فى نهاية كل شهر

حصري لصفحة روايات رولا
في نهاية كل شهر، كانت أمي بتتصل وتقول: “أقساط الشقة اتأخرت، ادفعيها فوراً. وابعتي لاختك 120 ألف جنيه عشان شقتها الجديدة.” ولأول مرة من عشر سنين، قلتلها لأ. اتعصبت وصرخت: “اعرفي مقامك كويس!” فقلتلها: “أنا عارفاه كويس.” وتاني يوم الصبح، اكتشفت…
​أول مرة أقول لأمي لأ، سكتت لمدة 3 ثواني كاملين—وبعدها ضحكت كأني ألقيت نكتة في جنازتي. ومع شروق الشمس، الضحكة دي كلفّتها الشقة اللي فضلت عشر سنين تجبرني أدفع ثمنها.
​كل شهر، يوم 29، أمي كانت بتتصل الساعة 8 بالظبط.
​”أقساط الشقة اتأخرت، ادفعيها فوراً،” قالتها يوم الخميس ده. “وابعتي لاختك مريم 120 ألف جنيه عشان شقتها الجديدة، محتاجة تشتري عفش قبل عزومة السكن.”
​كنت بصة للابتوب بتاعي، اللي كان عليه عقد بقيمة أكبر من كل اللي أهلي كسبوه في عشرين سنة، مستني توقيعي.
​”لأ.”
​سكون تام.
​”انتي قلتي إيه؟”
​”قلت لأ.”
​صوتها حديّد وقسي: “يا ندى، بلاش تعيشي في دور المهمة عشان خدتي مسمى شغفي نظيف.. الأهل أولاً.”
​على مدار عشر سنين، كلمة “الأهل” دي كانت معناها إني أدفع أقساط شقتهم في مدينة نصر، وقسط عربية اختي مريم، وقروض دراستها، والمصايف، والتصليحات المفاجئة، والفيزا كارد “المؤقتة” اللي عمرها ما اتدفعت. لما بابا خسر شركته، أنا اللي شلت البيت. لما مريم اتجوزت، أنا اللي دفعت مصاريف القاعة. ولما أمي حبت تجدد المطبخ، سمّت ده “بنحافظ على قيمة بيت العيلة.”
​كان عندي 34 سنة ولحد وقتها أصلًا مأجرة شقة بسيطة في المعادي، لأني كنت ببعت أكتير من نص مرتبي للبيت بقالي عشر سنين. كل ترقية أو زيادة في مرتي كانت بالنسبة لهم سبب عشان يطلبوا أكتر، مش أقل.
​”خلاص.. مفيش تاني،” قلتها.
​أمي انفجرت.
​”انتي جحودة وناكرة للجميل! بعد كل اللي عملناه عشانك؟ مريم جوزها معاها وبيبنوا مستقبلهم وهي محتاجة دعم، انتي طول عمرك العاقلة. اعرفي مقامك كويس!”
​بصيت للشهادة المتعلقة على الحيطة وكنت هابتسم.
​”أنا عارفاه كويس.”
​وراحت قافلة السكة في وشي.
​بعد عشر دقايق، مريم بعتتلي رسالة: ماما بتقول إن جالك جنان أو انهيار عصبي.. ابعتي الفلوس الليلة وبلاش تفضحي نفسك.
​وبعدها بابا اتصل.

​”ادفعي يا ندى وخلاص، انتي عارفة أمك لما بتمسك في حاجة بتبقى عاملة إزاي.”
​الجملة دي بالذات قتلت أخر نقطة ذنب كانت جوايا.
​فتحت الفولدر اللي كنت بتهرب منه بقالي ست شهور.
​كان فيه إيصالات الأقساط، وعقود الملكية، والتحويلات البنكية، وأوراق الورث والوصية اللي جدي سبهالي قبل ما يموت. أهلي عمرهم ما تكلفوا يقروا الأوراق دي بتدقيق.. كانوا فاكرين الشقة ملكهم.
​بس هي مكنتش ملكهم.
​جدي كان حاطط العقار كله تحت إدارة حراسة/أصول قانونية، وعينّي الوصية المباشرة عليه بعد ما أعدي سن الثلاثين. ومن أربع سنين، بقيت أنا قانونياً صاحبة الحق والمتحكمة الوحيدة في الشقة من غير ما يعرفوا.. عمري ما استخدمت السلطة دي لأني كنت بحبهم.
​دلوقتي، كلمت المحامي.
​”يا أستاذ سامح،” قلتله، “أنا جاهزة أطبق عقد الإخلاء وبنود الاستغلال.”
​سكت لحظة.
​”انتي متأكدة؟”
​بصيت لرسالة مريم تاني.
​اعرفي مقامك كويس.
​”أيوه،” قلتله. “من أول بكرة الصبح.”…
حصري لصفحة روايات رولا
الساعة 8:12 صباح اليوم التالي، أمي اتصلت 11 مرة.
​سبت التليفون يرن وأنا قاعدة في غرفة اجتماعات زجاجية بتطل على وسط البلد في القاهرة.
​الساعة 8:20، الأستاذ سامح المحامي بعتلي إيميل بيأكد إن الإخطارات الرسمية اتسلمت للمحضرين وخلاص انبعتت للبيت.
​الساعة 8:23، مريم اتصلت.
​”انتي هببتي إيه؟”
​رديت بمنتهى الهدوء: “صباح الخير.”
​”ماما لسه واصلها جواب مجنون بيقول إنها مديونة للوصية بـ 480 ألف جنيه مصاريف انتفاع متأخرة، وقدامها 30 يوم بس عشان تصلح المخالفات دي! بتقول إنك عايزة تطرديها من البيت!”
​”أنا بس بطبق بنود العقد.”
​”انتي مفيش في إيدك حاجة تطبقيها! ده بيت بابا وماما!”
​”لأ.. ده العقار اللي في وصية جدي.”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *