ترجعت البلد
يا أمي.. أنطقي وحياتي عندك، من امتى الفلوس دي مابتصلش بيكي؟!
قعدت على الكرسي ببطء، وكفت إيديها على وشها، وقالت بصوت مكسور:
من أول يوم بدأت تبعت فيه يا ابني.. أختك منى كانت بتاخد كل قرش!
وفي اللحظة دي.. عرفت إن أختي مكنش بتسرق فلوسي وبس.. دي كانت بتسرق عمر أمي وسنين حياتها خطوة بخطوة!
يا ترى إيه اللي عملته أختي بالفلوس كلها؟ وإزاي أحمد هيربيها وياخد حق أمه المظلومة؟
انتظروا الجزء الأخير.. المفاجأة هتنسفهم للأبد!
الجزء الثاني: الصدمة التي لم أتخيلها
جلستُ جنب أمي، وأمسكتُ بيدها المرتعشة، وقلتُ بصوت أحاول أن أجعله هادئاً رغم الغضب الذي يغلي في صدري:
احكيلي كل حاجة يا أمي.. من الأول للآخر. متخافيش من حاجة، أنا معاكي دلوقتي، ومش هسمح لأي حد يأذيكِ تاني.
مسحت دموعها بمنديل قديم ممزق، وبدأت تحكي بصوت خافت ومرتعش، وكأنها تخاف أن تسمعها الجدران نفسها:
من أول شهر بعت الفلوس، جت لي منى وقالت لي فلوس كتير قوي يا أمي، أحمد مش عايزكِ تهدريها، أنا هحطها في حسابي وأصرفلكِ كل يوم اللي محتاجاه عشان متضيعيش حاجة. وافقتُ يا بني، كنتِ واثقة فيها.. بنتي الكبرى، كنتِ فاكرة إنها بتحميني وتخاف عليّ.
سكتت للحظة، وتنهدت بألم عميق، ثم استكملت:
أول شهر، جابت لي قليل من الخضار والخبز، وقالت الفلوس لسه مجهزة. تاني شهر، قالت الأسعار غالية ومصاريف البيت كتير، ومش عايزة تثقل عليكِ. ومع الوقت، بدأت تقلّ أكتر وأكتر. كنتِ أقول لها يا منى، أنا بنتك مش غريبة، خائفة عليّ أمرض وأحتاج علاج. كانت ترد عليا بكل وقاحة: تعالي عندي يبقى، عندي أكل وشرب وراحة، بس بلاش تيجي تقولي لأحمد حاجة، هو مش هيتحمل وممكن يقطعنا عيشنا كلنا.
قلبي اتقطع مع كل كلمة تقولها.
يعني كانت تضغط عليكِ إنك متقوليش لي حاجة؟ كانت تؤثر عليكِ عشان ما أكتشف الحقيقة؟
كانت تقول لي إنك مش فاضي، وإنني عبء عليكِ، وإن لو عرفت هتتركني ومش هتبعت ولا مليم تاني. كنتِ خائفة يا ابني.. خائفة أتوه وأبقى وحيدة. فسكتّ.. سكتّ سنتين كاملين، وأنا جوايا ألم كبير كل ما أشوف نفسي محتاجة حاجة ومش معايا ثمنها.
قمتُ وقفت، وقلبي يخفق بقوة لا تصدق. سنتين.. سنتين وأنا في الغربة، أجتهد وأعمل ساعات طويلة كل يوم، أحرم نفسي من أشياء كثيرة عشان أضمن لها حياة كريمة، والفلوس تذهب لمنى لتعيش بها هي ومن حولها حياة مترفة، وأمي تتضور جوعاً وتعيش في بيت مهترئ بلا أدنى مقومات الحياة الكريمة!