الأيام اللي تلت قرار حبسه كانت مشتعلة كأنها حرب حقيقية، الأخبار انتشرت في المنطقة وفي دايرة شغله زي النار في الهشيم. الشركة الهندسية اللي كان شغال فيها وصلها إخطار رسمي بوقفه عن العمل والتحقيق معاه بعد ما جالهم استدعاء أمني بخصوص تحريات القضية، والمهندس المحترم اللي كان بيتمنظر قدام زمايله بأخلاقه ومركزه بقى حديث الساعة وعنوان الفضيحة اللي هزت الكل. مباحث الإنترنت مع قوة من قسم الشرطة مهدتش؛ بناءً على اعترافاته والتفريغ اللي كشف كل الأرقام اللي على الجروب السري، نزلت مأموريات في وقت واحد على العناوين اللي حددتها التحريات. اتقبض على اتنين من أصحابه اللي كانوا أطراف رئيسية في المحادثات المقززة؛ واحد منهم هو اللي كان قايله في الشات "دي تلزمني بأي تمن"، والتاني اللي كان بيحرضه على تنزيل فيديوهات وصور تانية بمقابل مادي. اتقبض عليهم بتهم الاشتراك والتحريض والاعتداء على القيم الأسرية، ودخلوا التخشيبة معاه، ولما اتقابلوا في الحجز اتخانقوا وشتموا بعض وبقوا يرموا التهم على بعض زي الفئران المحبوسة في مصيدة. في نفس الأسبوع، المحامي خلص إجراءات تنفيذ قرار التمكين وكسر الشقة بحضور محضر المحكمة وقوة أمنية من القسم عشان أستلم كل قايمة منقولاتي وحاجتي قبل ما أهله يحاولوا يخفوا أي مسمار منها. روحت مع أبويا ومحمود وعربيات النقل الكبيرة كانت واقفة تحت العمارة. الجيران اتجمعوا في المداخل والبلكونات، محدش كان قادر ينطق بكلمة لوم واحدة؛ كان الكل بيبصلنا بتعاطف واحترام لأنهم عرفوا تفاصيل الكارثة. طلعنا الشقة وكسرنا القفل بأمر النيابة، وأول ما دخلت شميت ريحة الخيانة في كل ركن، السرير اللي كنت نايمة عليه بأمان وهو بيغدر بيا، المطبخ اللي صورني فيه وأنا بضهر.. كل حتة كانت بتفكرني بوجعي، بس في نفس الوقت كنت بحس إن كل قطعة عفش بتنزل من الشقة دي كأنها قطعة من هم تقيل بيتشال من فوق صدري. نزل العفش كله قطة ورا تانية، من أصغر كوباية لأكبر جهاز كهربائي، مسبتش ورايا غير الحيطان العريانة، وأهله كانوا واقفين بعيد في أول الشارع، أمه بتعيط بحرقة وخوف، وأبوه كان ساند على عمود نور في الشارع وعينيه في الأرض مش قادر حتى يقرب ولا يفتح بقه بنص كلمة بعد ما شافوا المحضر والشرطة اللي بتنفذ الحكم بالقوة الجبرية. بعدها بأيام، جه معاد جلسة تجديد الحبس أمام قاضي المعارضات، وجلسة محكمة الأسرة للنطق بالحكم في قضية الطلاق للضرر ومؤخر الصداق. في محكمة الأسرة، القاعة كانت زحمة، وقف المحامي بتاعي قدام المنصة وقدّم صورة رسمية من تحقيقات النيابة، واعتراف المتهم، وقرارات حبسه الاحتياطي، وقال بصوت هز جدران القاعة:"سيدي القاضي.. إن ما ارتكبه المدعى عليه لا يمت للدين ولا للأخلاق ولا للرجولة بصلة، لقد انتهك أقدس رابطة شرعية، وباع ستر زوجته وعرض بيته، والضرر هنا ليس مادياً أو لفظياً فحسب، بل هو خيانة عظمى تستحيل معها العشرة وتأباها النفوس السوية، ونطلب تطليق المدعية طلقة بائنة للضرر، مع إلزام المدعى عليه بكافة حقوقها المالية من مؤخر صداق ونفقة متعة ونفقة عدة. "القاضي بص في الأوراق للحظات، وشه كان بيعكس مدى اشمئزازه من تفاصيل المحضر، ونطق بالحكم في نفس الجلسة:"حكمت المحكمة بتطليق المدعية على المدعى عليه طلقة بائنة للضرر، وإلزامه بأن يؤدي لها مؤخر الصداق المسمى بينهما وقدره مائة وخمسون ألف جنيه، وإلزامه بالمصاريف وأتعاب المحاماة."أول ما القاضي نطق بالحكم، حسيت إن روحي رجعتلي، رفعت راسي للسما ودموعي نزلت مش حزن، دموع خفة وراحة ونجاة، اتطلقت منه ورجعت حرة، وأخدت كل مليم من حقوقي بالقانون. بس اليوم مكنش خلص لسه، لأن على بُعد أمتار في نفس المجمع، كانت جلسة تجديد الحبس الجنائي لطارق وشبكته شغالة. اتحركت مع محمود والمحامي ودخلنا قاعة الجنايات والجنح المستأنفة، ووقفنا في الصفوف الخلفية. بعد دقايق، دخل القفص طارق ومعاه الاتنين التانيين، متكلبشين مع بعض في سلسلة واحدة. طارق كان لابس ترينج الحجز الرمادي، وشه شاحب، خاسس للنص، وعينيه تايهة ومرعوبة، وأول ما لمحني واقفة برة القفص رافعة راسي ولابسة أبيض في أبيض، مسك في أسياخ الحديد بإيديه المرتعشة، ونادى عليا بصوت يائس بيقطع القلب بس مكنش يحرّك فيا ساكن:"سمر! سمر أبوس رجلك! اسمعيني بس.. أمي جالها جلطة وأبويا مش قادر يرفع عينه في الناس، وأنا حياتي ادمرت وشغلي طردني، هتحبس سنين يا سمر، تنازلي وخدي اللي انتي عايزاه، والله لو عايزاني أكتبلك الشقة وكل ما أملك هكتبهولك بس طلعيني من القبر ده!"المحامي بتاعه حاول يدخل يقدم طلب إخلاء سبيل بأي كفالة مالية معللاً إنه عائل لأسرته وإن الواقعة مكنتش تتعدى هزار عابر، لكن ممثل النيابة العامة وقف واعترض بشدة وصرخ في القاعة:"إن النيابة العامة ترفض إخلاء سبيل المتهم أو شركائه، وتؤكد أن الجريمة المرتكبة هي اعتداء صارخ على المجتمع وقيمه وأعراضه، ونعلن إحالة أوراق القضية رسمياً إلى محكمة الجنايات الاقتصادية بتهم جنائية مشددة، والمتهم وشركاؤه يشكلون خطراً داهماً ويجب استمرار حبسهم. "القاضي خبط بالشاكوش وصرخ بصرامة:"قررت المحكمة رفض الاستئناف، واستمرار حبس المتهمين جميعاً خمسة وأربعين يوماً على ذمة القضية وإحالتهم إلى محاكمة الجنايات العاجلة."الصوت رن في القاعة، وطارق صرخ ومسك دماغه ووقع في أرضية القفص بيصرخ كأنه اتصاب برصاصة، والعساكر شدوهم للنزول للتخشيبة وهو بيتشد على الأرض ومذلول. خرجت من مجمع المحاكم في شمس النهار، الهوا كان نقي، وأبويا مسك إيدي وباس راسي وقالي: "رفعتي راسنا وخدتي حقك بأدب وبأصل وبقوة القانون يا بنتي. "ركبنا العربية ورجعنا بيتنا، والكل كان عارف إن الخطوة الجاية هي القاضية، محاكمة الجنايات اللي هتحدد مصيره النهائي في السجن المشدد، والستار اللي هينزل على أبشع كابوس عشته في حياتي. مرت الأسابيع اللي سبقت الجلسة الفاصلة في محكمة الجنايات الاقتصادية وكأنها سنين، لكنها كانت سنين بتبني فيا شخص جديد تماماً. الضعف والخوف اللي حسيت بيهم وأنا بسمع صوت المية في الحمام زمان، اتبدلوا تماماً بقوة وهدوء مخيفين. في الفترة دي، أهله مسبوش باب إلا وخبطوا عليه. وفود من كبارات عيلتهم، ناس من أصحاب والدي القدامى، وحتى إمام المسجد اللي في منطقتنا جابوه وجه يتوسط. قعدوا في صالون بيتنا، يعرضوا شيكات على بياض، تنازل كامل عن الشقة، وفلوس فوق المؤخر والقايمة أضعاف مضاعفة، وأبوه كان قاعد يبكي بدموع حارقة ويقول لأبويا:"يا حاج.. ابني غلط وأذنب ويستاهل ضرب النار، بس مستقبله هينتهي.. بدلة السجن الزرقا دي لو اتلبسها هيموت بالحيا، والمهنة هتسحب ترخيصه ونقابة المهندسين هتشطبه، استروا عليه ربنا يستر ولاياكم. "لكن رد أبويا كان ثابت ومفيش فيه مساومة، بصلهم وقال ببرود يقطع الشك:"اللي باع ستر بيته عشان رهان وفلوس رخيصة ميطلبش الستر لما يقع تحت سيف القانون. اللي بيننا مش فلوس ولا شيكات، اللي بيننا حق شرف وكرامة بنتي والمجتمع كله، والكلمة بقت للقضاء مش للمجالس."خرجوا يجروا أذيال الخيبة، وبدأ العد التنازلي ليوم المحاكمة. يوم الجلسة، صحيت من الفجر، اتوضيت وصليت ركعتين شكر وراحة، ولبست هدوم هادية ومحترمة، ونزلت ومعايا والدي ومحمود والمحامي. مجمع المحاكم كان زحمة، بس القاعة اللي فيها القضية كانت واخدة اهتمام غير عادي، صحفيين من مواقع الحوادث بدأوا يشموا خبر عن القضية اللي بتجمع بين انتهاك حرمة الحياة الخاصة والإتجار بالصور والابتزاز الإلكتروني داخل مسكن الزوجية. أول ما دخلنا القاعة، كانت أسر المتهمين التانيين موجودة كمان، وشوش مكسورة وعيون تايهة، وأمه كانت قاعدة في الزاوية، شكلها هدّه المرض والجلطة اللي خلت مشيتها تقيلة ولسانها بيتلعثم. أول ما شافتني بصتلي بنظرة كلها كسر ورجا، بس عنيا مكنتش بتنزل ولا بتتهز. اتفتح باب القفص الحديدي، ودخل الحرس المتهمين التلاتة. طارق كان لابس الأبيض الخاص بالحبس الاحتياطي، دقنه طويلة ومهملة، عيونه غائرة وسودة من قلة النوم في الحجز، ورجليه مكنتش شايلاه، متكلبش في إيد زمايله الاتنين اللي كانوا بيتفادوا حتى يبصوا في وشه، وكل واحد فيهم محمل التاني مسؤولية الخراب اللي هما فيه. دخلت هيئة المحكمة، وهتف الحاجب بصوت جهوري: "محكمة!"الكل وقف، والقاعة سكتت تماماً لدرجة إن صوت تنفس المتهمين في القفص كان مسموع. رئيس الدائرة، مستشار وقور عيونه صارمة وملامحه مفيهاش أي تردد، فتح الملف وبدأ يقرأ أمر الإحالة من النيابة العامة. المرافعة بدأت، وممثل النيابة العامة ألقى مرافعة تاريخية خلت القشعريرة تمشي في ضهر كل اللي في القاعة. وقف ممثل النيابة وبص ناحية القفص وشاور بصابعه وقال بصوت جهوري هز الجدران:"سيدي الرئيس، عدالة المحكمة الموقرة. . جئناكم اليوم لا لنقتص من جريمة سرقة أو خيانة أمانة عادية، بل لنقتص من خيانة للأرض والعرض والعهد المقدس. متهم خان أمانة مسكنه، واستحل ستر زوجته، وبدلاً من أن يكون الحصن والسند، تحول إلى تاجر رخيص يعرض شرف بيته في مزادات الشاتات المظلمة. المتهمون أمامكم لم يرتكبوا فعلاً طائشاً، بل خططوا، وساوموا، واستدرجوا، وعرضوا أقدس ما في هذا المجتمع للبيع والتسلية الرخيصة. النيابة العامة تطالب بتوقيع أقصى عقوبة نصت عليها المادة 25 و26 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والمادتين 309 مكرر و327 من قانون العقوبات، ليكونوا عبرة لمن تسول له نفسه العبث بالأعراض. "محامي طارق حاول يدافع، حاول يقول إن المحادثات كانت مجرد 'مزاح ثقيل' لا يرقى لنية الفعل الجنائي، وإن الشاكية كانت تهدف للانتقام الشخصي بعد خلافات أسرية. المحامي بتاعي وقف على طول وطلب الكلمة، ووجه للمحكمة الضربة القاضية:"سيدي الرئيس، أي مزاح هذا الذي ينتهي بتصوير زوجة غافلة على سرير نومها، وإرسالها بحساب شخصي مع تحديد مواعيد للتسليم؟ الأوراق المحروزة وتقارير الأمن العام ومباحث التوثيق والمعلومات لا تحتمل التأويل، والضرر هنا وقع واستقر، واعتراف المتهم في تحقيقات النيابة مدون وموثق بالصوت والصورة، نطالب بالقصاص العادل لحق المجني عليها وحق المجتمع. "القاضي رفع عينه وبص لطارق اللي كان جوة القفص بيعيط ومنهار، وسأله:"هل لديك ما تقوله للمحكمة يا متهم؟"طارق مسك الحديد بإيديه اللي كانت بترتعش، وصوته طلع مبحوح ومكسور:"سامحوني يا فندم.. ندمان.. والله ندمان ومكنتش في وعيي، حياتي ضاعت ومستقبلي ادمر.. أبوس إيدك ارحمني يا سيادة القاضي!"القاضي بصله بنظرة واحدة باردة وحاسمة، وقفل الملف فجأة، وخبط بالشاكوش على المنصة وقال الكلمة اللي حبست الأنفاس:"رُفعت الجلسة للمداولة وإصدار الحكم. "الكل خرج يستنى برة في الممر، وطارق رجعوه للتخشيبة مع زمايله وهو منهار وبيضرب دماغه في الحيطة. مرت ساعتين كاملين من الترقب والرعب اللي مالي قلوب أهله، وثبات هادي بيملى قلبي أنا وعيلتي، لحد ما اتفتح باب القاعة من تاني، ودخل الحاجب ينادي عشان النطق بالحكم الأخير والنهائي اللي هيقفل الصفحة دي للأبد. فتحت عساكر الحرس باب القاعة من تاني، ورجعت الصفوف تتملي في ثواني معدودة. الهوا جوا القاعة كان تقيل ومكتوم، وكل العيون متعلقة بالمنصة وبالقفص اللي رجعوا دخلوا فيه المتهمين التلاتة. طارق مكنش قادر حتى يقف على حيله؛ كان ساند بكتفه على سيخ القفص، ركبه بتخبط في بعضها، وعينيه تايهة بتبص للأرض بخزي وخوف هستيري. أمه كانت قاعدة في أول صف برة، ماسكة سبحة وإيدها بتنتفض، وعينه كل شوية تروح لأبويا ولمحمود اللي كانوا واقفين وقفة جبال مابتتهزش. رن صوت الحاجب في أرجاء القاعة زي الرعد:"محكمة! "الكل وقف في لحظة واحدة، ودخلت هيئة المحكمة بكامل هيبتها. رئيس الدائرة مسك الأوراق، بص في القاعة بنظرة صارمة خلت الهمس ينقطع تماماً، وقبل ما ينطق بالحكم، وجه كلمتين نزلوا على راس طارق وأهله زي الصواعق:"إن المحكمة وهي بصدد النطق بحكمها، تهيب بالمجتمع أن يرعى الأمانات التي اؤتمن عليها.. فالبيوت عورات، والزواج ميثاق غليظ جعله الله سكناً ومودة ورحمة، لا ساحة للخسة والغدر والمتاجرة بالأعراض. ومن خان ستر أهله وباع حرمة بيته، لا يستحق إلا أن يُجرد من كرامته وأن يذوق وبال ما صنعت يداه ليكون عبرة وآية. "خبط القاضي بالشاكوش على المنصة ونطق بالحكم بصوت قاطع هز جدران المحكمة:"حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:أولاً: بمعاقبة المتهم الأول 'طارق' بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، وتغريمه مائتي ألف جنيه، ومصادرة كافة الأجهزة الإلكترونية والهواتف المضبوطة، وإلزامه بالمصاريف الجنائية، عن تهم انتهاك حرمة الحياة الخاصة، وتصوير ونشر مواد خادشة للحياء دون رضاء المجني عليها، واستخدام وسائل تقنية المعلومات في المساس بالأعراض والشرف. ثانياً: بمعاقبة المتهمين الثاني والثالث بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات لكل منهما، وتغريم كل منهما مائة ألف جنيه، عن تهم التحريض والاشتراك. ثالثاً: إحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة للتعويض. "أول ما القاضي نطق بكلمة "السجن المشدد خمس سنوات"، انفجرت القاعة. صرخة مدوية طلعت من أمه وهي بتقع مغمى عليها في الطرقة، وأبوه حط إيديه الاتنين على وشه وقعد على الأرض يبكي بحرقة وذل. وجوة القفص، طارق صرخ صرخة هستيرية ووقع بطوله على أرضية القفص، العساكر دخلوا شدوه بالكلابشات وهو بيزحف وبيصرخ باسمي بصوت مبحوح ومذعور:"خمس سنين؟! مستقبلي راح! يا سمر ارحميني.. خمس سنين يا سمر ضعت خلاص!"العسكري شده بقسوة من قفاه ونزله في السلم المؤدي للتخشيبة، وهو بيتجرجر زي الشوال، راسه في الأرض، متجرد من كل كرامة ورجولة كان بيتباها بيها كدباً في يوم من الأيام. أنا وقفت في مكاني، مفيش دمعة واحدة نزلت من عيني. حسيت بهوا بارد ونقي بيدخل صدري لأول مرة من شهور. بصيت للسما وقولت من كل قلبي: "الحمد لله.. حقك يا رب مبيضيعش."محمود مسك إيدي وشد عليا بفخر، وباس راسي قدام كل اللي في القاعة، وأبويا طبطب على كتفي وقال بصوت مليان عزة:"رفعتي راسنا وصونتي نفسك، ودفنتِ الندل بالقانون وتحت جزمته، ارفعي راسك يا بنتي، إنتي حرة وبنت أصول."خرجنا من باب مجمع المحاكم، شمس الضهر كانت دافية وبتنور الدنيا. اتنفست الهوا بحرية كاملة، سيبت ورايا الخيانة والوساخة وبدلة السجن الزرقا اللي هيلبسها سنين في ظلمات الزنازين مع المجرمين، ومسكت في إيد أبويا وأخويا، ورجعت لحياتي النضيفة من تاني، أقوى وأصلب، وعارفة إن الستر والكرامة أغلى من أي حاجة في الدنيا، وإن اللي يبيعك بالرخص، نهايته الطبيعية يتداس عليه تحت أقدام العدالة. المحامي طلع ورقة تانية، وقال: "والدكم كان شايف إن ابنه الأصغر أكتر واحد اتحمل مسؤولية بيته، وإن زوجته وقفت معاه من غير ما تطلب حاجة. وعشان كده كتب..." وسكت. راضي قال: "كتب إيه؟" المحامي رد: "كتب لك البيت اللي أنت ساكن فيه دلوقتي، والأرض اللي وراه، وكمان مبلغ مالي محترم موجود في حساب باسمك." أنا حطيت إيدي على بوقي من الصدمة. راضي قال: "بس... بس إزاي؟! أنا كنت فاكر إن بابا حرمني من كل حاجة." المحامي قال: "هو كان عايزك تفتكر كده." تامر ضرب بإيده على الترابيزة وقال: "يعني إيه عايزك تفتكر كده؟!" المحامي بص له وقال: "والدكم كان عارف إن لو قال لكم إن راضي واخد نصيب كبير، هتبدأوا تضغطوا عليه، ويمكن تحاولوا تاخدوا منه حقه." عادل سكت. المحامي كمل: "عشان كده قال قدامكم الجملة دي: كفاية عليك مراتك." أنا وقتها مقدرتش أمسك دموعي. افتكرت كل مرة سلايفي ضحكوا عليا، وكل مرة ابني رجعلي مكسور، وكل مرة راضي نام وهو مخنوق ومش عايز يبين لي. حمايا كان عارف. كان عارف كل حاجة. بس كان عامل نفسه ظالم. المحامي قال: "وفي حاجة تانية." الكل بص له. قال: "والدكم طلب مني أقولها قدامكم بالحرف." طلع ورقة صغيرة، وبدأ يقرا: "لأولادي عادل وتامر وراضي..." وسكت لحظة، وبعدين كمل: "أنا عارف إنكم هتزعلوا من اللي عملته، بس أنا مش قسمت رزقي عشان أفرق بينكم. أنا قسمت عشان أشوف معدن كل واحد فيكم." عادل نزل عينه في الأرض. تامر بدأ يتحرك في مكانه بتوتر. المحامي كمل: "العمارتين دول تعبت فيهم سنين. ولما كتبتهم باسم عادل وتامر، ماكنتش بديهم كنز، كنت بحط في رقبتهم مسؤولية. اللي يثبت إنه أمين على حق إخوته وعيالهم، يستحق يكمل." وبعدين قال: "أما راضي، فكان عندي اختبار تاني ليه." راضي بص للمحامي. "كنت عايز أعرف ابني هيعمل إيه لما يحس إني ظلمته. هل هيطالبني؟ هل هيخاصمني؟ ولا هيفضل بار بيا؟" المحامي ابتسم وقال: "وأنت نجحت." راضي قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه. أول مرة أشوفه يعيط بالشكل ده. قال بصوت مكسور: "ليه يا بابا؟ ليه عملت فيا كده؟" المحامي قال: "لأنه كان واثق إنك هتفهم بعد موته." وبعدين طلع آخر ورقة. "ودي أهم حاجة." قال إن حمايا كتب شرط لو حصل خلاف بين الإخوة، العمارتين يتوقف توزيع أرباحهم مؤقتًا، ويتولى إدارتهم شخص محايد، لحد ما الخلاف يتحل قانونيًا. يعني لا عادل ولا تامر يقدر يبيع أو يرهن أو يتصرف لوحده. ساعتها بدأت خناقة بينهم. تامر قال: "أنا مش موافق!" عادل رد: "وأنا كمان!" المحامي قفل الملف وقال: "موافقتكم مش مطلوبة. العقود اتوثقت، والشرط قانوني." وقبل ما يمشي، وقف عند الباب وقال: "والدكم كان متوقع اللي بيحصل دلوقتي." وبعدين بص لراضي: "وقال لي لو راضي فضل زي ما هو، مايبصش لحد، ويعيش بالحلال، يبقى هو الوحيد اللي كسب." خرج المحامي. فضلنا كلنا ساكتين. أنا بصيت لراضي وقلت: "أبوك كان بيحبك." راضي مسح دموعه وقال: "أنا ظلمته في قلبي." ومن اليوم ده، كل حاجة اتغيرت. عادل وتامر، اللي كانوا بيتخانقوا مين ياخد العمارة الأولى ومين التانية، بقوا مضطرين يتعلموا يعني إيه مسؤولية. وأنا؟ سلايفي اللي كانوا بيقولوا لي "ربنا يعوضكم على خيبتكم"، بقوا كل ما يشوفوني يسكتوا. وفي يوم، سلفتي جتلي وقالت: "يا سحر... أنا عايزة أعتذر لك." بصيت لها وقلت: "على إيه؟" قالت وهي مكسوفة: "على كلامي القديم." قلت: "أنا مسامحاكي، بس نفسي تفهمي حاجة." قالت: "إيه؟" قلت لها: "الفلوس عمرها ما كانت المشكلة. المشكلة إنكم خليتوا طفل عنده عشر سنين يفتكر إن جده مش بيحبه." دموعها نزلت. وقالت: "عندك حق." دخل ابني وقتها من الباب، وشافها، وقال لي: "ماما... هو جدو كان بيحبنا؟" حضنته جامد، وقلت له: "كان بيحبكم أكتر مما تتخيل يا حبيبي." وبعدها بأيام، أخدت ابني وقعدته قدام صورة جده. وقلت له: "افتكر دايمًا إن الإنسان مش بيتقاس باللي بيمتلكه، بيتقاس باللي بيسبه وراه في قلوب الناس." راضي كان واقف بعيد وبيسمعنا. ابتسم، وقال: "وأبويا ساب لنا درس مش هنساه." وبعد مرور سنة، العمارتين فضلوا شغالين، وإيجاراتهم بتدخل بانتظام، واتعمل نظام واضح للصرف على العيلة وتعليم الأحفاد. والأغرب إن عادل وتامر نفسهم بقوا أهدى، وبدأوا يفهموا إن أبوهم ماكانش عايز يسيب لهم عمارتين وبس... كان عايز يسيب لهم عقل. أما أنا وراضي، فكملنا حياتنا زي ما بدأناها... قليل في عين الناس، لكن كتير في عين ربنا. وفي يوم، وإحنا قاعدين في بيتنا، راضي بص لي وقال: "فاكرة يوم أبويا قال لي كفاية عليك مراتك؟" ضحكت وقلت: "أيوه، عمري ما هنساه." قال: "أنا يومها افتكرت إنه بيحرمني." قلت له: "وأهو طلع بيديك أغلى حاجة." ضحك وقال: "مراتي؟" ضحكت وقلت: "لا يا حبيبي... كان بيديك درس." وبعدين بصينا لبعض وضحكنا. ومن يومها، كل ما حد يسألني حمايا ساب لجوزك إيه؟ بقول له: "ساب له بيت، وفلوس، وحق محفوظ... بس أهم حاجة ساب له وصية خلتنا نعرف مين بيحبنا عشان إحنا، ومين كان بيحب اللي في إيدنا." وساعتها افتكرت جملته الأخيرة اللي المحامي قراها لنا: "لو عايزين تعرفوا قيمة اللي سبتوه، بصوا مش على اللي هتاخدوه بعد موتي... بصوا على اللي هتعملوه في بعض بعد ما أموت." وساعتها فهمنا فعلًا إن حمايا ماكانش بيوزع فلوس... كان بيكشف القلوب. شارك