ترجعت البلد
نظرتُ حولي في الغرفة الصغيرة: السرير القديم المرقع، النافذة المكسورة التي يسقط منها المطر والبرد، الموقد الذي لا يعمل إلا بشق الأنفس. دموعي سقطت رغماً عني، لا حزناً بل غضباً.. غضباً على نفسي أولاً، لأنني لم أكن هنا لأحميها، وثانياً على تلك الأخت التي خانّت أمانة لم يكن من حقها أن تحملها أصلاً.
مش هيسكت عن ده يا أمي.. مش هيسكت. كل مليم أخذته هيرجعلكِ، وحقك اللي اتسرق منكِ سنتين كاملين هيرجع.. حتى لو كان الثمن علاقتي ببنت عمري كنتِ بحبها وبتمنى لها الخير.
الجزء الثالث: المواجهة التي لم تتوقعها
في اليوم التالي، ذهبتُ لبيت منى. وقفتُ أمام الباب الفخم الذي اشتراه من فلوس أمي المسروقة، وشعرتُ بالغضب يتصاعد في صدري بلا هوادة. خبطتُ على الباب بقوة، وفتحت لي بابتسامة واثقة:
أحمد! جيت امتى؟ مبروك العودة يا سيدي، تعالى ادخل، لسه كنتِ أفكر أكلمكِ أسألك وصلت ولا لا!
دخلتُ، ورأيتُ بأم عيني ما فعلته بفلوسنا: أثاث فاخر، تلفاز ضخم، أجهزة حديثة في كل ركن، وطفلها يلعب بألعاب باهظة الثمن على الأرض. جلستُ على الكنبة دون أن أنزع معطفي، وقلتُ ببرود لم أتخيل أنني أمتلكه:
بيت جميل يا منى.. أكيد الإيجار بتاعه غالي، ولا الحاجات دي كلها هدية من السماء؟
تغيرت ملامح وجهها قليلاً، لكنها حاولت أن تظل هادئة:
إيه يا أخي، جاي بلهجة غريبة؟ الحمد لله، شغلي ساعدني، وزوجي بيجيب ربنا، الحمد لله على كل حال.
والحمد لله.. بس الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، مش الحمد لله على أكل أمك وأنتِ تعيشين في رغد وهي تطلب كيلو رز من دكان الحارة!
صُعقت، واتسعت عيناها:
مين اللي قاللك الكلام الفارغ ده؟ هي أمك بتكبر الموضوع، هي بتمشي على الناس وتقول كلام مش صحيح عشان تشفقهم عليها!
وقفتُ بغضب، ورفعت صوتي لأول مرة في حياتي معها:
تكبر الموضوع؟! جسمها هزيل بالكامل، بيتها مهدد بالسقوط، ديونها تملأ دفتر الحارة، وأنتِ هنا تعيشين كالملكات! سنتين يا منى.. سنتين وأنا كل شهر أحول لكِ ثمانية آلاف جنيه، لم أطلب منكِ حساباً قط، لأنني كنتِ أثق بكِ.. وأنتِ خنتِ ثقتي وخنتِ أمانة أمك التي ربّتنا على الصدق والأمانة!
بدأت تبكي وتتذرع:
أنا آسفة.. ما كانش قصدي.. الظروف كانت صعبة، زوجي ما كانش بيجيب مصاريف، كنتِ مضطرة.. والله كنتِ بدفع لها، بس هي ما كانتش بتاخد.. كنتِ خائفة تقولك إنها محتاجة أكتر فبتقول إنها مش عايزة حاجة!