بنت المليونير
لمحة نيوز
وتطلعت بثبات في عينيه.
قالت داليا بصوت واثق
الورق ده مش أسرار يا أستاذ حسن… الورق ده حق ملك. حقها إنها تعرف إن كان فيه فرصة تسترد بيها جزء من حياتها واستقلالها وإنتوا خفيتوا عنها الخطابات دي عشان تفضل محبوسة هنا!
تقدم حسن بخطوات بطيئة، والابتسامة الهادئة ما زالت على وجهه، لكن عينيه كانت تصدران حزماً وصرامة غاضبة
إنتِ شغالة في البيت ده براتب… وظيفتك تنضفي الأوض وتعملي الأكل. مالكيش دعوة بقرارات العيلة ولا بالصالح العام لبنت أختي المرحومة. محمود لو عرف إنك بتنبشي في حاجات زي دي، هيطردك في الشارع قبل ما الكلمة تطلع من بوقك!
داليا هزت رأسها بثبات وقالت
محمود بيه خايف من الوجع والكسرة، وإنت بتستغل خوفه ده عشان تسيطر على حياة ملك وتخليها عاجزة ومش محتاجة تخرج للعالم… بس الكلام ده مش هيستمر.
تركته داليا وخرجت من المخزن فوراً، متجهة نحو غرفة ملك.
في اليوم التالي، اتخذت داليا القرار.
انتظرت داليا لحين مغادرة حسن للفيلا لقضاء بعض الأعمال، وجهزت الكرسي المتحرك المخصص للخروج من المخزن، وقربته من أوضة ملك.
قالت داليا بابتسامة دافئة
ملك… النهاردة مش هنفضل محبوسين بين الحيطان أربعة… النهاردة إنتِ هتشوفي الشارع وهتشمي الهوا من غير إذن من حد.
ترددت ملك في البداية، وتذكرت كلمات خالتها وأبيها الخائفة، لكن داليا شجعتها بكلمات مليئة بالأمل والأمان. وبالفعل، استجمعت ملك شجاعتها، ونقلت نفسها للكرسي بمهارة وتحدٍ، وخرجت مع داليا لأول مرة منذ ثلاث سنوات كاملة.
نزلت الكرسي على الرصيف القريب من الفيلا، واستمتعت ملك بالهواء والشمس وضحكت من أعماق قلبها، وتفاعلت مع كل لحظة حركة كأنها بعثت من جديد.
لكن المحاولة لم تكتمل بدون مفاجآت…
فرملت العربية السوداء الفاخرة فجأة جنب الرصيف، ونزل منها محمود الدمنهوري وهو يصرخ بجنون وخوف
استنى عندك حالاً! إنتِ مين سمح لكِ تخرجي بنتي؟!
وترجل محمود من السيارة يجري بنحوها، وعيناه ممتلئتان بالهلع، بينما ملك تضحك بثقة وتؤكد له أنها هي من طلبت الخروج، لكن محمود أصر على العودة فوراً للفيلا لمواجهة داليا.
من شباك الدور الثاني بالفيلا، كان حسن الشاذلي قد عاد للتو وكان يتابع المشهد بابتسامة نصر صغيرة، متأكداً أن هذه اللحظة ستكون نهاية داليا وطردها النهائي.
في الصالون الرئيسي للفيلا…
كان محمود يجوب القاعة غضباً، وحسن واقف بجواره بنظرات تعاطف مزيفة، بينما داليا وملك تصمدان في المنصف.
صاح محمود بحزم
داليا! إنتِ تخطيتِ حدودك بالكامل! إزاي تأخدي مخاطرة زي دي وتخرجي بنتي للشارع من غير ما تبلغيني؟! إنتِ مطرودة فوراً من البيت ده!
حسن أضاف بنبرة خبيثة
أنا حذرتك من الأول يا محمود… الست دي مش فاهمة حالة ملك الحساسة، وكان ممكن تتسبب في حادثة ثانية لا قدر الله.
قبل أن تنطق داليا بأي كلمة، أخرجت من جيبها كرتونة الخطابات الستة وخطابات المركز المتخصص، وحطتها بقوة على الطاولة الفاخرة أمام محمود!
قالت داليا بصوت واضح هز أركان الصالون
قبل ما تطردني يا محمود بيه… بص في الورق ده الأول! الخطابات دي جات لملك من مركز تأهيل عالمي بيقدم برامج تعيد لها قدرتها على الحركة المستقلة، وكلها اترفضت من غير ما تعرف ولا خطأ واحد منك… اتكتب عليها مرفوض بقرار من العيلة بتوقيع حسن الشاذلي!
محمود اتجمد مكانه، وبص للخطابات بذهول، ثم التفت لحسن بغضب واستغراب
حسن؟! إيه الورق ده؟! إنت جالك عرض تأهيل لملك من سنتين ومبلغتنيش بيه؟!
حسن ارتبك لأول مرة، وتغيرت نبرته للتحفظ والارتباك
محمود… أنا كنت بحميها من صدمة الأمل المزيف… الأطباء قالوا إن نسبة النجاح ضعيفة، وأنا ما حبتش أدخلها في تجارب تفشلها وتكسر قلبها تاني!
ملك تقدمت بكرسيها نحو أبيها، ومسكت إيده بدموع مليانة قوة وقالت
لا يا بابا! هو ما كانش بيحميني من الأمل المزيف… هو كان بيحميني من إني أستقل وأرجع لشركتي ولحياتي! داليا هي الوحيدة الليخلتني أعرف إني أقدر أنقل نفسي من السرير للكرسي لوحدي في يومين بس! داليا ما كسرنيش… داليا هي اللي رجعت لي طعم الحياة!
محمود نظر لابنته، ثم نظر إلى داليا التي كانت تنظر إليه بثبات وإخلاص، واستوعب لأول مرة أن خوفه الشديد وحبسه لابنته كان السجن الحقيقي الذي أراده حسن ليستمر في السيطرة على إدارة الشركة وعلى أصول العائلة!
اقترب محمود من داليا، وعيناه ممتلئتان بدموع الندم والامتنان
داليا… أنا بعتذر لك. خوفِي كان أعمى، وكنت هضيع بنتي بإيدي لولا أمانتك ووقفتك الشجاعة دي.
ثم التفت محمود إلى حسن بنظرة حازمة قاطعة
حسن… إنت هتسلم كل ملفات الشركة والممتلكات فوراً، ومش عايز أشوف وشك في الفيلا دي ولا في الشركة تاني. حمايتك المزيفة انتهت هنا!
غادر حسن الفيلا يجر أذيال الخيبة والندم، بعد أن انكشفت حيلته وسقط قناع العطف المزيف.
بعد مرور عدة أشهر…
أصبحت فيلا الدمنهوري تنبض بالحياة والأمل. ملك بدأت برنامج التأهيل الطبيعي المتخصص في المركز، واستعادت قدرتها على التناقل والاعتماد على نفسها بشكل كامل، وعادت لممارسة عملها في إدارة مشاريع العمارة والتصميم من جديد.
وداليا أصبحت المشرفة العامة والمستشارة العائلية المقربة لمحمود وملك، معلمة الجميع أن الحب الحقيقي لا يعني الخوف الخانق والحبس، بل يعني منح من نحب الحرية والأمل والقدرة على الطيران والدفاع عن كرامتهم واستقلالهم تحت أي ظرف.
تمت