نامت من التعب

لمحة نيوز

عنه، وقال بصوت منخفض لكنه حاسم
محدش يلمسها.
الحارس وقف مكانه.
لكن يا سيدي، هي
الشيخ راشد رفع عينيه ناحيته.
نظرة واحدة كانت كفاية تخليه يسكت فورًا.
قلت محدش يلمسها.
رجع الحارسان لمكانهما، وهما بيتبادلوا نظرات الاستغراب.
أما الركاب اللي كانوا متابعين الموقف، فبقوا مش فاهمين حاجة.
إزاي الشيخ راشد، اللي معروف إنه مبيسمحش لأي حد يتجاوز حدوده، سايب بنت غريبة تنام على كتفه؟
وليه منع حراسه إنهم يصحوها؟
هل كان ناوي يتصرف معاها بنفسه لما تصحى؟
ولا في حاجة تانية محدش فاهمها؟
الأسئلة فضلت معلقة في الجو، لكن مفيش حد كان عنده الجرأة يسأله.
الشيخ راشد رجع بص لإيما.
لاحظ إنها كانت بتتنفس بهدوء، وإن ملامحها بتتغير كل شوية كأنها بتحلم بحاجة مقلقاها.
كان في تجعيدة صغيرة بين حاجبيها، وحتى وهي نايمة كانت إيديها مشدودة على شنطتها.
لسبب ما، المنظر ده خلاه يفتكر أشخاص كتير شافهم في حياته.
أشخاص كانوا بيخفوا تعبهم علشان ميطلبوش مساعدة من حد.
وأشخاص كانوا بيحاولوا يظهروا أقوياء، رغم إنهم من جواهم على وشك الاڼهيار.
الشيخ راشد رجع بنظره للشباك.
لكنه بعد ثواني، اكتشف إنه مش قادر يركز في الأوراق اللي قدامه زي الأول.
كان حاسس بحركة راس إيما البسيطة مع كل نفس، وكان ممكن يبعد كتفه بسهولة.
لكن الغريب إنه مكنش عايز يعمل كده.
مش لأنه يعرفها.
ولا لأنه كان عنده أي سبب يخليه يهتم بيها.
لكن لأنها ببساطة كانت واضحة إنها وصلت لمرحلة من التعب خلتها تفقد قدرتها حتى على مقاومة النوم.
مرت دقايق، وبعدها الشيخ راشد ضغط على زر استدعاء المضيفة.
لما وصلت، وقفت جنبه باحترام.
تحت أمرك يا فندم.
أشار الشيخ راشد ناحية إيما، وقال بصوت هادي
ممكن تجيبي لها بطانية؟ الجو هنا بارد.
المضيفة بصت للبنت، وبعدها بصت للشيخ راشد، كأنها مش متأكدة إنها سمعت الكلام صح.
حاضر يا فندم.
مشيت بسرعة، وبعد لحظات رجعت ببطانية خفيفة.
مدتها له، لكنه أخدها بنفسه.
وبكل هدوء، فرد البطانية على إيما وغطى كتفيها وجزء من جسمها، بحرص شديد علشان متصحاش.
الحركة كانت بسيطة جدًا.
لكن بالنسبة للناس اللي شافوها، كانت حاجة مستحيل يصدقوها بسهولة.
راجل بمكانة الشيخ راشد، اللي حواليه عشرات الموظفين والحراس اللي بينفذوا أوامره، هو بنفسه اللي غطى بنت غريبة نايمة على كتفه!
المضيفة وقفت للحظة، وبعدها ابتعدت بهدوء.
واحدة من الراكبات اللي كانت قاعدة في الصف المقابل همست لجوزها
هو ده فعلًا الشيخ راشد؟
الراجل رد عليها بصوت واطي
أيوه، أنا متأكد. عمري ما سمعت إنه عمل حاجة زي دي قبل كده.
أما الحارسان، فكانوا لسه في حالة ذهول.
واحد منهم مال ناحية التاني وهمس
إنت شوفت اللي حصل؟
التاني رد من غير ما يرفع عينيه
شوفت. بس متسألنيش ليه، لأني مش فاهم حاجة.
الشيخ راشد سمع همسهم، لكنه تجاهلهم.
فضل قاعد في مكانه، وإيما مستندة على كتفه، والبطانية بتغطيها.
ولأول مرة من فترة طويلة، قرر إنه يسيب شغله شوية.
قفل الجهاز اللوحي، وحطه على الترابيزة الصغيرة قدامه.
وبص من الشباك للسما الواسعة.
كان في هدوء غريب جواه، هدوء مش متعود عليه.
لكن الهدوء ده مكنش هيستمر طويلًا.
مر حوالي ساعة، وإيما بدأت تتحرك في نومها.
فتحت عينيها ببطء، وحاولت تستوعب هي فين.
في البداية، كانت مشوشة تمامًا. بصت من الشباك، وبعدها بصت على البطانية اللي مغطياها.
وبعدين حسّت إنها مستندة على حاجة صلبة ودافئة.
رفعت راسها ببطء.
وفي اللحظة اللي استوعبت فيها إنها كانت نايمة على كتف راجل غريب، اتسمرت مكانها.
عينيها اتفتحت على آخرها، ووشها احمر من الإحراج.
اعتدلت في قعدتها بسرعة، وشدت البطانية من غير قصد.
يا إلهي!
أنا آسفة جدًا!
صوتها كان مهزوز، وكانت مش عارفة تبص له في عينيه ولا تبص للأرض.
أنا والله مكنتش أقصد! أنا مش عارفة إزاي نمت بالشكل ده. أنا آسفة، بجد آسفة جدًا.
حاولت تعدل شعرها، وبعدين مدت إيدها علشان تشيل البطانية وتحطها على الكرسي.
دي البطانية بتاعتك؟ أنا آسفة، مكنتش أعرف
الشيخ راشد أشار لها بإيده إنها تهدى.
مفيش مشكلة.
إيما رفعت عينيها له باستغراب.
كانت متوقعة إنه يزعق فيها، أو يطلب منها تغير مكانها، أو على الأقل يبصلها بنظرة ڠضب.
لكن ملامحه كانت هادية بشكل غريب.
قال لها
إنتِ كنتِ تعبانة. خدي راحتك.
إيما فضلت ساكتة لحظات، كأنها مش قادرة تستوعب الرد.
بس أنا نمت على كتف حضرتك طول الوقت؟
أيوه.
وأنا آسفة جدًا.
بص لها الشيخ راشد وقال
اعتذرتِ خلاص. مش محتاجة تفضلي تعتذري.
كان بيتكلم بهدوء، من غير أي نبرة استعلاء.
إيما نزلت عينيها، وفضلت تفرك صوابعها ببعض من التوتر.
لكن بعد ثواني، لاحظت الحارسين اللي قاعدين قدامها، ولاحظت كمان إن بعض الركاب كانوا بيبصولها باستغراب.
بدأ القلق يرجع لها.
هو مين الراجل ده؟
وليه معاه حارسين؟
وليه كل الناس حواليه بتتعامل معاه بحذر شديد؟
كانت هتسأله عن اسمه، لكنها تراجعت في آخر لحظة.
بدلًا من كده، قالت بصوت خاڤت
شكرًا على البطانية.
الشيخ راشد أومأ برأسه، وبعدها رجع يبص قدامه.
إيما افتكرت إن الموضوع انتهى، فبدأت ترتب حاجتها وتراجع الملف الطبي اللي معاها.
لكنها كانت متوترة لدرجة إنها وقعت منها ورقة على الأرض.
انحنت بسرعة علشان تجيبها، لكن الشيخ راشد كان أقرب.
التقط الورقة، وقبل ما يمدها لها، وقعت عينه على اسم المستشفى المكتوب فوقها، وعلى عبارة تشير إلى موعد فحص طبي عاجل.
مد الورقة ناحيتها.
إنتِ مسافرة علشان العلاج؟
إيما أخدت الورقة بسرعة، وحاولت تخفي الملف.
أيوه يعني، أبويا هو اللي محتاج العلاج.
سألها
هو في المدينة اللي رايحينها؟
أيوه.
سكت لحظة، وبعدها قال
حالته خطېرة؟
إيما مكنتش متعودة تتكلم عن مشاكلها مع الغرباء. طول الوقت كانت بتحاول تظهر إنها قادرة تتصرف، وإن كل حاجة تحت السيطرة.
لكن التعب كان أكبر من قدرتها على إخفاء مشاعرها.
قالت
هو تعبان بقاله فترة، والدكاترة قالوا إنه محتاج فحص مهم. المستشفى اللي عندنا مش عندها الإمكانيات المطلوبة، ولازم نلحق الموعد علشان نعرف نبدأ العلاج المناسب.
حاولت تبتسم، لكن ابتسامتها كانت باهتة.
إن شاء الله خير.
الشيخ راشد فضل باصص لها للحظة.
وإنتِ شغالة فين؟
ممرضة في مستشفى صغير هنا في المدينة.
وسافرتِ لوحدك؟
إيما هزت راسها.
أيوه. أبويا هيسافر معايا بعد ما نوصل، أخويا هيساعدني في نقله من المطار للمستشفى.
كانت بتتكلم وهي بتحاول تلم الورق اللي اتبعثر في حضنها.
وفجأة، وقفت عن الكلام.
حسّت إن دموعها قربت تنزل، فعضت على شفايفها وحاولت تسيطر على نفسها.
مكانتش عايزة تبكي قدام حد غريب.
خصوصًا الراجل اللي كانت من شوية نايمة على كتفه من غير ما تعرف حتى اسمه.
الشيخ راشد لاحظ إنها بتحاول تمنع دموعها.
لكنه موجهش لها أسئلة زيادة.
قال بهدوء
ربنا يشفيه.
الكلمتين كانوا بسيطين، لكن إيما رفعت عينيها له باستغراب.
مكنتش متوقعة منه الدعوة دي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
شكرًا لحضرتك.
وبعدها رجعت تبص من الشباك، وهي بتحاول تقنع نفسها إنها لازم تكون قوية.
أما الشيخ راشد، ففضل ساكت لبقية الرحلة تقريبًا.
لكن كلام البنت فضل في باله.
ممرضة بتشتغل ورديات متواصلة، وبنت بتحاول تنقذ أبوها، ومسافرة بتذكرة رخيصة لأنها مش قادرة تتحمل مصاريف أكتر.
حاجات بسيطة، لكنها كانت كفاية تخليه يفكر في حياتها.
كان يقدر يسألها عن تفاصيل أكتر.
كان يقدر يعرض عليها المساعدة فورًا.
لكنه مكنش عايز يحطها في موقف محرج، ولا يخليها تحس إنها مدينة له بحاجة.
فقرر يستنى.
قبل هبوط الطيارة بحوالي عشرين دقيقة، الشيخ راشد فتح موبايله وبعت رسالة قصيرة لرئيس فريق الحراسة الخاص بيه.
الرسالة كانت واضحة ومختصرة
عايز أعرف الإجراءات الطبية المطلوبة لمريض اسمه
وبعدها أضاف اسم المستشفى اللي ظهر على الورقة، وطلب من مساعده يتأكد من المعلومات من خلال القنوات الرسمية، من غير ما يتدخل في خصوصية البنت أو يسبب لها أي مشكلة.
رئيس فريق الحراسة رد بسرعة
حاضر يا سيدي.
الشيخ راشد قفل الموبايل، وبص ناحية إيما.
كانت بتراجع الأوراق الطبية للمرة الأخيرة، وبتتأكد إن كل التحاليل موجودة.
وشها كان لسه مرهق، لكنها بقت أهدى شوية بعد ما نامت.
وقبل ما الطيارة تهبط، التفتت له وقالت
أنا عارفة إني اعتذرت كتير، بس فعلًا شكرًا إن حضرتك اتعاملت معايا بالشكل ده.
بصلها الشيخ راشد وقال
متشغليش بالك بالموضوع.
وبعد لحظة صمت، أضاف
اهتمي بأبوكي، ده أهم شيء دلوقتي.
إيما ابتسمت، وقالت
هو أغلى حاجة عندي في الدنيا.
الشيخ راشد ماردش.
لكنه فضل فاكر الجملة دي.
هو أغلى حاجة عندي في الدنيا.
كان عنده فلوس كتير، وبيوت وشركات وممتلكات، لكنه من زمان مبقاش يسمع حد بيتكلم عن شخص بالطريقة دي.
معظم الناس اللي حواليه كانوا بيتكلموا عن مصالحهم، وعن الصفقات، وعن المكاسب والخسائر.
أما البنت دي، فكل اللي كانت بتفكر فيه هو أبوها.
ولما الطيارة هبطت أخيرًا، إيما قامت بسرعة، وبدأت تجهز شنطتها.
اعتذرت له مرة أخيرة، وبعدها نزلت من الطيارة وهي بتجري تقريبًا ناحية صالة الوصول.
كانت عايزة تلحق أخوها، وتنقل أبوها للمستشفى، وتبدأ الإجراءات قبل ما يفوت الموعد.
الشيخ راشد تابعها بعينيه لثواني، وبعدها قام من مكانه.
واحد من الحارسين قرب منه وسأله
العربية جاهزة يا سيدي.
الشيخ راشد أومأ برأسه.
وقبل ما يتحرك، قال
وصلتكم أي معلومات عن المستشفى؟
الحارس رد
الفريق بدأ يتابع الموضوع، يا سيدي. هنبلغ حضرتك أول ما نعرف التفاصيل.
الشيخ راشد قال بحسم
من غير ما حد يضايق البنت أو يخليها تحس إن في حد بيراقبها. أنا عايز أعرف بس إيه المساعدة اللي ممكن تتقدم بشكل صحيح.
أمرك يا سيدي.
وبعدها خرج الشيخ راشد من المطار، وركب عربيته الفاخرة، وانطلق ناحية الفندق اللي كان المفروض يقيم فيه قبل اجتماع اليوم التالي.
لكن الموضوع بالنسبة له مكنش مجرد موقف عابر على الطيارة.
كان في حاجة جواه بتقوله إن البنت دي محتاجة مساعدة حقيقية، وإنه لو يقدر يخفف عنها جزء من الحمل اللي شايلته، يبقى لازم يعمل كده.
من غير ضجة.
ومن غير ما يطلب منها أي مقابل.
في الناحية التانية، كانت إيما وصلت للمستشفى المتخصص، وهناك قابلت أخوها اللي كان مستنيها.
أول ما شافته، سألها بسرعة
إنتِ كويسة؟ شكلك تعبان جدًا!
إيما حاولت تبتسم.
أنا كويسة. المهم نلحق نخلص إجراءات بابا.
دخلوا المستشفى، وبدأوا يسألوا عن الموعد، ويقدموا التقارير الطبية، ويشرحوا حالة أبوها للفريق المختص.
بعد مراجعة الأوراق، الموظف أكد لهم إن الفحص ممكن يتم في الموعد المحدد، لكن في إجراءات مالية وإدارية لازم تكتمل قبل البدء.
إيما حسّت بالتوتر مرة تانية.
كانت حاطة كل اللي معاها في حسابها، ومستعدة تدفع اللي تقدر عليه، لكنها عارفة إن تكاليف الفحص والعلاج ممكن تكون أكبر من إمكانياتها.
سألت الموظف
ممكن أعرف المبلغ المطلوب علشان نبدأ؟ ولو مش هقدر أدفعه كله دلوقتي، هل في نظام تقسيط أو مساعدة للمرضى؟
الموظف شرح لها الإجراءات، واداها قائمة بالمصاريف المتوقعة.
إيما بصت للأرقام، وحست إن قلبها وقع منها.
كانت لسه محتاجة تدفع تكاليف الفحوصات الإضافية، ومصاريف الإقامة، والأدوية اللي ممكن يحتاجها أبوها.
خرجت من المكتب وهي حاسة إن الطريق قدامها طويل جدًا.
قعدت على كرسي في
الطرقة، وفتحت محفظتها.
فضلت تعد الفلوس اللي معاها مرة ورا مرة، كأنها بتحاول تلاقي مبلغ نسيته في جيب أو بين الأوراق.
لكن مفيش حاجة اتغيرت.
أخوها قعد جنبها وقال
متقلقيش، هنحاول ندبرها. أنا هكلم كام حد أعرفهم، ويمكن نلاقي حل.
إيما هزت راسها، لكنها كانت عارفة إنهم حاولوا قبل كده، وإن الخيارات المتاحة قليلة.
أنا خاېفة يا أحمد.
كانت أول مرة تعترف بخۏفها بالشكل ده.
خاېفة إننا نتأخر، وخاېفة

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *