مش النهارده يا حبيبتي

فرحنا.
ونادية حضرت هي كمان.
كانت لابسة فستان أزرق غامق، وفوق قلبها، كانت مثبتة الفيونكة الحمرا الصغيرة اللي مريم عملتها لها.
بعد ما صاحب المخبز قرر يطلع معاش ويبيع المحل، أحمد اشترى المخبز، لكنه سجّله باسمي.
ولما اعترضت، حطّ قدامي أوراق الملكية وقال
مش هدية.
بصيت له باستغراب.
أحمد
قاطعني وهو بيضحك
ده استثمار. أنا دوقت العيش بتاعك، وناوي أسترد كل جنيه دفعته.
رميت عليه منديل ورق.
ضحك، وضحكت معاه.
ومع الوقت، المخبز كبر ونجح.
طنط دولت بدأت تعلّم مريم الخياطة كل يوم بعد المدرسة.
أما نادية، فعلى عكس كل توقعاتي، بقت أكتر زبونة بتدقق في شغلها.
كانت تقول لها
الخياطة دي مش مظبوطة.
مريم ترد
يا تيتة، إنتِ عندك ٧٣ سنة ومحتاجة نظارة!
نادية ترفع نظارتها وتقول
عندي نظارة يا حبيبتي، لكن الخياطة لسه مش مظبوطة.
وتفضل مريم تضحك لحد ما دموعها تنزل.
عدّت عشرين سنة.
وفي عصر يوم من أيام ديسمبر، رجعت أنا وأحمد لنفس المركز

التجاري اللي بدأت فيه حكايتنا.
كانت الواجهة الرئيسية متغطية بقماش كبير، وفيه صحفيين ومصورين وضيوف كتير مستنيين.
وفي تمام الساعة سبعة، اتشال القماش.
ظهرت أول مجموعة أزياء لمصممة مصرية شابة اسمها مريم المنشاوي.
فساتين بألوان زاهية.
وتنانير واسعة.
وأزرار صغيرة على شكل نجوم.
وفيونكات.
فيونكات كتير جدًا.
لكن في نص الواجهة، ما كانش فيه أي فستان.
كان فيه صندوق زجاجي.
جواه جزمة أطفال حمرا، لونها بهت شوية من مرور السنين.
وجنبها، الرسمة الأولى اللي مريم رسمتها على إيصال قديم.
وتحتهم لوحة صغيرة مكتوب عليها
من هنا بدأت الحكاية.
أحمد مسك إيدي.
شعره كان بقى فيه خصلات بيضا، وأنا كمان السنين سابت علاماتها عليّ.
سألته وأنا ببص له
إنت بټعيط؟
رد بسرعة
لأ.
ضحكت وقلت
أحمد!
قال وهو بيحاول يخبي ابتسامته
دي الإضاءة بس.
ضحكت من قلبي.
وعلى الناحية التانية من الإزاز، شفت انعكاس صورتي.
وللحظة، ما بقيتش الست اللي قربت من الخمسين.
رجعت نفس الست اللي كانت واقفة من عشرين سنة بمعطف رخيص، بتحسب فلوس الأسبوع في دماغها، وبنتها واقفة جنبها بتبص على حاجة نفسها فيها، لكن أمها مش قادرة تجيبهالها.
قربت من الواجهة.
وأحمد فضل واقف ورايا.
في نفس المكان اللي كان واقف فيه أول يوم.
حطيت أطراف صوابعي على الإزاز، وافتكرت صوتي وأنا بقول
مش النهارده يا قلب ماما.
ابتسمت، وهمست
النهارده أيوه يا حبيبتي.
وساعتها فهمت إن المعجزة الحقيقية ما كانتش الجزمة الحمرا أبدًا.
المعجزة كانت إن فيه حد قدر يشتريها من غير ما يحسسني إني قليلة.
حد سألني قبل ما يساعدني.
وطفلة قدرت تحوّل قطعة ساتان صغيرة لوسيلة تسامح بيها قلب ست كانت رافضة تتقبلها.
والأهم من كل ده، إني اكتشفت إن الباب اللي اتقفل في وشي من سنين، مش معناه إن كل أبواب الدنيا هتتقفل بعده.
أحيانًا، اللي بيمشي من حياتنا بيسيب مكانه فاضي عشان يدخل مكانه حد يعلّمنا إن لسه فيه حكايات حلوة مستنيانا.
النهاية
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *