يا مدام الفازه دي

الجزء الأول
​— يا مدام! الفازة دي بتمنمية وخمسين ألف جنيه! وابنك لسه مكسرها فتافيت!
​ماريان حست إن الأرض بتتسحب من تحت رجليها.
​مؤمن، ابنها اللي عنده سبع سنين، كان قاعد وسط حتت البورسلين المكسورة، ماسك كاحل رجله اليمين وبيعيط بحرقة. على بعد خطوات، كان فرد أمن بيكلم حد في اللاسلكي، وموظفة في المحل واقفة مبهورة ومصدومة من اللي فاضل من الفازة المستوردة الضخمة دي.
​— اطلبوا دكتور الأول أرجوكم! — ماريان اترجتهم وهي بتترمي على ركبها جنب الولد — وبعدين نشوف هدفع لكم إزاي.
​هي أساساً هتدفع مبلغ زي ده منين؟
​دي لسه نازلة الصبح من شقتها الصغيرة في عين شمس ومفيش في جيبها غير 3800 جنيه، كانت بقالها أسابيع بتجمعهم بالعافية عشان تجيب سبلايز وطلبات المدرسة لمؤمن. شغالـة سكرتيرة في عيادة سنان، وعايشة مع جدتها تيتا هدى، ست عندها تسعة وسبعين سنة بتتحرك بعكاز، بس لسه مصممة تطبخ وتكنس وتخلي بالها من ابن ابنها.
​كان فاضل تسع أيام على بداية الدراسة.
​وبعد ما جابت الكشاكيل، والألوان، الصلصال، الفولدرات، والمقلمة اللي عليها رسومات كواكب ولينكستارز اللي مؤمن قعد يتحايل عليها عشان تجيبها له، ماببقاش معاها غير 950 جنيه بالعافية.
​وفجأة حصلت الكارثة.
​مؤمن شاف من برة المحل بطانية كحلي غامق مليانة نجوم فضية. ولأنه مجنون بالفضاء والفلك، جرى على جوة المحل من غير ما ياخد باله إنهم لسه مسحين الأرضية ومدعوكين بتمسيح المدخل.
​اتزحلق.
​حاول يمسك في القعدة الرخام اللي عليها الفازة.
​وقعت الفازة واتدشملت.
​— إحنا ممكن نكلم الشرطة — فرد الأمن قال كده — والمحل لازم يعمل محضر.
​وش ماريان اصفرّ.
​— أنا مفيش حيلتي المبلغ ده.. بس ممكن أوقع على أي حاجة، أقسطها، أشتغل شغلانة تانية.. أي حاجة! بس المهم شوفوا دكتور للولد الأول!
​فرد الأمن رفع اللاسلكي تاني.
​في اللحظة دي، صوت راجل يرن من وراهم:
​— بلاش شرطة.
​ماريان اتسمرت مكانها.
​سبع سنين كافيين يغيروا ملامح وش أي حد.
​بس مبيغيروش الصوت.
​دارت بوشها بالراحة.
​آدم كان واقف عند باب المحل، لابس بدلة كحلي شيك جداً. شكله بقى أكبر، أرصن، واثق في نفسه أكتر بكتير من الشاب أبو ستة وعشرين سنة اللي ماريان حبته في يوم من الأيام.
​نفس الراجل اللي كانت بتخطط معاه للجواز.
​نفس الراجل اللي اختفى من حياتها فجأة في يوم وليلة من غير ما يسأل ولا يرن رنة.
​آدم هو كمان عرفها.
​— ماريان…
​حضنت مؤمن بلهفة ومن غير ما تحس.
​آدم بص للولد.
​— هو اتعور؟
​— رجله — ردت عليه ببرود.
​— في مستشفى قصاد المول على طول.. أنا هوديكم.
​— مش محتاجين…
​— أنا مأسألتش عن الفازة! أنا بتكلم عن الولد!
​مؤمن رفع وشه المليان دموع.
​— هو حضرتك صاحب المحل؟
​آدم نزل على ركبته قدامه.
​— ليا كذا محلات هنا.
​— والله ما كان قصدي أكسرها.
​— عارف يا حبيبي.
​عين آدم راحت للأرض المبلولة، وبعدين للفيط الصفرة بتاعة “احذر أرضية مبلولة” اللي كانت محطوطة بعيد أوي عن الباب.
​— وقبل ما نطلب مليم واحد من مامتك، إحنا هنراجع كاميرات المراقبة الأول.
​ماريان مكنتش طايقة تاخد منه مساعدة، بس مؤمن مكنش قادر يدوس على رجله خالص. في الآخر وافقت إن آدم يشيله.
​في المستشفى أكدوا إن مفيش كسر، مجرد جزع بسيط.
​وهو الدكتور بيكتب التقرير، سأل:
​— اسم الطفل إيه؟
​— مؤمن أحمد — ماريان ردت.
​— السن؟
​— سبع سنين.
​آدم رفع راسه فجأة.
​سبعة؟
​بص للولد بتركيز أكتر.
​شعر أسود.. عيون بني.. دقن معينة.
​فجأة مؤمن اتنرفز لما الدكتور قال له مش هتعرف تجري كام يوم.
​كشر وشه.
​حاجبه الشمال نزل.
​وحاجبه اليمين اترفع لفوق.
​آدم نفسه اتكتم لثانية.
​دي نفس الحركة اللي بيعملها من وهو صغير بالظبط!
​نفس الحركة اللي أبوه كان بيتريق عليه بسببها!
​وهم طالعين، آدم أصر يوصلهم لحد البيت.
​ماريان اضطرت توافق.
​طول الطريق، مؤمن كان نايم في الكنبة اللي ورا. آدم كان سايق في صمت لحد ما وصلوا قدام العمارت القديمة اللي ساكنين فيها.
​قبل ما ماريان تنزل، سألها:
​— مين أبوه؟
​مسكت إيد الشنطة بضغط.
​— دي حاجة ماتخصكش.
​— الولد عنده سبع سنين يا ماريان.. إحنا مقطوعين عن بعض بقالنا تمان سنين!
​بصلته.
​مبقاش في عينها دموع.
​كان في غل ووجع قديم بس.
​— إحنا ممشيناش وسبنا بعض بمزاجنا يا آدم.
​كشر وشه.
​— تقصدي إيه؟
​ماريان وُطّت صوتها عشان مؤمن ما يصحاش.
​— أنت سافرت 3 شهور للإشراف على موقع الشركة في أسوان.. بعد شهر واحد اكتشفت إن أنا حامل.
​آدم اتسمر.
​— حامل؟!
​— أمتك هي اللي لقت السونار.
​— أمي؟!
​— ثريا هانم دخلت شقتنا بالمفاتيح اللي أنت سبتهالها.. فتشت في حاجتك، لقت الظرف، وقررت من دماغها إن اللي في بطني ده مش ابنك.
​آدم هز راسه بالنفي مش مصدق.
​— مش ده الكلام اللي قالتوهولي خالص!
​— تاني يوم الصبح، جوم اتنين عمال من شركة المقاولات بتاعة عيلتك.. لموا هدومي في شنط وودوها بيت جدتي.. ولما رجعت عشان آخد تليفوني، لقيتهم غيروا كالون الشقة.
​آدم كبس إيده على الدركسيون بقوة.
​— أنا كلمتك!
​— وأنا كلمتك! سكرتيرتك مكنتش بتبلغك بيا أبداً.. وبعدها قالتها لي على بلاطة: ثريا هانم أرتها متبلغكش بأي مكالمة مني.
​— ماريان…
​— كتبتلك.. دورات عليك.. قعدت استنى كل يوم حد على أمل إنك تطلبني.
​آدم طلع تليفونه بآيادي بمليانة توتر.
​بعد كم ثانية، جاب نوتة كان محتفظ بيها من سنين.
​وراهالها.
​”يا آدم، متدورش عليا.. أنا تعبت من الانتظار ومن معاملة أمك.. أنا عرفت حد تاني.. سامحني وعيش حياتك.”
​ماريان قرت الرسالة.
​الدم اتقطع من وشها.
​— أنا عمري ما كتبت الكلام ده!
​— الرسالة دي مبعوتة من رقمك أنتِ!
​— تليفوني سيبته جوة شقتك لما طردوني!
​السكوت بقى خنيق وتقيل بشكل لا يطاق.
​آدم بص للولد اللي نايم ورا.
​وبعدين رجع بص لماريان.
​— هو مؤمن…؟
​ما ردتش.
​وما كانش له لازمة ترد.
​آدم فهم.
​تمان سنين من الزعل، والغل، والكبرياء اتهزوا في ثانية واحدة عشان احتمال واحد بس.
​وماريان مكنتش لسه مستوعبة اللي آدم على وشك يكتشفه عن أمه…
الجزء الثاني
​آدم ساب مؤمن في البيت وقعد بتاع عشرين دقيقة جوة عربيته في الشارع من غير ما يدور الموتور. بعد كدة طلع على طول على فيلا ثريا هانم في التجمع الخامس. أمه كانت لسه عايشة في الفيلا الكبيرة اللي كانت ملك أبوه، مؤسس شركة المقاولات بتاعة العيلة. ثريا كانت لسه ماسكة منصب في مجلس الإدارة، ورغم إن آدم هو اللي بيمشي الشركة كلياً بقاله سنين، هي كانت لسه بتتعامل كأن ليها الحق تقرر وتتحكم في حياته الشخصية.
​— إيه اللي جابك يا آدم؟ — ثريا سألته — أنا افتكرت عندك اجتماع.
​— أنا قابلت ماريان.
​ملامح أمه اتغيرت في ثانية.
​— ماريان مين؟
​— بلاش الحركة دي يا أمي.
​ثريا حطت كاس المية اللي في إيدها على الترابيزة.
​— أتمنى تكون مسحمتلهاش تدخل حياتك تاني.
​— بتقول إنك أنتِ اللي طردتيها من شقتي.
​— الكلام ده فارغ، هي اللي مشت لوحدها.
​— بتقول إنك استعنتي بعمال من الشركة عشان يرموا حاجتها برة.
​— آدم…
​— وكمان بتقول إنك كنتِ عارفة إنها حامل.
​ثريا سكتت. والسكوت ده كان كفيل يوضح كل حاجة.
​— كنتِ عارفة… — آدم زمجر بصوت واطي.
​— أنا كنت بحميك!
​— بتحميني من إيه؟!
​— من بنت مش متعلمة، مربياها جدتها، جرت عليك وتقولك أنا حامل أول ما أنت سافرت وسبتها!
​— هو أنتِ حتى كلفتي نفسك تتأكدي إن الولد ده مش ابني؟!
​وش ثريا نشف وجرّد من المشاعر:
​— وهتفرق إيه؟! كنت هتجوزها! كنت بتهد كل اللي بنيناه وعملناه عشان خاطرك!
​آدم بص لها كأنه شايف واحدة غريبة لأول مرة في حياته.
​— هتفرق إيه؟!
​أمه حاولت تبرر:
​— أنت كنت صغير.. وهي مش من مستوانا ولا تنفعنا.
​— الولد ده ممكن يكون ابن ابتك.. طفلك أنتِ!
​ثريا ودت وشها الناحية التانية.
​ساعتها آدم فهم حاجة أوحش وأبشع بكثير. الموضوع مكنش مجرد سوء تفاهم.. أمه عمرها ما كانت عايزة تعرف الحقيقة اصلاً.
​طلع على مكتب أبوه في الدور الثاني وبدأ يفتح الأدراج. في آخر درج تحت خالص، لقي تليفون قديم لونه بينك مكسور من الطرف. آدم عرفه في ثانية.. تليفون ماريان! اللي المفروض إنها أخدته معاها وهي ماشية وسبته.
​نزل السلم وهو ماسكه في إيده.
​ثريا وشها اصفرّ.
​— أنتِ كمان اللي كتبتي الرسالة؟
​— آدم، اسمعني بس…
​— كتبتي الرسالة دي من تليفونها؟!
​أمه سكتت ومردتش.
​— وأنتِ اللي أمرتي السكرتيرة متبلغنيش بمكالماتها؟
​— كنت عايزاك تاخد وقتك وتنساها.
​— والجوابات اللي كانت بتبعتها لي؟!
​ثريا ضغطت على شفايفها:
​— مكنش في داعي تقراها.
​آدم حس بوجع خنيق في صدره كأن جبل نازل عليه.
​— تمان سنين فهمتيني إنها خانتني وسابتني!
​— افتكرتك لما تكبر هتفهم أنا عملت كده ليه.
​— لا! تمان سنين خليتيني أكره ست كانت شايلة ابني في بطنها!
​— أنت حتى مكنتش تعرف إن الولد ده ابنك ولا لا!
​آدم مشي ناحية الباب.
​— أنا هعرف دلوقتي.
​— يا آدم!
​وقف عند الباب ولتف.
​— بس في حاجة واحدة أنا عارفها ومتأكد منها كويس.. ماريان عاشت وعافرت من غير ما تطلب مني مليم واحد. في الوقت اللي كنت فاكر إنها خانتني، هي كانت بتشتغل وبتكبر الولد ده لوحدها.. فبلاش تقولي تاني إنها راجعة عشان فلوسي.
​تاني يوم الصبح، اتجمع مع ماريان على دكة في جنينة صغيرة قدام العمارة بتاعتها. رجعلها تليفونها القديم. ماريان مشت صوابعها على الحتة المكسورة وغمدت عينها لثانية.
​— شالته عندها كل السنين دي…
​— كأنه دلالة على إنها هي اللي تقرر حياتنا نمشيها إزاي.
​آدم حكالها كل اللي دار بينه وبين أمه. ماريان كانت بتسمع من غير ما تقاطعه. لما خلص، سألته:
​— عايز إيه دلوقتي؟
​— تحليل DNA.. تحليل أبوه.
​ماريان مظهرش عليها أي مفاجأة:
​— موافقة.
​آدم اتنفس براحة.
​— بس عندي شروط.
​— اللي أنتِ عايزاه.
​— لو طلع مؤمن ابنك، مش هتجيلي فجأة بمهندسين ومحامين وتغيرله حياته وتكركبهالي.. مش هتسحبه على فيلتك لمجرد إن معاك فلوس أكتر.. أنا مش عايزة عربيات نقل مليانة لعب ولا وعود مش قدها.
​— أنا مش جاي أخد مؤمن منك.
​— الفلوس والنفوذ بيفزعوا أي ست كبرت وربت ابنها لوحدها تمان سنين.
​آدم بص في عينها بجدية:
​— ثقي فيا للوقت اللي نعرف فيه الحقيقة بس.. مش أكتر.
​ماريان وافقت.
​بعد يومين راحت معاه معمل تحاليل خاص. مؤمن كان بيبص للمسحات القطن بشك:
​— هو ليه عمو ده هيعمل تحليل معايا؟
​— عشان ورق مهم يا حبيبي — ماريان ردت عليه.
​آدم ابتسم:
​— أنا جيت عشان أسلّيك ومتخافش.
​— اه… عشان ما أخافش!
​وهما راجعين، آدم شرح لماريان إنه فرغ كاميرات المول خلاص. الفازة كانت متأمن عليها اصلاً، غير إن المحل كان حاططها في مكان مخالف لشروط السلامة والأمان. مفيش مليم واحد هيتدفع.
​ماريان غمضت عينها بتعب:
​— أنا امبارح طول الليل بحسب هحتاج كام سنة عشان أرد المبلغ ده.. كنت فاكرة هقعد اكتر من خمس سنين بقسط فيه.
​— انسى الموضوع ده خالص.
​نتيجة التحليل كانت المفروض تطلع بعد ثلاث أيام.
​يوم الخميس بعد الظهر، آدم جاله إيميل من المعمل. ميرضاش يفتحه من الموبايل. نزل بنفسه المعمل واستلم الظرف.
​قعد جوة عربيته والظرف المقفول بين إيديه. افتكر مؤمن.. حركة حاجبه.. السبع سنين اللي ضاعوا من عمره.. كل حاجة ممكن تكون مكتوبة في ورقة واحدة.
​في الآخر قطع الظرف.
​قرا أول سطر…
​وحس إن عينيه اتملت بالدموع قبل ما يقدر يكمل قراية…
الجزء الثالث والأخير
​السطر الأول كان واضح وزي الشمس: “نسبة تطابق الجينات 99.9%… إثبات البنوة مؤكد.”
​آدم حط إيده على وشه وبكى.. دموع ندم على السنين اللي ضاعت، وغضب من اللي أمه عملته، وفرحة إن بقى له ابن من أكتر ست حبها في حياته.
​ساق عربيته بسرعة وعلى طول على شقة ماريان في عين شمس. طلع السلم درجتين درجتين وخبط على الباب. ماريان فتحت وهي ماسكة فوطة في إيدها، وبصت لوشه المليان دموع وعينيه الحمرا.. من غير ما ينطق ولا كلمة، هي فهمت.
​— طلع ابنك.. صح؟ — سألته بصوت واطي ومكسور.
​آدم هز راسه وهو بيحاول يمسك نفسه:
— مؤمن ابني يا ماريان.. ابني اللي اتحرمت منه سبع سنين.
​ماريان اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتطلع وجع السنين كلها، ووسعت له الطريق:
— ادخل يا آدم.
​دخل آدم ولقى مؤمن قاعد على الترابيزة بيلون في كشكول الرسم. الولد بص له بابتسامة:
— عمو آدم! رجلي بقت أحسن النهاردة!
​آدم نزل على ركبته قدامه، وبص لملامحه بتركيز.. الحاجب، العينين، حركة الوش.. إزاي كان أعمى وما شافش ده من أول لحظة؟ قرب منه وحضنه بلهفة ودموعه نزلت على كتف الولد الصغير. مؤمن استغرب بس طبطب على ظهره:
— أنت بتعيط ليه يا عمو؟ هو أنا عملت حاجة غلط تاني؟
​آدم مسح دموعه وابتسم له:
— لا يا حبيبي.. أنت أجدع ولد في الدنيا.. أنا بس فرحان إنك بخير.
​في المساء، قعد آدم وماريان وتيتا هدى في الصالة بعد ما مؤمن نام.
​— أنا عارف إن الفلوس مش هتعوض حاجة — آدم بدأ الكلام وهو بيبص لماريان — ولا سنين العذاب اللي عشتيها، بس أنا مش هسمح إنكم تعيشوا في ظروف صعبة تاني. من بكرة، الشقة دي هتتغير، ومؤمن هيدخل أحسن المدرسة، وأنتِ مش هتحتاجي تشتغلي فوق طاقتك عشان توفري له أكل ولا كتاب.
​ماريان بصت له بصلابة:
— أنا مش عايزة فلوسك يا آدم.. أنا ربيته سبع سنين بقمة شرفي وعرقي ومحتاجتش حد.
​— ده مش عشانك ولا عشاني! — آدم رد بلهفة — ده حق مؤمن! حق ابني اللي حرمتني منه الظروف وأمي.. وأنا مش بعرض عليكِ إحسان، أنا برجع حقه.
​تيتا هدى دخلت في الكلام بصوتها الدافئ:
— يا بنتي.. الراجل بيتكلم بصح. مؤمن كبر ومحتاج أبوه، وأنتِ شيلتي الحمل لوحدك لحد ما ضهرك اتدشبك.. سيبيه يتحمل مسؤوليته.
​عدت الأيام، وآدم بدأ يتقرب من مؤمن خطوة بخطوة. كان بياخده التمرين، يشتري له لعب الفلك والنجوم اللي بيحبها، ويقضي معاه كل نهاية أسبوع. مؤمن كان طاير بيه، ولما جه اليوم اللي ماريان وآدم حكوا له فيه الحقيقة، الولد ما صدقش من الفرحة ونط في حضن آدم وهو بيصرخ: “يعني أنت بابا الحقيقي؟! مش عمو صاحبتنا بس؟!”
​أما بالنسبة لـ ثريا هانم…
​آدم قطع علاقته بيها تماماً في الشغل والحياة. سحب منها كل الصلاحيات في الشركة، وساب لها الفيلا تعيش فيها لوحدها مع ندمها وجدرانها الفاضية. ولما حاولت تترجاه عشان تشوف حفيدها، آدم كان واضح معاها:
— أنتِ دمرتي حياتي وحياة ماريان تمان سنين.. مش هسمح لك تلمسي ابني إلا لما تتعلمي يعني إيه إنسانية وتعتذري لماريان وتطلبي منها السماح الأول.
​بعد سنة كاملة من محاولات آدم لإصلاح اللي انكسر، ومن الصبر والاهتمام الحقيقي، ماريان بدأت تلمس في عينيه النضج والتغيير. الجرح القديم بدأ يلتئم، وحبهم اللي اندفن تحت الأكاذيب بدأ يرجع يتنفس من جديد.
​في ليلة دافية، وآدم موصلهم للبيت، وقف مع ماريان عند الباب ومؤمن نايم جوة.
​— تفتكري في أمل نبدأ من جديد؟ — آدم سألها بصوت مليان رجاء.
​ماريان بصت لعينيه، وابتسمت ابتسامة هادية لأول مرة من تمان سنين:
— نبدأ عشان مؤمن… ونشوف الطريق هياخدنا لفين يا آدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *