جوز رماني في المطر

من برودة المطر التي تبلل ملابسي وتنساب على جسدي، بل من الكلمات الثقيلة التي سمعتها للتو. قالت لي إنها أغنى امرأة في المدينة.. وبدت كأنها تقول الحقيقة بكل بساطة وثقة.
مدت يدها الناعمة الممتلئة بتجاعيد السنين، وأمسكت بيدي المرتعشة بين كفيها الدافئتين
أول شيء تعلمته يا إنجي.. أن المطر لا يستمر للأبد، والليل مهما طال، لابد أن يأتي بعده فجر جديد. والثاني أن الكرامة التي أعطيتِ إياها لنفسك حين صممتِ ولم ترجعي له، هي أغلى ما تملكين. حسام ظن أنكِ ضعيفة لأنكِ صبورة.. والصبور حين يغضب، تكون عاصفة لا تُوقفها جدران ولا أسوار.
بعد دقائق، أضاءت المصابيح الأمامية لسيارة سوداء ضخمة ونظيفة تقترب ببطء من محطة الأتوبيس. توقفت بجانبنا بسلاسة، ونزل السائق بسرعة ليفتح الباب
أعتذر عن التأخير يا سيدة فهيمة.. كانت هناك إصلاحات في الطريق الرئيسي.
ساعدني السائق على الصعود، ثم ساعدها هي
الأخرى. جلستُ بجانبها في المقعد الخلفي الواسع المفروش بجلد فاخر، ورائحة العطر القديم والأنيق تملأ المكان. لم نسلك طريق العودة لبيتي.. بل سلكنا طريقاً مختلفاً، نحو حي هادئ وراقٍ، حيث تحيط الأشجار الكبيرة بالطرقات، وتقف فيلاً بيضاء ضخمة تحيط بها حديقة غنّاء.
قالت لي بهدوء
الليلة تنامين هنا يا إنجي. غداً نبدأ صفحة جديدة. لا تقلقي.. لا أحد يعرف أنكِ هنا، ولا أحد سيجدكِ. ارتاحي، فأنتِ في أمان الآن.
الجزء الثالث الحقيقة التي هزت كياني من الأعماق
في الصباح التالي، استيقظتُ على رائحة القهوة الطازجة والضوء الدافئ الذي يتسلل من ستائر الغرفة الواسعة. لم أصدق عينيّ حين نظرتُ إلى المرآة.. لم أكن تلك المرأة المڼهارة التي ألقيت في الشارع بالأمس. غيّرت ملابسي، وتناولت إفطاراً هادئاً مع السيدة فهيمة في صالة الاستقبال الكبرى.
بدأت تحكي لي قصتها بصوتها الهادئ العميق
كنتُ في سنك
تقريباً حين تركني زوجي مع طفل رضيع في يدي، ومعه آخر امرأة. أخذ كل ما أملك، وترك لي رسالة واحدة امسحي دموعك وابحثي عن عمل. لم أملك حينها قرشاً واحداً، لكنني امتلكت شيئاً لم يمتلكه يومًا الإصرار على أن أكون حرّة.
توقفت للحظة، ثم واصلت بنبرة أكثر حزماً
بدأتُ من الصفر. عملت خادمة، ثم خياطة، ثم تاجرة صغيرة. وبعد عشرين عاماً، أصبحتُ أملك ما لا يستطيع حسام ولا أمواله الوهمية أن يحلموا به. والغريب أنني كنت أعرف اسمه جيداً يا إنجي.. هو مدين لي بملايين الجنيهات من خلال صفقات وهمية قام بها باستخدام أسماء وشركات وهمية، وأنا كنت أنتظر اللحظة المناسبة لأسترد حقي.
فتحتُ حقيبة يدي الصغيرة التي أعطتنيها، وأخرجتُ النسخ الاحتياطية من المستندات والأوراق المزورة التي جمعتها خلال الأشهر الماضية. وضعتها على الطاولة بكل ثقة
أنا معكِ يا سيدة فهيمة. ليس انتقاماً.. بل لكي يعرف كل من يظن
أن القوة في الصوت

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *