لازم اتجوز

ماحاولتش تثبت نفسها بالكلام.
كانت أول واحدة توصل، وآخر واحدة تراجع التقارير قبل تسليمها. اتعلمت الأنظمة الجديدة، وطلبت مساعدة زملائها لما تحتاج، وكانت بتعامل موظفي النظافة والاستقبال بنفس الاحترام اللي بتعامل بيه المديرين.
وبعد شهور، اقترحت نظامًا جديدًا لتسجيل شكاوى النزلاء، بحيث يتم توزيعها على الأقسام المختصة ومتابعتها لحد ما تتحل.
النظام قلل وقت معالجة الشكاوى، وخلّى الإدارة تكتشف مشكلات متكررة في التدريب والتنظيم.
في اجتماع سنوي للشركة، المدير التنفيذي عرض النتائج، وذكر اسم سارة باعتبارها صاحبة الاقتراح الأساسي.
القاعة صفقت لها.
كانت قاعدة في الصفوف الأمامية، لابسة بدلة رسمية بسيطة وأنيقة، ووشها منور بالفرحة.
راشد كان حاضر الاجتماع، وصفق معاهم.
لكنه ماحاولش يقرب منها بعده أو ينسب لنفسه أي فضل في نجاحها.
كان عارف إنها وصلت بمجهودها.
بعد انتهاء الاجتماع، راحت سارة تكلم مديرها عن الخطوة اللي بعدها في شغلها.
وفي طريقها للخروج، قابلت راشد عند المصعد.
قال مبتسمًا
مبروك يا أستاذة سارة.
ضحكت.
أستاذة مرة واحدة؟! هو أنا بقيت مديرة عامة وأنا معرفش؟
لأ، بس واضح إنك ماشية في الطريق ده.
ردت بثقة
إن شاء الله. لسه عندي حاجات كتير عايزة أتعلمها.
راشد هز رأسه بإعجاب.
وده أحسن شيء. الإنسان اللي يفتكر إنه خلاص عرف كل حاجة، بيقف مكانه.
سارة بصت له وقالت
واضح إنك اتعلمت حاجات إنت كمان.
اتعلمت إن النصيحة اللي بټوجعك شوية، ممكن تكون أهم من ألف مجاملة.
ضحكت.
وقبل ما المصعد يوصل، سألها
ممكن أعزمك على قهوة يومًا ما؟ مش اجتماع شغل، ومش عشان محتاج منك مساعدة. مجرد قهوة نتكلم فيها.
سارة بصت له باستغراب.
كانت أول مرة يطلب منها حاجة شخصية بالطريقة دي.
فقالت بوضوح
ممكن. بس بشرط.
إيه هو؟
مفيش كلام عن جواز ولا عن فلوس ولا عن إنك أنقذتني أو أنا أنقذتك. أنا مش عايزة أكون بطلة حكاية الفرح اللي باظ.
راشد ابتسم.
اتفقنا.
وكمان أنا اللي هختار المكان.
ضحك.
ده شرط أصعب من الأول!
يبقى اتعلم تختار صح!
ضحكوا هما الاتنين.
ولما المصعد فتح، كل واحد راح في طريقه.
لكن المرة دي، راشد ماحسش إنه لازم يستعجل أي شيء.
كان مستعدًا يسيب العلاقة تاخد وقتها، لو كان ليها مستقبل أصلًا.
الفصل العاشر أول قهوة من غير ألقاب
بعد أسبوع، اتقابلوا في مقهى صغير هادي اختارته سارة بنفسها.
ماكانش المكان فخمًا، ولا فيه حراسة واقفة عند الباب، ولا كاميرات بتلاحق راشد.
كان مجرد مقهى لطيف، فيه شجر صغير عند الشبابيك، ورائحة القهوة مالية المكان.
وصل راشد قبل الموعد بعشر دقايق.
ولما دخلت سارة، قام من مكانه.
قالت وهي بتقعد
إنت جاي بدري ليه؟
خفت تتأخري وأقعد أقول إنك هربتي زي العروسة القديمة!
سارة اڼفجرت في الضحك.
يا نهار أبيض! هو إنت لسه بتفكر في الموضوع ده؟
على فكرة، أنا بقيت أضحك عليه. زمان كنت فاكر إن اللي حصل أكبر کاړثة في حياتي. دلوقتي شايف إنه كان بداية إني أصحى.
طلبوا القهوة، وبدأوا يتكلموا عن الشغل، والدراسة، والسفر، والأماكن اللي نفسهم يزوروها.
سارة حكت له عن حلمها إنها تكمل دراسة إدارة الأعمال، وإنها نفسها تشتري شقة صغيرة لوالدتها، بحيث تبقى مرتاحة وما تضطرش تشتغل في أي حاجة.
راشد سمعها باهتمام.
ولما بدأت تتكلم عن أخوها يوسف، ضحكت وهي بتحكي عن مشكلاته في المدرسة، وعن إصراره إنه يشتري جهاز ألعاب جديد.
قال لها
واضح إنك شايلة مسؤولية كبيرة.
ردت
كل واحد عنده مسؤولياته. أنا مش عايزة حد يشيلها مكاني، بس نفسي في يوم أقدر أعيش من غير ما أحسب كل جنيه قبل ما أصرفه.
راشد فكر في كلامها.
كان طول عمره بيتعامل مع المال باعتباره وسيلة لتوسيع نفوذه، لكنه بدأ يفهم إنه بالنسبة لناس كتير، معناه أبسط من كده الأمان، والاختيار، والقدرة على النوم من غير خوف من مصاريف بكرة.
قال
أتمنى توصلي لكل اللي بتحلمي بيه.
سارة بصت له.
وإنت؟ نفسك في إيه؟
السؤال فاجأه.
قعد يفكر، وبعدها قال
نفسي أبقى شخص الناس تقدر تتكلم معاه من غير ما تخاف. ونفسي لما أرجع البيت، أحس إني راجع لمكاني، مش راجع لاجتماع تاني.
ابتسمت سارة.
دي أول مرة أسمعك تتكلم عن حاجة نفسك فيها، مش حاجة لازم تحققها.
راشد رد
يمكن عشان دي أول مرة حد يسألني السؤال ده من غير ما يكون مستني إجابة معينة.
القعدة انتهت بعد ساعة ونص.
لما خرجوا، راشد عرض يوصلها، لكنها قالت إنها هترجع بوسيلة مواصلات عادية.
ماجادلهاش.
قال بس
طيب، ابعتي لي لما توصلي، لو ده مناسب ليكِ.
هزت رأسها.
حاضر.
وهو راجع بيته، اكتشف إنه مبسوط.
مش عشان سارة أعجبته وبس، لكن لأنه قضى وقتًا مع إنسانة من غير ما يحاول يبهِرها أو يثبت لها إنه يستحق الإعجاب.
ولأول مرة، بدأ يفكر في الحب باعتباره مشاركة، مش إنجازًا جديدًا يضيفه لقائمة نجاحاته.
الفصل الحادي عشر الاختبار الحقيقي
بعد شهور من اللقاءات الهادية، بدأت علاقة راشد وسارة تتغير تدريجيًا.
بقوا يتكلموا بانتظام، ويخرجوا أحيانًا في أماكن بسيطة، ويتناقشوا في كل شيء تقريبًا.
لكن سارة كانت واضحة من البداية.
قالت له مرة
أنا مش هقدر أعيش في علاقة كل الناس فيها بتقرر عني. لا إنت، ولا عيلتك، ولا الصحافة. لو في يوم قررنا نكمل، لازم يكون ليا رأي زيك بالضبط.
رد راشد
ده حقك.
وكمان مش هسيب شغلي لمجرد إنك غني.
ابتسم.
وأنا مش عايزك تسيبيه.
ومش هقبل إن حد يعامل أمي أو أخويا كأنهم أقل من أي حد في عيلتك.
راشد بص لها بجدية.
ولا أنا هقبل إن حد يقلل منهم.
لكن الاختبار الحقيقي جه في يوم عزومة عائلية.
والدة راشد كانت عازماهم على العشاء، وكان الشيخ ناصر موجودًا.
سارة وافقت تروح بعد ما راشد أكد لها إن وجودها مش معناه إعلان خطوبة، وإنها تقدر تمشي في أي وقت تحس فيه إنها مش مرتاحة.
وصلوا القصر، واستقبلتهم والدته بحرارة.
لكن إحدى قريبات العائلة، وهي سيدة معروفة بحبها للكلام عن الناس، بصت لسارة من فوق لتحت وقالت
إنتِ بقى البنت اللي كانت
شغالة في الفندق وقت حكاية الفرح؟
سارة ردت بهدوء
أيوه، أنا.
السيدة ابتسمت ابتسامة مصطنعة.
سبحان الله، الدنيا بتفتح أبوابها بسرعة لبعض الناس!
الصمت نزل على الطاولة.
راشد كان على وشك يرد، لكن سارة سبقته.
قالت بأدب
فعلًا، الدنيا بتفتح أبوابها لما الواحد يشتغل ويتعلم ويستغل الفرص اللي قدامه. وأنا ممتنة لكل فرصة أخدتها، ومش شايفة إن شغلي القديم حاجة أخجل منها.
السيدة اتلخبطت.
أنا ماقصدتش حاجة وحشة.
سارة ابتسمت.
وأنا كمان مش فاهمة كلامك على إنه حاجة وحشة. أنا فخورة إني اشتغلت عشان أساعد بيتي، وفخورة إني بتقدم في شغلي.
والدة راشد ابتسمت لها بفخر.
أما الشيخ ناصر، فكان بيتابع الكلام في صمت.
بعد العشاء، طلب من سارة تقعد معاه دقائق في المجلس، بحضور راشد ووالدته.
قال لها
سمعت عن شغلك، وعن إنك حققتي نتائج كويسة في الشركة.
الحمد لله. لسه بتعلم.
وسمعت كمان إنك مش بتحبي حد يساعدك.
سارة فكرت لحظة.
أنا مش برفض المساعدة يا فندم. أنا برفض إن المساعدة تتحول لسيطرة، أو إن حد يفتكر إنه بقى صاحب قرار في حياتي عشان قدم لي خدمة.
الشيخ ناصر هز رأسه ببطء.
كلام مفهوم.
وبعدين بص لابنه.
واضح إنك اخترت تتعرف على واحدة عندها شخصية.
راشد ابتسم.
أنا مااخترتش شخصيتها يا يبه. هي كده من قبل ما تعرفني.
سارة بصت له، وابتسمت من غير ما تتكلم.
في اللحظة دي، الشيخ ناصر فهم إن ابنه ماكانش بيدور على واحدة تنبهر باسمه.
كان بيدور على واحدة تقدر تقف قدامه، وتقول له رأيها، من غير خوف ولا مصلحة.
ويمكن دي كانت أول مرة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *