مش النهارده يا حبيبتي
مش النهارده يا حبيبتي همست لبنتي قدام جزمة حمرا تمنها ٣٨٠٠ جنيه، من غير ما أعرف إن المليونير اللي واقف ورانا سمع كل كلمة!
الجزء الأول
كانت بنتي مريم لازقة بجبينها في إزاز واجهة محل كبير في الزمالك، لما عينيها وقعت على الجزمة الحمرا.
كانت صغيرة ولامعة، وعليها فيونكة من الستان ومشبك دهبي على شكل نجمة. تمنها كان ٣٨٠٠ جنيه.
أما أنا، فمرتبي بالعافية كان بيكفّي إيجار الشقة والأكل ومصاريف المدرسة.
وطّيت جنبها ولفّيت دراعي حوالين كتفها.
مش النهارده يا قلب ماما.
مريم ما عيطتش، وحتى ما حاولتش تطلبها مني تاني.
طلّعت قلم رصاص صغير من شنطتها، وقلبت إيصال قديم على ضهره، وبدأت ترسم الجزمة عشان ما تنساهاش.
على بُعد كام خطوة مننا، كان فيه راجل طويل لابس معطف رمادي، وقف مكانه وبص لنا من غير ما يتحرك.
كان عندي ٢٩ سنة، وبشتغل من الساعة خمسة الفجر في مخبز في وسط البلد. كنت بجهّز العيش الفينو، والبريوش، ولفايف القرفة، وكمان التورت اللي الزباين بيطلبوها لأعياد ميلاد عمرنا ما كنا هنقدر ندفع تمنها.
أبو مريم سابنا لما كان عندها سنتين.
في يوم قال إنه محتاج وقت يفكر فيه.
خد
شنطة هدومه.
ومن يومها ما رجعش.
ومن وقتها اتعلمت ما استناش حد ييجي ينقذني.
أنا ومريم كنا كفاية لبعض.
كان عندها ست سنين، وشعرها غامق، وعينيها فيهم جدية أكبر من سنها بكتير. كانت بتحب ترسم فساتين على أي ورقة تقع تحت إيدها؛ مناديل، وإيصالات، وأكياس العيش، وحتى الصفحات القديمة من كراساتها.
وكان عندنا عادة بنعملها كل ديسمبر.
نركب المترو لحد الزمالك، ونتمشى وسط زينة الكريسماس، وندخل المحل الضخم ده بس عشان نتفرج على شجرة الكريسماس الكبيرة اللي جواه.
ما كناش بنشتري أي حاجة.
لمدة نص ساعة، كنا بنتخيل إن المكان اللي كله رخام وبرفانات وواجهات زجاجية فخمة، ممكن يكون بتاعنا إحنا كمان.
في عصر اليوم ده، وإحنا داخلين المحل، كنا هنخبط في نفس الراجل اللي شوفناه بعد كده قدام الجزمة.
آسفة، معلش! قلت بسرعة.
رجع خطوة لورا، ومسك لنا الباب.
اتفضلوا إنتوا الأول.
مريم عملت انحناءة صغيرة زي الأميرات اللي بترسمهم في كراساتها.
الراجل ضحك من قلبه.
وبعد شوية، قابلناه تاني قدام الجزمة الحمرا.
ابتسم وقال
أظن إن الأبواب الدوّارة عرّفتنا على بعض قبل كده. أنا اسمي أحمد المنشاوي.
ليلى
عبد الرحمن.
مريم رفعت الرسمة اللي في إيدها وسألته
تحب تشوف أنا رسمت إيه؟
أحمد وطّى لحد ما بقى في نفس مستواها، وفضل يتأمل الرسمة كأنها مخطط لمشروع معماري كبير.
وبعدين قال لها بجدية
عارفة؟ إنتِ رسمتي الفيونكة أحلى من المصمم نفسه!
مريم ابتسمت ابتسامة واسعة.
ساعتها أحمد بص لي.
ما بصّش لمعطفي الرخيص، ولا لحذائي اللي بقاله سنين معايا.
بص في عينيّ مباشرة.
وقال
أنا جيت أشتري هدية لأمي. كل سنة بشتري لها حاجة غالية، وكل سنة ألاقيها حطّاها في الدولاب ومش بتستعملها. لكن بنتك من شوية كانت بتبص للجزمة دي كأنها معجزة.
حسّيت إن جسمي اتشدّ من التوتر.
أستاذ أحمد
رفع إيده بهدوء وقال
مش قصدي أحرجك، ولا أقلل منك بأي شكل. وعشان كده بسألك بدل ما أتصرف من نفسي تسمحي لي أجيب لها الجزمة دي هدية؟
أول رد فعل جه في بالي كان إني أرفض.
أنا ما كنتش بقبل الشفقة من حد.
لكن أحمد ما طلّعش محفظته، ولا نادى على بائع يتصرف كأنه يقدر يقرر عننا.
كان واقف مستني ردي.
بصيت لمريم.
كانت حابسة نفسها من شدة الترقب.
أخدت نفس وقلت له
موافقة، بس بشرط واحد.
ابتسم وسألني
إيه هو؟
بكرة الأحد. وأنا ممكن
أعمل لحضرتك تورتة بالعسل والجوز لأمك، بدل ما تبقى