توقع.
هو طول الوقت كان فاكر إن عمه مجرد راجل كبير مات وساب له أرض.
لكن واضح إن الراجل كان فاكره.
وكان بيتكلم عنه.
وكان مستنيه.
أثناء الغدا، الحاج صابر قال
بدر الجبالي اشترى أراضي كتير من ناس كانت ظروفهم صعبة.
عمر سأله
إزاي؟
رد الرجل
الأول ييجي يعرض المساعدة.
وبعدين سكت لحظة.
وبعدها الواحد يكتشف إن المساعدة دي ليها تمن.
عمر بص لسلمى.
كانت قاعدة بتقطع رغيف العيش بهدوء.
سألها
عم بدر عايز الأرض دي ليه أوي؟
سلمى ما ردتش.
الحاج صابر هو اللي قال
عشان البير.
عمر بص له.
البير؟
هز الراجل راسه.
البير ده مش عادي يا ابني.
سكت لحظة وبعدين قرب منه وقال
وعمك كان عارف حاجة عن الأرض دي حاجة خلت بدر مستعد يدفع أضعاف تمنها.
عمر حس بقشعريرة.
بص لسلمى.
ولأول مرة من ساعة ما وصل
بدأ يشك إن الورث اللي جاله ماكانش مجرد أرض وبيت قديم.
يمكن عمه كان سايب له سر.
وسر يخلي ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان تستولي على الأرض.
عمر أخد نفس طويل وقال
أنا هقعد هنا كام أسبوع.
سلمى رفعت عينيها له.
ليه؟
بصلها وقال
قبل ما أقرر أبيع أو أسيب عايز أفهم أنا ورثت إيه بالظبط.
سلمى ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت
يبقى من بكرة هنبدأ بدري.
لكن عمر ماكانش يعرف إن أول يوم شغل في المزرعة
هيكون اليوم اللي هيكتشف فيه ليه عمه رفض يبيع الأرض طول حياته.
حكايات بسمة
في صباح اليوم التالي، عمر صحى قبل الفجر على صوت خبطات منتظمة جاية من ناحية البير.
في الأول افتكر إن الحاج صابر بدأ شغله بدري.
لكن الصوت كان غريب
ثلاث خبطات.
سكتة.
ثلاث خبطات تاني.
عمر لبس هدومه بسرعة وخرج من الأوضة.
البيت كله كان ساكت.
ولما وصل عند باب المطبخ، شاف سلمى واقفة قدام الشباك، وشها متغير.
قال
إنتِ سمعتي الصوت؟
ما ردتش.
قرب منها.
سلمى؟
قالت بصوت واطي
الصوت ده مش جديد.
عمر اتوتر.
يعني إيه؟
بصت ناحية البير وقالت
من أسبوعين، كل ليلة تقريبًا في نفس المعاد بسمعه.
وليه ماقولتيش؟
سكتت ثواني.
عشان أول مرة سمعت الصوت، نزلت أشوف.
عمر قرب أكتر.
ولقيتي إيه؟
سلمى بصت له وقالت
لقيت غطا البير مفتوح.
عمر عقد حواجبه.
وإنتِ متأكدة إنك كنتِ قافلاه؟
متأكدة.
خرجوا الاتنين ناحية البير.
الهواء كان بارد، والشجرة الكبيرة بتتحرك فروعها فوق راسهم.
عمر ركع على الأرض.
لقى آثار طين جديدة حوالين فتحة البير.
وبجانبها
أثر حذاء واضح.
رفع عينه لسلمى.
حد كان هنا امبارح بالليل.
قالت
أنا عارفة.
إزاي؟
أشارت لورا الشجرة.
كان فيه سلك معدني رفيع مربوط في فرع منخفض، وطرفه نازل ناحية البير.
عمر لمسه.
ده معمول جديد.
وفجأة سمعوا صوت عربية جاية من بعيد.
سلمى اتجمدت.
بدر.
العربية وقفت قدام بوابة المزرعة.
نزل منها بدر الجبالي ومعاه راجلين.
دخل وهو مبتسم.
صباح الخير يا عمر بيه.
عمر وقف.
إنت عرفت إني هنا منين؟
ابتسم بدر.
دي بلد صغيرة. الأخبار فيها أسرع من العربيات.
وبص ناحية البير.
ابتسامته اختفت للحظة.
لحظة واحدة بس
لكن عمر شافها.
بدر قال
كنت جاي أتكلم معاك في موضوع الأرض.
عمر رد
وأنا كمان كنت عايز أتكلم معاك.
اتفضل.
ليه الأرض دي مهمة بالنسبالك للدرجة دي؟
بدر ضحك.
أرض زراعية كويسة. وأنا راجل شغال في الاستثمار. إيه الغريب؟
عمر أشار للبئر.
والبئر؟
وش بدر اتغير.
لكنه رجع ابتسم بسرعة.
بئر قديم مالوش قيمة.
الحاج صابر، اللي كان وصل من غير ما حد يحس، قال من خلفهم
لو مالوش قيمة إنت ليه بتحاول توصله بالليل؟
الصمت وقع عليهم.
بدر بص للحاج صابر.
إنت بتتهمني بحاجة؟
الحاج صابر رد بهدوء
أنا بس بسأل.
بدر قرب من عمر.
اسمعني يا ابني لو عايز تبيع، أنا هديك سعر أعلى من أي حد.
عمر سأله
كام؟
بدر قال رقمًا جعل عمر يسكت.
كان تقريبًا ضعف السعر اللي كان متوقعه.
سلمى بصت لعمر.
لكن عمر ما ردش.
بدر ابتسم وقال
فكر براحتك. بس ماتتأخرش.
وقبل ما يمشي، وقف جنب عمر وقال بصوت منخفض
في حاجات يا ابني لما تعرفها، بتتمنى لو فضلت جاهل.
ثم خرج.
عمر فضل واقف مكانه.
وبعد ما العربية اختفت، بص لسلمى.
عم بدر كان بيخوفني؟
قالت
هو مش من عادته يخوف حد من غير سبب.
عمر رجع ناحية البير.
رفع الغطا الحديدي.
ولأول مرة نزل بعينه لجوه.
كان المكان مظلم.
لكن في قاع البئر، على عمق كبير
شاف لمعان حاجة معدنية.
قال
سلمى هاتي الحبل.
سلمى اترددت.
إنت ناوي تنزل؟
أيوه.
استنى.
دخلت البيت بسرعة، ورجعت بعد دقيقة وهي ماسكة صندوق خشب صغير.
حطته قدامه.
ده كان عند عمك.
عمر فتحه.
جواه مفاتيح قديمة، ورق أصفر، وصورة بالأبيض والأسود للمزرعة.
لكن كان فيه حاجة أغرب.
خريطة مرسومة بإيد عم عمر.
وفي وسط الخريطة علامة حمراء على البير.
وتحتها جملة قصيرة
المية مش هي السر السر تحتها.
عمر رفع عينه ببطء.
وفي نفس اللحظة
جاء صوت ارتطام قوي من داخل البير.
ثم سمعوا صوت معدن