اتجوزت جار العجوز

القاضي خبط بالمطرقة بحزم: “هدوء في القاعة! سيب المحامي يكمل.”

أستاذ كمال فض ختم الشمع، طلع الورق وقال بصوت رن في القاعة كلها زي الرعد: “أولاً، ده تقرير طبي شامل من مستشفى حكومي معتمد، وممضي من لجنة طبية عليا. عم رفعت عمله بنفسه قبل وفاته بأسابيع قليلة، بيثبت إنه في كامل قواه العقلية، وصحته العامة كانت ممتازة، والأهم.. إن فصيلة دمه خالية تماماً من أي تراكمات لأدوية مش موصوفاله. ثانياً.. والأهم من التقرير..”

سكت لحظة، حسيت إن الزمن وقف. مد إيده في الظرف وطلع فلاشة صغيرة رفعها في الهوا: “عم رفعت سجل مكالمة تليفون بينه وبين ابن أخوه سالم.. مكالمة سالم بيهدده فيها نصاً إنه لو ماباعش البيت ليهم وتنازل عن كل حاجة، هيخلصوا عليه، وهيلفقوا تهمة للي يتجوزها!”

الفصل الثالث: الصدمة اللي قلبت الموازين

القاعة اتقلبت، همهمات وصدمة على وشوش كل الحاضرين. القاضي أمر فوراً بتشغيل الفلاشة على اللاب توب الخاص بالمحكمة.

صوت عم رفعت ملى المكان.. صوته الدافي، القوي، الواثق زي ما عرفته وعشقته. حسيته قاعد جنبي بيطبطب عليا. كان صوته بيرد على زعيق سالم وشتيمته وتهديده الواضح إنه هيأذيه. عم رفعت في التسجيل كان هادي جداً، وقال كلمته اللي نزلت على قلبي زي الماية الساقعة اللي طفت نار الخوف: “أنا مش خايف منكم، ولا من تهديدكم. أنا هسيب ورايا أسد يحمي ابني ومراتي، ومش هطولوا مليم واحد من شقاي يا ديابة، المحاكم بيني وبينكم حتى وأنا في قبري!”

بصيت لسالم.. الابتسامة الصفرا اتمسحت تماماً. مكانه كان بيترعش، العرق نازل على وشه زي الماية، وعينيه بتزاغ يمين وشمال كأنه بيدور على خرم إبرة يهرب منه. أخوه كان ماسك في سور القفص ومش قادر يصلب طوله. القاضي بص لولاد أخوه بنظرة كلها احتقار وغضب، وخبط بالمطرقة وهو بيقول حكمه النهائي، وأمر بالتحفظ عليهم فوراً بتهمة التزوير في أوراق رسمية، تضليل العدالة، إزعاج السلطات، ومحاولة ابتزاز وتهديد صريح.

حسيت إن الهوا رجع لصدري تاني. رجلي مابقتش شيلاني، انهرت. نزلت على ركبي في نص القاعة، سجدت على الأرض شكر لربنا، ودموعي كانت بتنزل زي المطر، بتغسل كل وجع، كل رعب، وكل كسرة عيشتها الكام يوم اللي فاتوا. صوت الجيران وهما بيكبروا ويسقفوا كان أجمل مزيكا سمعتها في حياتي.

الخاتمة: بيت العيلة

رجعت البيت.. بيتي، أنا ويحيى. أول ما فتحت الباب، استقبلتني شمة ريحة ياسمين الجنينة اللي عم رفعت كان بيسقيه بإيده وبيرعاه بحب. دفى المكان حضنني. دخلت أوضته بهدوء، النور كان داخل من الشباك بخجل، بينور صورته اللي متعلقة على الحيطة.. صورته وهو شايل يحيى يوم ما اتولد.

قربت من الصورة، مديت إيدي ولمست ملامحه اللي مليانة حنية، وابتسمت والدموع بتلمع في عيني: “طلعت حاميني حتى وأنت في قبرك يا رفعت… كنت مرعوبة، كنت خايفة مابقاش قد الأمانة وأضيع ابنك، بس أنت سيبتلي درع وسيف أتحامى بيهم من غدر الزمان.”

سمعت صوت خطوات صغيرة سريعة، يحيى جيه يجري ورايا، مسك في جلابيتي وهو بيضحك.. نفس ضحكة أبوه الصافية اللي كانت بتنور دنيتي. شلته في حضني، خبيته في ضلوعي، وشميت ريحته اللي كلها أمل وحياة.

الناس برة لسه بيحكوا عن حكاية البنت الشابة اللي ضحكت على راجل عجوز واتجوزته عشان فلوسه. خليهم يحكوا.. هما مايعرفوش، إن العجوز ده، كان فيه من الرجولة، والشهامة، والأمان، اللي يكفي الدنيا بحالها ويفيض. أنا مانقذتش بيته زي ما كنت فاكرة… عم رفعت هو اللي أنقذني، وبنالي بيت، وعيلة، وحياة، وجذور.. عمرها، ما هتتهد.

تمت

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *