لازم اتجوز
من اختصاصك.
سارة وطت عينيها، وبدأت تحرك العربية ناحية الباب.
لكن قبل ما تخرج، سمعت راشد بيقول
استنى يا سارة.
وقفت.
راشد بص لأبوه وقال
هي مالهاش ذنب في أي حاجة. وأنا اللي طلبت منها تسمعني. متكلمهاش بالطريقة دي.
الشيخ ناصر بص لابنه باستغراب.
كان راشد طول عمره بيسكت قدامه، حتى لما يكون مختلف معاه. لكن النهارده كان بيتكلم بطريقة مختلفة.
سارة خرجت من الغرفة أخيرًا، لكنها ماقدرتش تنسى الجملة اللي قالها راشد دفاعًا عنها.
مش لأنها جملة كبيرة، لكن لأنها كانت أول مرة من سنين تشوف فيها شخصًا عنده سلطة حقيقية يستخدمها عشان يمنع الإهانة، مش عشان يفرض إرادته.
أما جوه الغرفة، فالمواجهة بين الأب والابن كانت لسه في بدايتها.
الفصل الأول السر اللي محدش كان يعرفه عن راشد
بعد ما سارة خرجت، راشد وقف قدام المراية وبص لنفسه.
كان عنده كل حاجة ممكن أي شاب يحلم بيها قصر ضخم، عربيات فارهة، شركات في أكتر من دولة، وحسابات بنكية تخليه يعيش عشرات الحيوات من غير ما يحتاج يشتغل يوم واحد.
لكن رغم كل ده، كان حاسس إنه محپوس.
من وهو صغير، أبوه كان بيرسم له مستقبله بالتفصيل. المدرسة اللي هيدخلها، الجامعة اللي هيدرس فيها، الشركة اللي هيمسكها، وحتى البنت اللي هيتجوزها.
ولما قابل إميليا، افتكر إنه أخيرًا لقى شخصًا ممكن يشاركه حياته. كانت جميلة، أنيقة، وبتعرف تتكلم مع رجال الأعمال بثقة. لكن مع الوقت اكتشف إنها مهتمة بالمكانة الاجتماعية أكتر من اهتمامها بيه.
كان بيحاول يقنع نفسه إن الحب ممكن ييجي بعد الجواز.
لحد ما وصلته الرسالة.
والأصعب من هروبها إنها ماواجهتهوش. ماقالتش له إنها خاېفة، ولا إنها مش مرتاحة، ولا حتى طلبت تأجيل الفرح. اختارت تهرب في آخر لحظة، وتسيبه يواجه مئات الضيوف وحده.
خبط مدير الفندق على الباب مرة تانية.
سموك، لازم نتصرف. الناس بدأت تتكلم.
راشد بص له وقال
جهز القاعة. أنا نازل.
المدير اتنفس براحة.
والآنسة إميليا؟
مفيش آنسة إميليا. ومحدش هيكدب على الضيوف باسمها.
لكن قبل ما يتحرك، رن موبايله.
كانت أمه.
رد بسرعة.
أيوه يا أمي.
جاله صوتها القلق
راشد، إيه اللي حصل؟ أبوك بيقول إن فيه مشكلة، وأنا مش فاهمة حاجة. إميليا فين؟
غمض عينيه.
مشيت يا أمي. قالت إنها مش عايزة تتجوزني.
سكتت أمه لحظات، وبعدين قالت
طيب وإنت عامل إيه؟
السؤال البسيط ده وجعه أكتر من كل كلام أبوه.
محدش سأله هو حاسس بإيه. كلهم بيسألوه عن الفرح، والضيوف،
والصفقات، والصحافة.
إلا أمه.
قال بصوت مبحوح
مش عارف.
ردت بهدوء
انزل قول الحقيقة. اللي يحبك بجد مش هيطلب منك تكذب عشان تحافظ على صورتك.
قفل المكالمة، وخرج من الغرفة.
وفي اللحظة نفسها، كانت سارة واقفة في آخر الممر، بتحاول تخلص شغلها قبل ما تمشي.
راشد وقف قدامها.
سارة، ممكن أطلب منك طلب أخير؟
بصت له بحذر.
لو بخصوص الجوازة، فإجابتي لسه زي ما هي.
مش هطلب منك تتجوزيني.
اتنهد وقال
أنا عايزك بس تكوني موجودة لما أنزل أواجه الناس. مش عايز أفضل محاط بناس كل همها إني أطلع بصورة مثالية. إنتِ الوحيدة اللي قالت لي الحقيقة من غير ما تخاف من اسمي أو فلوسي.
سارة استغربت.
وأنا مالي بكل ده؟
يمكن مالكيش. وده بالضبط اللي محتاجه.
فضلت ساكتة شوية.
كانت تقدر تمشي وتسيبه يواجه مشكلته لوحده. لكن في عينيه شافت حاجة مألوفة بالنسبة لها إحساس شخص إنه مضطر يفضل قوي قدام الناس، حتى وهو من جواه بيتكسر.
وأخيرًا قالت
هفضل لحد ما تتكلم مع الضيوف. لكن مش عشان فلوسك، ولا عشان أي مقابل. عشان محدش يستاهل يتحط في موقف زي ده ويتساب لوحده.
راشد ابتسم ابتسامة صغيرة.
شكرًا.
متشكرنيش دلوقتي. لسه ممكن أغير رأيي لو رجعت تتصرف كأنك صاحب العالم!
ضحك للمرة الأولى بجد.
وبعدها نزلوا سوا ناحية القاعة.
الفصل الثاني دخول العريس اللي قلب الفرح رأسًا على عقب
كانت القاعة أشبه بقصر من قصص الخيال.
ثريات كريستال ضخمة، ورود بيضاء مستوردة، طاولات متزينة بالذهب، ومسرح كبير اتكتب عليه اسما العروسين.
الضيوف كانوا قاعدين في مجموعات، والهمسات بتزيد كل دقيقة.
هو العريس اتأخر ليه؟
يمكن العروسة بتجهز.
سمعت إن فيه مشكلة في المطار.
أنا شفت والد العروسة بيتكلم في التليفون بعصبية!
وفجأة، انفتحت أبواب القاعة.
دخل راشد بملامحه الهادية، وبخطوات ثابتة، ووراه والده ومدير الفندق.
الكل سكت.
مئات العيون اتجهت ناحيته، والكاميرات ارتفعت، والصحفيون قربوا من الحواجز.
لكن المفاجأة ماكانتش في دخوله.
المفاجأة كانت في إنه طلع على المنصة، وأشار للمذيع إنه يوقف الموسيقى.
وبعدين مسك الميكروفون.
مساء الخير جميعًا. أنا بشكركم إنكم شرفتونا النهارده، وبعتذر لكم عن أي انتظار أو ارتباك حصل.
الضيوف تبادلوا النظرات.
راشد كمل
عندي خبر لازم تعرفوه مني، بدل ما تسمعوه من الشائعات. إميليا قررت إنها مش هتكمل الجوازة، وسافرت قبل الفرح. وده قرارها، وأنا بحترمه، حتى لو كنت أتمنى إنها تواجهني وتقول
لي الحقيقة قبل النهارده.
شهقات خفيفة اتسمعت في القاعة.
والده حاول يقرب منه، لكن راشد رفع إيده بهدوء، وطلب منه يسيبه يكمل.
أنا مش هقول إنها مريضة، ولا هخترع حكاية عشان أحافظ على صورتي. الحقيقة إن الجوازة مش هتتم، لأن مفيش جوازة تنفع تتبني على الكذب أو الضغط.
واحد من الصحفيين رفع صوته
هل ده معناه إن التحالف التجاري بين العيلتين انتهى؟
راشد بص له مباشرة.
العلاقات التجارية ليها عقودها والتزاماتها، والزواج ليه اختياره ومشاعره. مش هستخدم واحدة عشان أضمن صفقة، ومش هضغط على واحدة عشان تحافظ على سمعة عيلتي.
الكلام نزل على القاعة زي الصدمة.
أما الشيخ ناصر، فكان واقف في آخر المنصة، وملامحه متجمدة من الڠضب.
راشد كمل
أنا آسف لكل ضيف حضر النهارده، لكن مش هعتذر عن إني اخترت أقول الحقيقة.
وبعدين حط الميكروفون على الحامل، ونزل من على المنصة.
كان متوقع إن الناس تضحك عليه، أو الصحافة تحاصره بالأسئلة، أو الضيوف يمشوا وهم بيتكلموا عن الڤضيحة.
لكن اللي حصل كان مختلف.
واحد من كبار رجال الأعمال قام من مكانه، وقرب منه وصافحه.
يمكن دي أول مرة أحضر فرح ينتهي قبل ما يبدأ، لكن بصراحة يا راشد، قرارك يستحق الاحترام.
بعده قام رجل تاني، وبعده سيدة كبيرة كانت من صديقات والدته.
مش كل الناس اتفهمت موقفه، وبعضهم غادر القاعة بالفعل، لكن راشد لأول مرة ماحاولش يرضي الجميع.
كان حاسس إن حملًا ضخمًا اتشال من فوق صدره.
وعند باب القاعة، لمح سارة واقفة بعيد، بزي شغلها البسيط، وبتتابع المشهد في صمت.
لما عيونهم اتقابلت، ابتسم لها.
هي كمان ابتسمت، وبعدين أشارت له بإيدها كأنها بتقوله شوفت؟ الدنيا موقعتش!
لكنه ماكانش يعرف إن أصعب مواجهة في الليلة دي لسه مستنياه.
الفصل الثالث الأب اللي رفض يتقبل الحقيقة
بعد ما معظم الضيوف مشيوا، دخل راشد مكتب خاص في الفندق.
كان والده مستنيه هناك، واقف قدام النافذة، وإيده متشابكة خلف ظهره.
أول ما راشد دخل، قال الشيخ ناصر
إنت مبسوط باللي عملته؟
راشد قفل الباب وراه.
لأ. أنا زعلان إن الجوازة فشلت. وزعلان إن إميليا اختارت تهرب
بدل ما تتكلم معايا. لكن مش ندمان إني قلت الحقيقة.
والده استدار ناحيته.
إنت فاهم إنك خسړت اتفاقًا تجاريًا مهمًا؟
لو الاتفاق ده مش هيكمل غير لما أتجوز بنت معينة، يبقى لازم نراجع الاتفاق نفسه.
إنت بتتكلم كأن الفلوس بتطلع من الشجر!
لأ يا يبه. أنا عارف قيمة الفلوس كويس. بس عارف كمان إن الإنسان
ممكن يبقى عنده كل حاجة، وبرضه يكون تعبان من جواه.
الشيخ ناصر سكت لحظة.
أنا بنيت الشركة دي من الصفر. اشتغلت سنين عشان