امى كانت جايه
له، وقالت
خايفة تعرف إن أبوك مات وهو بينادي اسم واحد بس.
عماد سأل
اسم مين؟
حماتي بصتلي.
وقالت
اسم نبيلة.
وساعتها… محدش فينا قدر يتحرك.
عماد فضل واقف قدام أمه، وكأن آخر جملة قالتها كانت أقسى من كل اللي سمعناه طول اليوم.
أبويا مات وهو بينادي اسم نبيلة؟
حماتي هزت راسها وهي بتعيط.
أيوه.
أنا حسيت إن رجلي مش شايلاني.
ليه؟
حماتي بصتلي وقالت
لأنه كان عايز يحميكي.
عماد قال
يحميها من مين؟
حماتي سكتت.
سيد صرخ
اتكلمي!
قالت بصوت مكسور
من أخو جوزي.
فؤاد قرب منها وقال
قولي الحقيقة كلها.
حماتي مسحت دموعها وقالت
أخو جوزي كان عايز الأرض. وكان فاكر إن لو نبيلة ماتت، الأرض هترجع لأصحابها ويتفتح موضوع الميراث من جديد. أبو عماد عرف، وحاول يمنعه.
سكتت.
وفي الليلة دي حصلت خناقة كبيرة.
عماد قال
وأبويا مات؟
هزت رأسها.
وقع من على السلم.
سيد قال
يعني حادث؟
حماتي بصت في الأرض.
في الأول كنت فاكرة كده.
وبعدين؟
قالت
بعد ما وقع، أخوه دخل عليه الأوضة.
فؤاد قال
وكان لسه عايش.
حماتي أغمضت عينيها.
أيوه.
أنا سألت بصوت ضعيف
وعمل فيه إيه؟
قالت
خنقه.
سكت المكان كله.
عماد رجع خطوتين.
وإنتِ شوفتي؟
قالت
أيوه.
وسكتي؟
بكت.
خفت.
عماد قال
خوفك خلاك تسيبي راجل يموت؟
حماتي انهارت
كنت خايفة على نفسي وعلى أولادي!
عماد رد
وأنا؟ أنا كنت ابنك!
سكتت.
ثم قال
ليه رميتي كل الذنب على نبيلة وأمها؟
قالت
لأن أخوه قال لي لو اتكلمت، هيقتلني أنا وإنت.
سيد قال
طيب والراجل اللي ظهر في الصور؟
حماتي قالت
أخوه التوأم.
فؤاد قال
هو اللي كان موجود.
حماتي هزت راسها.
أيوه.
عماد قال
والتسجيل؟
حماتي قالت
أبوك سجله قبل ما يموت.
فينه؟
قالت
في بيت نبيلة.
خرجنا كلنا بسرعة.
لما وصلنا، كانت عربيات المطافي لسه قدام البيت، والدخان طالع من الشباك.
النار كانت مسكت في أوضة أبويا، لكن الحمد لله ما وصلت لكل البيت.
دخلنا بعد ما سمحوا لنا.
جريت على أوضة أبويا.
كل حاجة كانت متفحمة.
الأثاث اتحرق.
الدواليب اتهدت.
لكن سيد فجأة صرخ
نبيلة!
لفيت.
كان واقف عند الحيطة.
وأشار لفتحة صغيرة تحت البلاط.
قربنا.
قال
هنا.
جثينا على الأرض.
كان فيه تجويف قديم.
جواه صندوق معدني صغير.
عماد قال
ده هو؟
سيد طلعه.
كان مسود من النار، لكنه مقفول.
ياسر طلع المفتاح القديم.
دخله.
فتح الصندوق.
جواه شريط تسجيل قديم، وصورة، وورقة.
عماد أخذ الورقة.
قرأها.
وكان مكتوب
لو وصلتوا للورقة دي، يبقى أنا ما قدرتش أقول الحقيقة بنفسي. التسجيل هو الدليل.
فؤاد قال
شغلوه.
لكن ما كانش عندنا جهاز يشغله.
سيد قال
هروح أجيب واحد.
وبعد دقائق، رجع بجهاز قديم من عند الجيران.
حطينا الشريط.
الصوت طلع ضعيف ومتقطع.
لكن كان واضح.
صوت أبو عماد
أنا عارف إنك عايز الأرض… بس مش هديك حاجة.
ثم صوت رجل آخر
إنت فاكر إنك هتقدر تمنعني؟
ثم صوت خبط.
وصوت أبو عماد وهو بيتألم.
وبعدها صرخة
نبيلة مالهاش ذنب!
صوت الرجل قال
لو ما وقعتش من السلم دلوقتي، بنتها هي اللي هتدفع.
وبعدها صوت عماد أبوه وهو بيصرخ
ابعد عنها!
ثم صوت سقوط قوي.
وبعدها صمت.
ثم آخر جملة
نبيلة… خلي بالك من أمك…
وانقطع التسجيل.
أنا انفجرت في البكاء.
أمي حضنتني.
عماد كان واقف ساكت، لكن دموعه كانت نازلة.
بعدها تم تقديم التسجيل للشرطة، واتفتح التحقيق من جديد.
وبعد فترة قصيرة، اتكشف إن أخو أبو عماد كان مستخبي باسم مختلف في محافظة تانية، وإن التوأم اللي ظهر في الصور كان بيساعده في إخفاء الأدلة.
الاعترافات ظهرت واحدة وراء التانية.
والأرض رجعت لأمي رسميًا.
أما حماتي…
فأنا ما قدرتش أنسى إنها السبب في إن أمي وقعت، ولا أنسى كلامها وإهانتها.
لكن عماد وقف قدامها وقال
أنا مش هقطعك يا أمي، لأنك أمي. لكن مش هسمح لك تتحكمي في حياتي تاني.
وأخذها فعلًا لشقة صغيرة قريبة منه.
أما أنا وعماد وعيالنا، فانتقلنا للشقة اللي كان فاكر إنه خسرها.
والمفاجأة إن المحامي أثبت إن الشرط اللي كانت أمه حطته في العقد باطل، وإن الشقة ملكنا فعلًا.
بعد شهور، أمي بدأت تمشي بالعكاز.
وفي أول يوم قدرت فيه تطلع كام درجة لوحدها، عماد وقف تحتها وقال
براحة يا أمي.
أمي ضحكت وقالت
أنا من يوم الوقعة دي وأنا بقيت أخاف من السلم.
عماد بص ليا وقال
وأنا من يومها بقيت أخاف من السكوت.
ضحكت وسط دموعي.
وفي يوم جمعتنا كلنا، حماتي جت تزورنا.
كانت مختلفة تمامًا.
هادية.
قعدت جنب أمي وقالت
أنا آسفة.
أمي بصتلها فترة طويلة.
وبعدين قالت
أنا مش هنسى اللي حصل.
حماتي نزلت عينيها.
أمي كملت
بس عشان نبيلة وعماد وعيالهم… أنا مسامحاكي.
حماتي بكت.
وأنا لأول مرة حسيت إن البيت ممكن يرجع يبقى بيت فعلًا، مش ساحة حرب.
قبل ما حماتي تمشي، مسكت إيدي وقالت
كنت فاكرة إن أم نبيلة هي اللي هتاخد ابني مني.
بصيت لها.
قالت
طلعت أنا اللي كنت بخسره بإيدي.
ما رديتش.
بس حضنتها.
مش عشان أنسى.
لكن عشان أبدأ صفحة جديدة.
أما عماد، فكان واقف بعيد بيتفرج علينا.
ولما خلصنا، قرب مني وقال
فاكرة يوم المستشفى؟
قلت
أنساه إزاي؟
قال
يومها كنت فاكر إن أكبر مشكلة عندنا هي أمي.
ابتسمت.
قال
طلعت المشكلة الحقيقية إننا كلنا كنا عايشين في خوف.
مسكت إيده.
وخلص؟
بص لي وقال
خلص.
وبعدها بص لأمي.
طول ما إحنا مع بعض، أي حاجة تانية نعرف نحلها.
مرت شهور، وبيتنا بقى أهدى.
أمي بقت تزورني من غير خوف.
وحماتي بطلت ترش المية بالملح على السلم.
وفي يوم كانت أمي جاية تزورني، طلعت السلم ببطء، ولما وصلت قدام الباب لقت حماتي مستنياها.
قالت لها
اتفضلي يا أم نبيلة.
أمي ضحكت وقالت
هو السلم ناشف المرة دي؟
حماتي ضحكت وسط دموعها.
ناشف… وقلبي كمان بقى ناشف من الخوف.
دخلت أمي.
وأنا وقفت في نص البيت، وبصيت حواليّا.
نفس البيت…
لكن كل حاجة فيه اتغيرت.
وساعتها فهمت إن كرامة الأم مش حاجة المفروض الست تختار بينها وبين بيتها.
البيت الحقيقي هو اللي يحمي كرامتها وكرامة أمها مع بعض.
وأنا يومها ما خسرتش بيتي…
أنا لأول مرة كسبته.