اتجوزت جار العجوز
الخط قفل. التليفون وقع من إيدي على السجادة المفروشة. حسيت إن الأوضة بتلف بيا، الحيطان بتقرب من بعضها وبتضيق وتكتم على نفسي. الزوايا كلها ضلمت في عيني. قمت أجري زي المذبوحة على أوضة يحيى، ركعت جنب سريره، بصيت لوشه البريء المشدود في نوم عميق، مش حاسس بالديابة اللي واقفين على بابنا وعايزين ينهشوا لحمه حتة حتة.
بكيت بكا ما بكيتوش في حياتي، عياط مكتوم بكاتمه بإيديا الاتنين عشان مايصحاش. قعدت على الأرض أضم ركبي لصدري، وأكلم طيف عم رفعت اللي مابيفارقنيش: “أعمل إيه يا رفعت؟ سابوني ليهم إزاي؟ ظهرهم قوي وسكاكينهم حامية.. أرمي ابني بإيدي في الشارع وأتنازل عشان أحميه؟ ولا أقف في وشهم وأتحبس ويسحبوه من حضني؟” الليل عدى عليا كأنه مية سنة، كل ثانية بتمر بسكاكين باردة بتقطع في لحمي، وكل ما أبص ليحيى، أحس إن قلبي هيقف من الرعب.
الفصل الثاني: المحكمة.. وقفة الموت
تاني يوم الصبح، الشمس كانت طالعة، بس الدنيا في عيني كانت ضلمة كحل. كنت ماشية في طرقات المحكمة كأني بسحب رجلي لساحة إعدامي. وشي شاحب زي الموتى، عيوني وارمة ومحمرة من العياط طول الليل، وجسمي كله بينتفض من برد الخوف.
المحامي بتاعي “أستاذ كمال” لمحني من بعيد، جري عليا ومسك دراعي يسندني: “مالك يا بنتي؟ وشك مخطوف كده ليه كأنك شايفة عفريت؟ اجمدي.. إحنا موقفنا قوي، الفيديو بتاع عم رفعت كفاية يخرسهم كلهم.”
ماقدرتش أنطق حرف، شفايفي كانت بتترجف. رفعت عيني ولقيت “سالم” وأخوه واقفين في آخر الطرقة، لابسين بدل شيك، وبيبصولي بنظرة انتصار وشماتة فجة. سالم غمزلي بعينه وابتسم ابتسامة خبيثة، كأنه بيفكرني باتفاق نص الليل وبيقولي: “النهار ده بتاعنا.”
الحاجب نده على الق.ضية. دخلنا القاعة، دقات قلبي كانت عالية لدرجة إني حاسة إن كل اللي في القاعة سامعينها زي طبول الحرب. المحامي بتاعهم وقف، وبكل ثقة وغطرسة وخبث قال: “سيدي القاضي.. إحنا بنطعن في صحة الفيديو المقدم من محامي الخصم. وبنقدم لهيئة المحكمة الموقرة طلب عاجل بفتح تحقيق جنائي جديد في وفاة المرحوم رفعت. موكليني معاهم تقرير طبي مبدئي بيشكك في إن الوفاة كانت طبيعية، وبيوجه اتهام صريح ومباشر للزوجة إنها استعجلت موته بإعطائه جرعات زائدة من أدوية غير موصوفة عشان تورث وتستولى على أملاكه!”
همهمة رهيبة زلزلت القاعة.. الجيران اللي كانوا جايين يشهدوا معايا شهقوا بصدمة وحطوا إيديهم على بوقهم. أنا حسيت إن روحي بتنسحب مني، الدنيا بتسود، وكأني بهوي في بير ملوش قرار. بصيت للقاضي، كان بيبص للورق اللي اتقدم له بجدية شديدة وبيعقد حواجبه. في اللحظة دي، سالم بصلي وابتسم ابتسامة صفرا واسعة، كأنه بيقولي: “نهايتك اتكتبت يا حلوة.”
أستاذ كمال، المحامي بتاعي، اتصدم للحظة. ملامحه اتغيرت وبص للورق اللي معاهم. بس فجأة، خد نفس عميق، بصلي بنظرة طمنتني شوية، وبعدين بص لسالم بنظرة تحدي، وطلب الكلمة بثبات غريب هز القاعة: “سيدي القاضي.. الخصم بيلعب آخر وأقذر كارت عنده، بس للأسف.. هما نسيوا حاجة مهمة أوي. نسيوا إن المرحوم رفعت كان راجل عارك الدنيا، وكان أذكى منهم بكتير، وكان عارف كويس أوي هو بيتعامل مع مين، وعارف ديابة عيلته ممكن يوصلوا لإيه!”
الكل سكت، حتى صوت الأنفاس اختفى. أنا نفسي مكنتش فاهمة المحامي بيقول إيه، قلبي كان هيقف من الترقب.
فتح أستاذ كمال شنطته الجلد، وطلع منها ظرف بني قديم، مقفول بختم الشمع الأحمر، ورفعه قدام القاضي: “سيدي القاضي، عم رفعت قبل ما يتوفى بشهرين، جالي المكتب. كان حاسس إن ولاد أخوه مش هيسيبوا مراته وابنه في حالهم بعد موته. ساب معايا الظرف ده، وأخد عليا عهد وأمرني إني مفتحوش تحت أي ظرف، إلا لو ولاد أخوه حاولوا يأذوا مراته أو يمسوا شعرة من ابنه.”
سالم وشه جاب ألوان، الثقة اللي كانت عليه اتبخرت، وبدأ يعرق. المحامي بتاعهم اعترض بتوتر وصوته بيعلى: “إيه الورق ده يا فندم؟ دي أكيد حيلة جديدة وتمثيلية رخيصة لكسب عطف المحكمة!”