حماتي وبنتها

لمحة نيوز

​”دينا، ارتاحي أنتِ.”
​”أنا هرد عليهم وأقولهم إن العيل كان بيلعب ومكالمة غلط.”
​”محمود.”​”هات الموبايل.”
​فضل واقف مكانه، ما اتهزش.
وحماتي قعدت على الكرسي وهي شمتانة على الآخر وكأنها بتتفرج على تمثيلية:
​”شُفتي بقى؟ ابني برضه راجل وبيفهم في الأصول.”
​”يا دينا يا حبيبتي، أنتِ أهلك دلعوكِ زيادة عن اللزوم وما عرفوش يربوكِ، وما تعرفيش إن الست لما تتجوز تسمع كلام حماتها وتنفذه ..وان قرشها هو قرش جوزها
​ما نطقتش بولا كلمه فضلت باصة على جيب بنطلون محمود اللي فيه الموبايل، الدنيا بره كانت ليل وضلمة كحل.بنتي لسه واصلة الدنيا.. ولحد دلوقتي، ما لحقتش أضمها لحضني ولا مرة.
​”آه صحيح.”
حماتي قامت وقفت فجأة كأنها افتكرت حاجة:
​”يلا يا محمود تعالى وصلني انا واختك علشان خطيبها جاي على الغدا بكره ويادوب نجهز
محمود بصلي بتوتر وقال….مينفعش تروحوا لوحدكم …يعني دينا لسه تعبانه و..
بس امه قاطعته وقالت بقرف…مش هتتاخر على السنيوره متقلقش يادوب توصلنا
محمود اتنهد وقالي بهمس….. مش هتاخر ​
الباب اتقفل وراهم برزع قوي.
وفضلت في الأوضة لوحدي.
البنج راح تماماً.. ووجع القيصرية بقى عامل زي المنشار اللي شغال في بطني.
موبايلي محمود خده، وفلوسي حماتي لهفتها.
وحتى بنتي نايمة في أنهي حضّانة.. ما أعرفش.
​الممرضة دخلت تبص عليا وتراجع المحاليل، لقتني باصة في السقف وبعيط، اتخضت:
​”مدام دينا مالك؟​”الوجع شديد عليكي؟ تحبي أكتبلك على حقنة مسكن تانية؟”
​هزيت راسي بالنفي، وصوتي كان رايح وضايع:
​”ممكن بس تديني موبايلك أعمل منه مكالمة واحدة ضروري؟”
​الممرضه اترددت ثانية، وبعدين طلعت موبايلها وادتهوني.
عملت مكالمه عمري ما تخيلت اني اضطر اعملها ..كنت متاكده انها هتهد بيتي بس غضبي كان اقوى من اي حاجه …….
مسكت الموبايل وإيدي بتترعش من كتر التعب والقهر. كتبت الرقم اللي حافظاه زي اسمي، الرقم اللي كنت عاهدت نفسي ما أطلبهوش أبدًا عشان ما أهدّش بيتي.. رقم عمي “عادل”.
​عمي عادل مش مجرد عم عادي، ده لواء شرطة سابق ومحامي من كبار رجال القانون، راجل كلمته سيف، وكان رافض جوازتي من محمود من الأول وقال لي: “يا بنتي الراجل اللي عينه على قرشك ومش حاميكي من أهله مش راجل، بلاش يا دينا”.. بس أنا ساعتها كنت عمياء، ووقفت قصاد عمي عشان خاطر محمود.
​رنيت وجالي صوته الرخيم اللي كله هيبة:
— “ألو.. مين معايا؟”
— “عمي.. أنا دينا..” (صوتي طلع مخنوق بالدموع والوجع).
— “دينا! يا بنتي مال صوتك؟ أنتِ ولدتي؟ محمود فين؟”
— “عمي.. أنا اتهنت.. اتسرقت وأنا نايمة بين الحيا والموت في بنج الولادة.. حماتي وجوزي سرقوا شقى أبويا الله يرحمه.. الحقني يا عمي أنا بتموت في المستشفى.”
​الدنيا اتقلبت في ثانية على الناحية التانية من الخط. سمعت صوت كرسي بيتحرك بعنف، وصوت عمي وهو بيتكلم بنبرة تزلزل الأرض:
— “أنا مسافة السكة وجايلك.. دقيقة واحدة ومش هسيبك، اقفلي واهدي خالص، حقك وحق أبوكِ هيرجع تالت ومتلت، والكلاب دول هعرفهم مقامهم.”
​ليلة الحساب الطويلة
​رجعت الموبايل للممرضة وأنا كلي بترعش. الممرضة كانت واقفة وباصة لي بشفقة وذهول، وقالت لي: “متخافيش يا مدام دينا، أنا هروح بنفسي أجيب لك بنتك من الحضّانة تخليها في حضنك، ربنا ينصرك”.
​فعلاً، دقايق وجابت لي بنتي.. حتة لحمة حمراء، أول ما شميت ريحتها وضميتها لصدري، حسيت إن جبل الوجع اللي في بطني اتهد. دموعي نزلت على وشها، وحلفت في سري إني مش هسمح للدكات ل دول يربوا بنتي ولا يكسروا نفسي ونفسها زي ما عملوا معايا.
​عدت الساعات تقيلة ومملة.. لحد ما الساعة بقت 8 الصبح.
​الباب اتفتح ودخل محمود، كان لابس وش الهدوء والبرود وكأن ما فيش حاجة حصلت، وفي إيده كيس فيه علبة عصير وعلبة جبنة قريش. بص لي وقال بابتسامة صفرا:
— “صباح الخير يا دينا.. حمد الله على السلامة يا حبيبتي، شفتي الواد زي القمر إزاي؟ أهو نمتِ وصحيتي وبقيتي زي الفل، وأمي زمانها بتعمل لك الفراخ البلدي وهتجيلك كمان شوية.”
​بصيت له ببرود تام وما ردتش.. قعد على الكرسي وطلع موبايلي من جيبه ورماه على السرير:
— “أهو موبايلك أهوه، أنا بس رديت على النجدة وفهمتهم إن الموضوع سوء تفاهم، عيب يا دينا تفضحينا وتدخلي البوليس بيننا، إحنا أهل برضه!”
​في اللحظة دي، الباب اتفتح بعنف.. ودخل عمي عادل بيك، ووراه اتنين رجالة من مكتبه، ببدلهم الرسمية وهيبتهم اللي تملا الأوضة. محمود وقف مخضوض ووشه جاب مية لون:
— “عادل بيه! أهلاً وسهلاً يا فندم.. خطوة عزيزة.. بس حضرتك جيت من غير ما تقولي كنت جيت أخدتك من المحطة!”
​عمي ما بصش لمحمود أصلاً، جه عليا وطبع بوسة على جبهتي وبص للبنت ودعا لها، وبعدين لف لمحمود وبص له نظرة خلت ركب محمود تخبط في بعضها.
​المواجهة الكبرى.. القانون لا يحمي المغفلين
​عمي قعد على الكرسي وحط رجل على رجل بكل ثقة، وشاور لواحد من الرجالة اللي معاه وقال: “اكتب يا متر.. وسجل المحضر عندك”.
محمود بلع ريقه بتوتر وقال:
— “محضر إيه يا عادل بيه؟ دي حاجات عائلية وبتحصل في كل البيوت، أمي بس أخدت قرشين تمن مصاريف النفاس والأكل والـ…”
​عمي قاطعه بصوت زي الرعد:
​”أخرس خالص.. صوتك ده ما اسمعوش! أنت وأمك عملتوا جناية عقوبتها السجن المشدد.. استغلال غياب وعي مريضة تحت تأثير البنج، والسرقة بالإكراه، واستخدام بصمة الأصبع لتزوير عملية نقل بنكي إلكتروني.. دي اسمها جرائم تكنولوجيا معلومات وسرقة جنائية، والنيابة مش هترحمكم.”
​محمود بدأ يعرق وبقى يتأتأ:
— “سرقة إيه يا فندم؟ دي فلوس مراتي.. يعني فلوسنا كلنا.. وأمي شالت الفلوس عشان الولد!”
​عمي طلع ورقة من جيبه ورماها في وش محمود:
— “دي صورة رسمية من البنك الأهلي بحركة الحساب اللي تمت الساعة 2 بالليل.. المبلغ كام؟ نص مليون جنيه.. اتم تحويلهم بالكامل لحساب المدعوة (سعاد عبد الجليل) اللي هي أمك.. وبناءً على البلاغ اللي قدمناه الصبح، الحسابات كلها اتجمدت، والتحويل واقف تحت التحفظ، ودلوقتي القوة الأمنية بتتحرك على بيت أمك عشان يقبضوا عليها بتهمة السرقة الإلكترونية والابتزاز.”
​في ثانية، محمود وقع على ركبه قدام السرير، وبقى يبكي زي الأطفال:
— “بوس إيدك يا عادل بيه.. بلاش أمي.. أمي ست كبيرة ومش هتحمل الحبس.. دينا.. قولي لحاج حاجة.. أنا جوزك حبيبك.. هترضيلي الفضيحة؟”
​بصيت له بكل قرف وغل وقلت له:
— “جوزي اللي سابني بدمي ووافق أمه تسرقني؟ جوزي اللي أخد موبايلي عشان ما استغيثش بحد؟ أنت مش راجل يا محمود.. أنت مجرد ديل لأمك، والقرشين اللي كنتوا فاكرين هتذلوني بيهم عشان أهلي ميتين، نسيتوا إن عندي عم يهد بلد عشان خاطري.”
​سقوط الأقنعة
​وفجأة، تليفون محمود رن.. كانت أمه. محمود فتح السبيكر وهو إيده بترتعش، وجالنا صوت حماتي وهي بتصرخ وتولول وتلطم على وشها:
— “الحقني يا محمود يا ابني!! البوليس واقف تحت البيت ومعاهم بوكس.. وبيقولوا في أمر ضبط وإحضار ليا بتهمة السرقة! الفلوس مش راضية تتسحب من المكنة والبنك قفل حسابي! الحقني يا ابني بيتي هيتخرب!”
​عمي عادل سحب الموبايل من إيد محمود ورد ببرود:
— “اسمعي يا ست أنتِ.. أنا المستشار عادل رأفت، عم دينا.. الفلوس اللي فرحتي بيها ودخلت جيبك دي، هتكون سبب سجنك أنتِ وبنتك اللي بصمت دينا.. قدامك خيارين مالهمش تالت:
​أولاً: تيجي هنا المستشفى راكعة وتعتذري لـ دينا، وتوقعي على تنازل رسمي وإقرار برد الفلوس فوري.
​ثانياً: تتفضلي مع الرجالة في البوكس على قسم الشرطة، ومنها لـ 3 سنين سجن مشدد بتهمة الجناية الإلكترونية.”
​الست أول ما سمعت كلمة “سجن وبوكس”، صوتها اختفى من الرعب وقالت: “أنا جاية.. جاية حالاً يا بيه.. والنبى بلاش حبس.. أنا أسفة يا بنتي.. أنا جاية حالاً” وقَفلت السكة وهي بتعيط.
​البداية الجديدة.. استخدام الكارت الأخير
​بعد ساعة واحدة، كانت الأوضة زحمة.. حماتي دخلت ووشها أصفر زي الليمونة، وبنتها معاها بترتعش من الخوف. حماتي جت عند رجلي وبقت تعيط وتقول: “سامحيني يا بنتي.. الشيطان شاطر.. إحنا أهل ومفيش بيننا الكلام ده.. الفلوس اهي والله ما لمسناها”..
​أنا مكنتش حاسة بأي شفقة ناحيتهم.. الناس دي لو كنت ضعيفة كانوا داسوا عليا وجوعوني أنا وبنتي.
​عمي عادل خلى حماتي وبنتها ومحمود يوقعوا على:
​إقرار برد المبلغ بالكامل وتفويض البنك بإلغاء المعاملة.
​وصل أمانة بمبلغ كبير كضمان لعدم التعرض ليا أو لبنتي.
​تنازل محمود عن حضانة البنت تماماً في حال الطلاق.
​بعد ما وقعوا وهم بيموتوا من الرعب والفضيحة قدام دكاترة وممرضات المستشفى، بصيت لمحمود وقلت له بكلمات واضحة وقاطعة زي السيف:
— “محمود.. أنت ورقتك هتوصلك لبيت عمي.. أنا مش هعيش مع أشباه رجال.. وبنتي هتربى في وسط ناس تعرف الأصول والدين، مش ناس بتسرق المريض وهو بين الحيا والموت.”
​محمود حاول يتكلم، بس عمي شاور للرجالة فطردوهم بره الأوضة زي الكلاب الجربانة.
​اتنفست لأول مرة بحرية.. الوجع اللي في بطني خف، وبنتي نامت في حضني وهي مطمنة. صحيح الكارت اللي استخدمته كان صعب وهد بيتي، بس أوقات الهدد بيبقى هو البداية الصح عشان تبني حياتك على نظافة وبكرامة ومحدش يقدر يكسرك تاني.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *