وانا شايله بنتي
وأنا شايلة بنيتي اللي لسه مولودة من أسبوعين، وقفت قدام خمسمائة ضيف، وكلهم تقريبًا كانوا بيبصوا لي بنظرات مليانة سخرية وشفقة، وطليقي زياد واقف في نص المسرح، لابس روب التخرج الأسود، ورافع راسه كأنه ملك الدنيا، وقال بصوت عالي خلّى آخر واحد في القاعة يسمعه:
«اتفرجوا كويس على الساقطة الفاشلة! دي البنت اللي كانت فاكرة إنها هتقدر تنافسني، وفي الآخر معرفتش حتى تحافظ على جوازها!»
ضحكات متفرقة خرجت من بين الحاضرين، وواحد من زمايلنا في الكلية قال بصوت مسموع:
«طب ما هي جاية بالبيبي ليه؟ هو حفل التخرج بقى حضانة؟»
ضحكوا أكتر، وأنا فضلت واقفة مكاني، حاضنة بنتي بإيدي الشمال، وبإيدي اليمين ماسكة ظرف أبيض مختوم بالشمع الأحمر.
بنتي كانت نايمة بسلام، مش عارفة إن أمها واقفة في أكتر لحظة مهينة في حياتها، ولا عارفة إن الراجل اللي كان المفروض يكون أبوها وسندها هو نفسه اللي بيحاول يكسر أمها قدام خمسمائة شخص.
لكن اللي محدش كان يعرفه، لا زياد ولا زمايله ولا حتى معظم أعضاء هيئة التدريس، إن الظرف اللي في إيدي كان كفيل يقلب حياة كل واحد في القاعة دي رأسًا على عقب.
والأغرب من كده، إن زياد نفسه كان واحد من الناس اللي هيكتشفوا بعد دقائق إن كل اللي اتريق عليه النهارده كان السبب الوحيد في إنه يوصل للمكانة اللي بيتباهى بيها.
أنا اسمي مريم عادل، عندي سبعة وعشرين سنة، وكنت لحد وقت قريب طالبة في كلية الحقوق بجامعة خاصة من أكبر الجامعات في مصر.
دخلت الجامعة دي بمنحة كاملة، وكنت معروفة وسط الدكاترة إني البنت الهادية اللي بتقعد في أول صف، وبتسجل كل كلمة، ومش بتتكلم إلا لما تكون متأكدة من إجابة السؤال.
ماكنتش من عيلة غنية، ولا كان عندي عربية فخمة أو هدوم من ماركات مشهورة، ولا كنت بقدر أخرج مع زمايلي كل أسبوع لمطعم غالي.
أبويا مات وأنا عندي تسع سنين، وسابني أنا وأمي لوحدنا.
أمي كانت خياطة بسيطة في شقة صغيرة في شبرا، بتشتغل من الصبح لحد نص الليل عشان تقدر تصرف عليا وتخليني أكمل تعليمي.
كانت دايمًا تقول لي:
«يا مريم، الناس ممكن تاخد منك فلوسك، وممكن تحرمك من حاجات كتير، لكن طول ما عقلك في راسك وشرفك في إيدك، محدش يقدر يقول إنك أقل منه.»
كنت بحفظ كلامها زي اسمي، وكل ما الدنيا تضيق بيا، أفتكر صوتها وهي قاعدة قدام ماكينة الخياطة، وعينيها الحمرا من السهر، وإيديها اللي مليانة آثار الإبر.