حماتي استغلت سفر جوزي

لبابا، وعرفت إن عماد عبد الرحمن مش بيهزر، وإنه راجل كلمته سيف.
وبالفعل، ومن غير ما تنطق بحرف واحد، نزلت حماتي على ركبتها في السلم، وبدأت تلم الهدوم والأكياس بإيدين مرتعشة والدموع مغرقة وشها من القهر والذل، ورجعت كل حاجة الشقة.
أول ما خلصت وخرجت تجري على الأسانسير عشان تهرب من الفضيحة، بابا قفل الباب وبصلي، وخدني في حضنه وقال
حقك رجع يا بنتي بس الحكاية لسه ما خلصتش.
رفعت راسي وبصيت له وسألته
قصدك إيه يا بابا؟
بابا ابتسم وقال
قصدي إن أحمد زمانه راكب أول طيارة أو قطر وراجع والنهاردة بالليل هنحط النقط على الحروف، يا تبقي ست بيتك بكرامتك وبشروطك، يا إما الباب اللي طلع منه يدخل منه غيره!
ودلوقتي كان لازم استعد للمواجهة الكبرى مع أحمد لما يرجع مواجهة مش بس هتحدد مصير بيتي، دي هتحدد مصير حياتي كلها.
بعد ما حماتي نزلت وخدت خيبتها في إيدها، الشقة هديت فجأة.
الهدوء ده كان عامل زي السكون اللي بيجي بعد عاصفة هدّت كل حاجة في سكتها. بابا دخل قعد على الكنبة الكبيرة في الصالة، شاورلي أقعد جنبه، وحط إيده على راسي وقال بحنية عمري ما أنساها
امسحي دموعك يا نور.. مفيش بنت عماد عبد الرحمن تعيط وراسها تنزل في الأرض طول ما أنا بتنفس.
قعدت جنبه، وكنت حاسة بمشاعر متلخبطة.. وجع، وكسرة نفس، وفي نفس الوقت راحة غريبة إن الكدبة اللي عشت فيها خمس سنين انكشفت.
بصيت لبابا وسألته بقلم حكايات منال علي
ليه يا بابا؟ ليه خبيت عليا موضوع النص مليون جنيه؟ وليه سبته يعمل راجل عليا وعلى أمه بفلوسك؟
تنهد بابا تنهيدة طويلة وقال
يا بنتي، لما جه طلب إيدك، شفت فيه شاب مكافح بس على قده. قلت أقف جنبه عشان يرفع راسه، وما يحسش إنه داخل عليكي بنقص. ولما مشروعه اتعثر وجالي يبكي ويقولي هتحبس، سددت ديونه واديتله من غير ما أكسره بكلمة. قلت ده جوز بنتي وعِرضها، لو اتهان هي هتتهان معاه. بس اللي مكنتش أعرفه إن كرم الأخلاق مع قليل الأصل بيخليه يفتكر نفسه صاحب حق.. وتمادى لحد ما صدق كذبته، وساب أمه تفرعن وتدوس عليكي.
الوقت كان بيعدي ببطء شديد.
الساعة بقت اتنين بالليل.. وفجأة، سمعنا صوت مفتاح بيركب في الكالون برعشة وتسرع.
الباب اتفتح، ودخل أحمد.
كان وشه شاحب وعينيه حمرا من السفر، هدومه متبهدلة وعرقه سايح، وواضح إنه حجز أول طيارة رجعت من أسوان على القاهرة من كتر الرعب.
أول ما حط رجله جوه الصالة، عينه جت على بابا اللي كان قاعد حاطط رجل على رجل بكل هيبة وبيبص له بنظرة قاطعة، وجت عليا وأنا قاعدة جمبه ساكتة وببص له ببرود تام.
أحمد وقف مكانه، وبلع ريقه، وصوته طلع مبحوحبقلم حكايات منال علي
السلام عليكم.. عمي عماد.. نور.. حمد الله على السلامة يا عمي.
بابا مردش عليه السلام، شاور له بس على الكرسي اللي قدامه وقال له ببرود
اقعد يا باشمهندس أحمد.. كنا مستنيينك.
أحمد قرب بخطوات تقيلة، وقعد على طرف الكرسي، وشه في الأرض ومش قادر يرفع عينه في عين حد فينا.
بدأ يتكلم بسرعة وتلعثم
عمي.. أنا عارف إنك زعلان، والله العظيم اللي حصل ده كله سوء تفاهم، أمي مكنتش تقصد، هي بس فهمت الموضوع غلط، وأنا لما كلمتني في التليفون كانت الدنيا سايحة ومكنتش مستوعب، أنا جيت على طول عشان أعتذر لحضرتك ولنور..
هنا بابا رفع إيده ووقفه
متقولش كلمة سوء تفاهم دي تاني عشان عيب في سنك. أمك مكنتش فاهمة غلط.. أمك كانت فاهمة اللي أنت زرعته في دماغها سنين. عيشتها في وهم إنك الباشا اللي شاري قصر في الهرم، وإن بنتي عايشة في خيرك وتحت رحمتك، لحد ما الباشا استقوى وساب أمه ترمي كرامة مراته وهدومها في وسع السلم قدام البواب والجيران!
أحمد بصلي ودموعه نزلت
نور.. والنبي اسمعيني.. أنا كنت بعمل كده عشان كرامتي قدام أهلي! كنت عايز أمي تشوفني راجل وناجح ومش ناقصني حاجة، مكنتش أعرف إنها هتوصل لدرجة إنها تيجي تطردك!
وقفت على رجلي، وصرخت فيه بصوت أول مرة يسمعه مني
كرامتك؟! وأنا كرامتي كانت فين طول الخمس سنين دي يا أحمد؟! لما كانت مامتك تدخل تفتح تلاجتي ودولابي وتهين أهلي وتقولي أحمد بيدلعك بفلوسه، وأنت واقف زي خيال المآتة تقولي معلش دي أمي.. كان فين كرامتي ساعتها؟!
أحمد حاول يمسك إيدي وقال
أنا غلطان يا نور.. حقك عليا، هعملك اللي أنتِ عايزاه، هبوس راسك قدام أهلي كلهم!
بعدت إيدي عنه باشمئزاز، وبصيت له وقولت
الرخيص عمره ما بيبقى غالي بالاعتذار يا أحمد. أنت بنيت بيتك على كدبة ونقص، وكنت بتداري عجزك بإنك تخليني أنا الضحية عشان تفضل في نظر أمك البطل اللي مفيش زيه.
بابا قام وقف، وطلع من جيبه دفتر شيكات وورقة بيضا، وحطهم على الترابيزة قدام أحمد.
أحمد اتخض وسأل
إيه ده يا عمي؟
بابا قاله بصوت حاسم ومفهوش رجوع
دي كرامتك اللي ضيعتها.. ودول طريقين ملهمش تالت
الطريق الأول هتوقع دلوقتي على إيصال أمانة وشيك بالمبلغ اللي عليك ليا، الخمسمية ألف جنيه، وتكتب تنازل كامل عن أي حق أو مطالبة في عفش أو جهاز، وتطلق نور بالمعروف وبكل حقوقها، وتخرج بشنطة هدومك زي ما دخلت بيتي أول يوم.
أحمد اتصدم وشهق حصري علي روايات واقتباسات
طلاق؟! لأ يا عمي بالله عليك.. أنا مقدرش أعيش من غير نور! إيه الطريق التاني؟!
بابا بصلي، وبعدين بص لأحمد وقال
الطريق التاني.. إنك تعيش راجل بجد، بس بشروط بنتي وحدها.. هي اللي تقرر لو بيتك يستاهل يكمل ولا يتشمع.
أحمد بصلي بلهفة ورجاء كأنه غريق متعلق بقشاية
شروطك إيه يا نور؟ قولي وأنا هنفذ كل حرف.. والله هنفذ!
بصيت له كويس، حسيت إن الغشاوة اللي كانت على عيني خمس سنين انزاحت تمامًا. شفت الراجل الحقيقي اللي قدامي بكل ضعفه، وقررت إني عمري ما هسمح لنفسي أكون الطرف المكسور تاني.
اتكلمت بثبات وقوة
شروطي تلاتة يا أحمد، لو وافقت عليهم بالورقة والقلم، هديلك فرصة أخيرة نصلح اللي اتكسر، لو رفضت كلمة واحدة.. المأذون بكره الصبح
أولاً مفتاح الشقة دي ميبقاش مع أي مخلوق غيري أنا وأنت، ومامتك رجلها متخبطش عتبة البيت ده إلا بإذني وبمعادي، وتكون ضيفة مش صاحبة مكان، وأي كلمة تقلل مني أو من أهلي معناها إن علاقتك بيها تكون بره بيتي تمامًا.
ثانياً هتفضل تسدد لبابا ديونه بقسط شهري من مرتبك لحد آخر قرش، عشان تعرف تمن اللقمة وتفهم إنك مش عايش في مال سايب.
ثالثاً مصروف البيت وقراراتنا الشخصية ملكنا إحنا وبس، ملكش دعوة ألبس إيه أو أشتري إيه، ولو فكرت مرة واحدة تنقل حرف من أسرار بيتنا لأمك.. هتكون آخر مرة تشوف وشي فيها.
أحمد مسح وشه بإيديه وهو بيتنفس بصعوبة، بص للشيكات وبص لبابا وبصلي، وحس إن كل الهالة اللي كان راسمها لنفسه اتهدت، وبقى قدام خيارين إما الفضيحة والخراب، أو إنه يتحمل مسؤولية رجولته لأول مرة في حياته.
مد إيده على القلم وقال بصوت مكسور بس حقيقي
موافق يا نور.. موافق على كل كلمة.. والوقت هيثبتلك إني اتعلمت الدرس اللي عمري ما هنساه.
بابا خد
الورق بعد ما أحمد مضى، وطبطب على كتفي وقال
دلوقتي بس بقيتي صاحبة البيت بحق وحقيقي.. والبيت اللي حيطانه كرامة، مفيش حد يقدر يهده.
ومن الليلة دي، اتعلمت إن الست مش المفروض تستنى حد يحميها لما تقدر تاخد حقها بأصلها وقوتها، وإن السكوت عن الغلط مش صبر.. ده اشتراك في الج/ريمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *