بقى لي شهر عند امي
ضحكت بسخرية لاذعة وقلت له:ـ دلوقتي بقيت أختكم؟ وبقى شكلي يهمكم وسط الناس؟ لما طردوني ومراتك كانت بتزغرد في السر عشان تقعد مكاني مكنتوش خايفين على شكلكم؟ اعدوا في بيوتكم واستروا نفسكم، ولا أنا ولا ولادي محتاجين رجوعكم ولا صالحكم.. اعتبروا لي أخ ولا كأني اتولدت في العيلة دي أصلاً!
قفلت السكة في وشه من غير ما أسمع رده، ورميت التليفون على الترابيزة وأنا حاسة برياح الحرية بتملى صدـ,,ـــري. دخلت أوضة الأولاد، لقيتهم نايمين في سلام وأمان، فوستهم براحة وبصيت من البلكونة على الشارع اللي تحت، وشوفت الشمس طالعة نورة وساطعة على بيتي وحياتي الجديدة. أنا كسبت الحرب، ورجعت كرامتي اللي متقدرش بكل فلوس الدنيا، وعرفت إن الست القوية مش اللي بتتحمل الإهانة وتسميها صبر، دي اللي بتقف في وش كل ظالم وتقولو بصوت عالي: كفاية ذل، أنا حقي مش للبيع!
الشمس كانت طالعة بضوءها الدافي، مالية الشقة كلها طاقة ونور، وريحة القهوة اللي عملتها كانت هادية وجميلة، لأول مرة أشربها وأنا قاعدة في الصالون بتاعي، من غير خوف ولا ترقب، ومن غير ما أحس إن فيه عين بتراقبني أو صوت هيزعق فيا لو قعدت دقيقة أريح فيها. ولادي صحيوا الصبح بابتسامة صافية، وش الرهبة والخوف اللي كان مالئ عيونهم أيام بيت أمي ومنظر الطرد اختفى تماماً.
دخلوا المطبخ بيلعبوا ويضحكوا، وقال لي الصغير ببراءة:ـ ماما، هو إحنا مش هنروح المدرسة النهاردة؟نزلت لمستواه، وبست خدّه، وقلت له بحب وثقة:ـ طبعًا يا حبيبي، هتاخدوا شطائركم وتلبسوا أحلى لبس، وبكرة هتروحوا مدارسكم راسكم مرفوعة لفوق، ومحدش أبدًا هيجرؤ يكسر خاطركم. في اللحظة دي، جرس الباب رن. قلبي مدقش بخوف زي كل مرة، بالعكس.
. قمت بثبات وفتحت الباب. لقيت أمي واقفة على الباب، وعينيها غرقانة في الدموع، وماسكة شنطة صغيرة فيها حاجات خفيفة، وشكلها مكسور خالص. بصيت لها بهدوء من غير ما أتكلم، فقالت بصوت متحشرج:ـ ينفع يا بنتي تقفلي بابك في وش أمك زي ما عملت مع حماتك؟ أنا عارفة إني قصرت معاكي، ومرت أخوكي دي كانت مسلطة علينا الشيطان، بس أنا أمك في الآخر.. ومقدرتش أستحمل أقعد في بيت حاسة فيه إن بنتي مكسورة وبعيدة عني.
حسيت بغصة في قلبي؛ لأن مهما حصل دي أمي، بس الجرح اللي سابوه فيا مكنش سهل يتعالج بيوم وليلة. فتحت الباب شوية وقولت لها بصوت هادئ:ـ تعالي يا أمي.. دخلي، البيت بيتك زي ما كنتِ بتقولي لي دايماً، بس اعرفي كويس.. أنا مش البنت الضعيفة اللي كانت بتستحمل المذلة عشان تسكت الناس. أنا هنا ملكة بيتي، ومحدش هيدخل بيتي ولا يتحكم فيا تاني.