مش النهارده يا حبيبتي همست لبنتي قدام جزمة حمرا تمنها ٣٨٠٠ جنيه، من غير ما أعرف إن المليونير اللي واقف ورانا سمع كل كلمة! الجزء الأول كانت بنتي مريم لازقة بجبينها في إزاز واجهة محل كبير في الزمالك، لما عينيها وقعت على الجزمة الحمرا. كانت صغيرة ولامعة، وعليها فيونكة من الستان ومشبك دهبي على شكل نجمة. تمنها كان ٣٨٠٠ جنيه. أما أنا، فمرتبي بالعافية كان بيكفّي إيجار الشقة والأكل ومصاريف المدرسة. وطّيت جنبها ولفّيت دراعي حوالين كتفها. مش النهارده يا قلب ماما. مريم ما عيطتش، وحتى ما حاولتش تطلبها مني تاني. طلّعت قلم رصاص صغير من شنطتها، وقلبت إيصال قديم على ضهره، وبدأت ترسم الجزمة عشان ما تنساهاش. على بُعد كام خطوة مننا، كان فيه راجل طويل لابس معطف رمادي، وقف مكانه وبص لنا من غير ما يتحرك. كان عندي ٢٩ سنة، وبشتغل من الساعة خمسة الفجر في مخبز في وسط البلد. كنت بجهّز العيش الفينو، والبريوش، ولفايف القرفة، وكمان التورت اللي الزباين بيطلبوها لأعياد ميلاد عمرنا ما كنا هنقدر ندفع تمنها. أبو مريم سابنا لما كان عندها سنتين. في يوم قال إنه محتاج وقت يفكر فيه. خد شنطة هدومه. ومن يومها ما رجعش. ومن وقتها اتعلمت ما استناش حد ييجي ينقذني. أنا ومريم كنا كفاية لبعض. كان عندها ست سنين، وشعرها غامق، وعينيها فيهم جدية أكبر من سنها بكتير. كانت بتحب ترسم فساتين على أي ورقة تقع تحت إيدها؛ مناديل، وإيصالات، وأكياس العيش، وحتى الصفحات القديمة من كراساتها. وكان عندنا عادة بنعملها كل ديسمبر. نركب المترو لحد الزمالك، ونتمشى وسط زينة الكريسماس، وندخل المحل الضخم ده بس عشان نتفرج على شجرة الكريسماس الكبيرة اللي جواه. ما كناش بنشتري أي حاجة. لمدة نص ساعة، كنا بنتخيل إن المكان اللي كله رخام وبرفانات وواجهات زجاجية فخمة، ممكن يكون بتاعنا إحنا كمان. في عصر اليوم ده، وإحنا داخلين المحل، كنا هنخبط في نفس الراجل اللي شوفناه بعد كده قدام الجزمة. آسفة، معلش! قلت بسرعة. رجع خطوة لورا، ومسك لنا الباب. اتفضلوا إنتوا الأول. مريم عملت انحناءة صغيرة زي الأميرات اللي بترسمهم في كراساتها. الراجل ضحك من قلبه. وبعد شوية، قابلناه تاني قدام الجزمة الحمرا. ابتسم وقال أظن إن الأبواب الدوّارة عرّفتنا على بعض قبل كده. أنا اسمي أحمد المنشاوي. ليلى عبد الرحمن. مريم رفعت الرسمة اللي في إيدها وسألته تحب تشوف أنا رسمت إيه؟ أحمد وطّى لحد ما بقى في نفس مستواها، وفضل يتأمل الرسمة كأنها مخطط لمشروع معماري كبير. وبعدين قال لها بجدية عارفة؟ إنتِ رسمتي الفيونكة أحلى من المصمم نفسه! مريم ابتسمت ابتسامة واسعة. ساعتها أحمد بص لي. ما بصّش لمعطفي الرخيص، ولا لحذائي اللي بقاله سنين معايا. بص في عينيّ مباشرة. وقال أنا جيت أشتري هدية لأمي. كل سنة بشتري لها حاجة غالية، وكل سنة ألاقيها حطّاها في الدولاب ومش بتستعملها. لكن بنتك من شوية كانت بتبص للجزمة دي كأنها معجزة. حسّيت إن جسمي اتشدّ من التوتر. أستاذ أحمد رفع إيده بهدوء وقال مش قصدي أحرجك، ولا أقلل منك بأي شكل. وعشان كده بسألك بدل ما أتصرف من نفسي تسمحي لي أجيب لها الجزمة دي هدية؟ أول رد فعل جه في بالي كان إني أرفض. أنا ما كنتش بقبل الشفقة من حد. لكن أحمد ما طلّعش محفظته، ولا نادى على بائع يتصرف كأنه يقدر يقرر عننا. كان واقف مستني ردي. بصيت لمريم. كانت حابسة نفسها من شدة الترقب. أخدت نفس وقلت له موافقة، بس بشرط واحد. ابتسم وسألني إيه هو؟ بكرة الأحد. وأنا ممكن أعمل لحضرتك تورتة بالعسل والجوز لأمك، بدل ما تبقى الهدية من غير مقابل. ابتسامته زادت. اتفقنا. وبعد دقايق قليلة، لقيته قاعد على ركبته فوق أرضية الرخام، وبيساعد مريم تلبس الجزمة الحمرا ويقفل مشبكها الصغير. مريم مشت تلات خطوات. وبعدين وقفت. بصت لرجليها. والتعبير اللي ظهر على وشها في اللحظة دي، عمره ما فارق ذاكرتي. تاني يوم، صحيت بدري وجهزت تورتة بالعسل والجوز، على وصفة جدتي القديمة. الساعة كانت حداشر الصبح، لما عربية فخمة سودا وقفت قدام المخبز. نزل منها أحمد ودخل، ووقف في الطابور ورا باقي الزباين. كان يقدر يطلب من أي حد إنه يدخل قبله. لكنه ما عملش كده. ولما جه دوره، استلم التورتة، وبعدها دفع تمن القهوة والمخبوزات لكل الزباين اللي كانوا مستنيين. وقبل ما يمشي، بص لي وسألني ممكن أشوفك تاني؟ مسحت إيدي في المريلة وقلت يوم الأربعاء بخلص شغلي الساعة تلاتة. وبصيت ناحية مريم، اللي كانت قاعدة ورا الكاونتر بتلوّن في كراستها. وبعدين ضفت هي عمرها ما راحت مدينة ملاهي قبل كده. أحمد ابتسم وقال يبقى لازم نغيّر ده. يوم الأربعاء، أخدنا أحمد وراح بينا مدينة ملاهي كبيرة في القاهرة. مريم كانت فرحانة بشكل ما شفتوش عليها من زمان. أحمد مسك إيدها وراح معاها ناحية لعبة العربيات الصغيرة، وفضل يساعدها تركب وتربط الحزام، وبعدها وقف يتفرج عليها وهي بتضحك وتلف بالعربية وسط باقي الأطفال. وبعدها ركب معاها لعبة الخيل الدوّارة، ولما نزلوا، فضلت تشد إيده عشان يجرّب معاها لعبة تانية. وأنا كنت قاعدة على مقعد قريب منهم، ماسكة كوباية شوكولاتة سخنة، وبراقبهم. لحد ما اكتشفت حاجة خوفتني من نفسي. أنا ما كنتش بتفرج على مليونير بيتسلى مع بنت صغيرة فقيرة. أنا كنت بتفرج على راجل سعيد بجد. بعد ما خلصنا، أحمد جاب لمريم كراسة رسم جديدة وعلبة ضخمة مليانة أقلام ألوان. قدّمهم لها وقال عشان تبدئي أول مجموعة تصميمات ليكِ. مريم ضمّت الكراسة لصدرها وقالت بحماس لما أكبر، هبقى مصممة فساتين! ابتسم أحمد وسألها وهتصممي لمين؟ ردت من غير ما تفكر للبنات اللي بيقفوا قدام فاترينة المحلات، ويتمنوا يشتروا الحاجات اللي جواها، بس ما يقدروش. أحمد ما ضحكش، ولا اعتبر كلامها مجرد أحلام طفلة. بصلها وقال بجدية يبقى ابدئي من النهارده. ومن يومها، بدأنا نتقابل باستمرار. في الأول، كل يوم أربعاء. وبعدها أيام السبت. وبعدين بقينا نتقابل في أي يوم نقدر نسرق فيه ساعة من زحمة الحياة. كان أحمد عنده ٣٨ سنة، وبيترأس واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في القاهرة. مراته كانت توفّت من أربع سنين. ومن وقتها، حوّل شغله لسور عالي بيحتمي وراه من أي مشاعر أو علاقات جديدة. وأنا كنت فاهمة النوع ده من الصمت كويس. الفرق إن أحمد بنى سوره بالملايين. أما أنا، فبنيته بشغل فترتين ورا بعض، عشان أقدر أوفّر احتياجات بنتي. في ليلة من الليالي، أحمد دعاني للعشا والرقص في مطعم راقٍ بيطل على النيل. كنت على وشك أعتذر، لأني ما كنتش أملك غير فستانين قدام. لكن مريم لقت حل للمشكلة. جارتنا، طنط دولت، كانت خياطة على المعاش، وعندها ٧٢ سنة. وكانت محتفظة بفستان أخضر زمردي من سنين طويلة. قعدنا إحنا التلاتة نعدّل فيه لحد ما بقى مناسب لمقاسي. ومريم أصرت تخيط فيونكة حمرا صغيرة عند الوسط. ولما نزلت السلم وشفت أحمد مستنيني جنب عربيته، سكت فجأة، وكأنه نسي كان هيقول إيه. اتوترت وسألته في إيه؟ هو في حاجة غلط؟ ابتسم وقال أبدًا. وبعدين ضحك بخفة وأضاف أنا بس بحاول أفتكر إزاي أتنفس. الليلة دي، رقصنا وإحنا شايفين أنوار القاهرة من حوالينا. حكيت له عن الراجل اللي سابني أنا ومريم ومشي من غير ما يبص وراه. وهو حكى لي عن مراته اللي فقدها، وعن الفراغ اللي سابته جواه. ولأول مرة، ما حاولش أي واحد فينا يخبي وجعه عن التاني، أو يتظاهر إن ماضيه ما سابش فيه أي چروح. بعد أسابيع، مريم اشتركت في حفل المدرسة. أحمد ألغى اجتماع مهم في شغله عشان يحضر. وقعد في أول صف على كرسي بلاستيك صغير، لدرجة إن ركبتيه كانوا تقريبًا عند صدره. ولما مريم لمحته من فوق المسرح، وشها نور بالفرحة. وبعد ما الحفل خلص، رجعنا البيت، وكانت مريم تعبانة من اليوم الطويل. غلبها النوم وهي ساندة راسها على كتف أحمد. مديت إيدي عشان أصحيها، لكن قبل ما ألمسها، سمعتها بتتمتم وهي نايمة بابا أحمد سمعها هو كمان. بصيت له، وبص لي. ولا واحد فينا قال أي كلمة. لكن في صباح اليوم التالي، وصلت لي رسالة من رقم غريب. كانت بتقول السيدة ليلى عبد الرحمن، السيدة نادية المنشاوي ترغب في مقابلتك. على انفراد. فضلت باصة للرسالة شوية، وقلبي بيخبط جوا صدري. وساعتها فهمت إن الجزء الأصعب من الحكاية لسه ما بدأش غير دلوقتي. الجزء التاني عرض بملايين الجنيهات كانت والدة أحمد، نادية المنشاوي، عايشة في فيلا ضخمة في منطقة راقية من مناطق القاهرة. استقبلتني وهي لابسة فستان رمادي أنيق، وحوالي رقبتها عقد من اللؤلؤ. عرضت عليّ فنجان قهوة. وبعدها حطّت الفنجان على الطبق وبصت لي مباشرة. هتكلم معاكي بصراحة يا ليلى. ابني بيحبك. ما رديتش. كملت كلامها أحمد من عيلة معروفة، وبيتعامل مع رجال أعمال وسياسيين ومستثمرين كبار. إنتِ شغالة في مخبز، وعندك بنت من راجل تاني. كلامها وجعني، مش لأنه كان فيه شتيمة، لكن لأنها استخدمت حقايق من حياتي كأنها أسلحة بتضربني بيها. الناس هتتكلم، وفي يوم من الأيام الكلام ده ممكن يأثر على ابني ومكانته. فتحت شنطة جلد كانت جنبها، وطلّعت شيك. مليونين وأربعمية ألف جنيه. زقّت الشيك ناحيتي وقالت بالمبلغ ده تقدري تشتري شقة صغيرة، وتفتحي مشروع خاص بيكي، وتأمّني مستقبل بنتك. كل اللي بطلبه منك إنك تبعدي عن أحمد. بصيت للشيك. ده كان مبلغ أكبر من كل الفلوس اللي ممكن أجمعها طول سنين عمري. فكرت في مريم. في أوضة خاصة بيها. في مدرسة أحسن. في إني ما أضطرش أحسب تمن كل كيلو طماطم ورغيف عيش قبل ما أوصل للكاشير. مديت إيدي وأخدت الشيك. نادية ارتاحت، وكتافها نزلت كأنها أخيرًا خلصت من مشكلة كانت شاغلاها. لكن بدل ما أحطه في شنطتي، قطّعته نصين. وبعدين قطّعته تاني لحد ما بقى أربع حتت. حطّيتهم جنب فنجان القهوة. وقلت لها وأنا بقوم من مكاني أنا ما دخلتش حياة ابنك عشان فلوسه، ومش هخرج منها عشان الفلوس برضه. بصيت لها وقلت شكرًا على القهوة. خرجت من الفيلا وراسي مرفوعة. ما نزلتهاش غير لما وصلت للشارع. لأن كان فيه حاجة واحدة نادية قالتها وكانت صح. عالمها ما كانش شبهي. في الليلة دي، أحمد ظهر قدام المخبز ومعاه وردة بيضا. ما سمحتلوش يدخل. وقفت قدامه وقلت أنا مش هقدر أكمل. ملامحه اتغيّرت في لحظة. أمي كلمتك؟ الموضوع مش بسببها. كنت بكذب. كملت وأنا بحاول أتماسك مش عايزة ييجي يوم تبقى فيه وسط ناس من النوع ده، وتبص لي وتسأل نفسك إنت عملت إيه في حياتك لما اخترتني. ليلى امشي يا أحمد، أرجوك. قفلت الباب. ومن ورا الإزاز، شفته واقف مكانه تحت نور الشارع، مش بيتحرك. حطيت إيدي على وشي، وحاولت أمنع نفسي من العياط. ما كنتش أعرف إن مريم كانت واقفة ورا الستارة اللي بتفصل الكاونتر عن المخزن. وإنها سمعت كل كلمة. أحمد راح على طول لبيت أمه. وحكى لي بعد كده عن اللي حصل هناك. لما دخل، لقى حتت الشيك الأربعة فوق الترابيزة. رفع واحدة منهم وقال هي قطّعته. نادية ردت بهدوء أيوه. أحمد أشار ناحية دولاب زجاجي مليان هدايا غالية كانت أمه تقريبًا ما استخدمتهاش. وقال سنين طويلة وأنا بشتري لك هدايا غالية عشان ده كان واجبي. ليلى قامت الساعة أربعة الفجر عشان تعمل لك تورتة بإيديها. ومريم رسمت جزمة على إيصال قديم لأنها عارفة إن أمها مش قادرة تشتريها لها. الاتنين دول فاهمين معنى العطاء الحقيقي أكتر مننا. وبعدين بص لأمه وقال بحسم أنا بحب ليلى، وبحب مريم. أنا مش جاي أطلب منك تسمحي لي. لفّ وخرج من البيت. في نفس الليلة، مريم نزلت لشقة طنط دولت، جارتنا الخياطة، ومعاها علبة صغيرة وقطعة من الستان الأحمر وفكرة في دماغها. وبعد يومين، في ليلة الكريسماس، ظهرت قدامي وهي لابسة الجزمة الحمرا، وماسكة علبة هدايا صغيرة بين إيديها. قالت لي أنا رايحة أزور ماما نادية. بصيت لها باستغراب. إيه؟! ردت بثقة ممكن تيجي معايا، وممكن أروح لوحدي. مريم، إنتِ بتقولي إيه؟ بصت لي وقالت يا ماما، إنتِ دايمًا بتقولي إن لما حد بيبقى زعلان، ساعات بيتصرف بطريقة وحشة. رفعت العلبة اللي في إيدها. أنا عملت لها حاجة عشان ما تبقاش زعلانة. وقبل ما أقدر أمنعها، فتحت الباب وخرجت. الجزء التالت الفيونكة الحمرا اللي غيّرت كل حاجة عمري ما تخيلت إني هقضي ليلة الكريسماس قدام بيت الست اللي حاولت تدفع لي فلوس عشان أختفي من حياة ابنها. لكن ده اللي حصل. كنت واقفة بمعطفي القديم، وبنتي ماسكة إيدي، وقلبي بيدق بسرعة من التوتر. الخادمة اللي فتحت الباب بصت لنا باستغراب. مدام نادية مستنياكم؟ رديت لأ. وكنت خلاص هلف وأمشي. لكن مريم اتقدمت خطوة وقالت أنا لازم أشوفها. نادية سمعت صوتنا من جوه، وظهرت في مدخل الفيلا. فضلنا واقفين كام ثانية من غير ما حد يتكلم. كل عضلة في جسمي كانت بتقول لي امشي من المكان ده. لكن مريم ما كانتش خاېفة. مشيت ناحية نادية ومدّت لها العلبة. يا مدام نادية، دي هدية ليكي. نادية بصت لبنتي، وبعدها بصت لي. وقالت ما كانش له داعي تتعبي نفسك. مريم ردت بإصرار لأ، كان لازم. وحطّت الهدية بين إيديها. نادية شالت ورق الهدية، ولقت جواه فيونكة صغيرة من الستان الأحمر، مش متقنة أوي، وميلة سنة على جنب. مريم شرحت لها أنا اللي عملتها. طنط دولت ساعدتني في الحاجات الصعبة. وبعدين رفعت رجلها الصغيرة. الجزمة الحمرا لمعت تحت نور النجفة الكبيرة. وقالت دي شبه الفيونكة اللي في جزمتي. أحمد جابهالي لما كنت فاكرة إن المعجزات موجودة بس ورا الإزاز. نادية فضلت واقفة مكانها، مش عارفة تقول إيه. مريم كملت بجدية ماما قالت لي إنك زعلانة، وإن ساعات الناس لما بتبقى خاېفة بتقول كلام يجرح غيرها. مريم حاولت أوقفها. لكن كان فات الأوان. بصت مريم لنادية وقالت عشان كده فكرت إنك إنتِ كمان محتاجة معجزة. الصمت اللي نزل على المكان كان تقيل بشكل غريب. نادية بصت للفيونكة الصغيرة، وبعدها عملت حاجة ما كنتش أتوقعها أبدًا. فكّت عقد اللؤلؤ من رقبتها بهدوء، وأخدت دبوس صغير ثبتته ورا الفيونكة، وبعدها ركّبتها على فستانها فوق قلبها مباشرة. بدأت شفايفها ترتعش. وقالت بصوت مكسور بقالى سنين طويلة، والناس بتجيب لي مجوهرات وشنط ولوحات غالية ورحلات سكتت لحظة، وبعدها كملت والدموع بتلمع في عينيها لكن محدش عمل لي حاجة بإيده من يوم ما جوزي ماټ. مريم بصت لها بجدية وقالت خلاص، خليها معاكي. نادية ضحكت ضحكة صغيرة وسط دموعها. وبعدين رفعت عينيها ناحيتي. ليلى استنيت من غير ما أتكلم. قالت أنا كنت قاسېة معاكي. ما رديتش. كملت وهي بتاخد نفس عميق كنت فاكرة إني بحمي ابني، لكن الحقيقة إني كنت بحمي صورة وهمية في دماغي عن البنت اللي المفروض يتجوزها. مسحت دمعة من على خدها. أنا غلطت. مريم ضغطت على إيدي. نادية بصت لي تاني وقالت غلطت في حقك، وغلطت كمان لما افتكرت إن مش أي حد يستحق يبقى جزء من العيلة دي. مدّت إيدها ناحيتي. تحبوا تفضلوا تتعشوا معانا؟ بصيت لمريم. كانت ابتسامتها أكبر من وشها. وقالت بسرعة بشرط يكون فيه تورتة! نادية ضحكت من قلبها. وساعتها، لمحت خيال راجل واقف في آخر الطرقة. كان أحمد. ما أعرفش بقاله قد إيه واقف بيسمعنا. لكن عينيه كانوا مليانين دموع. قال وهو بيقرب مننا فيه تورتة. أنا جبت اتنين. مريم جريت عليه وحضنته. أما أنا، ففضلت واقفة عند الباب. أحمد قرب مني وقال فاكر إنك قلتي إنك مش هتقدري تكملي معايا. رديت بهدوء ده اللي قلته. سألني ولسه عندك نفس الرأي؟ بصيت لنادية. وبعدين لمريم. وفي الآخر بصيت له. أعتقد إني كنت خاېفة. ابتسم وقال وأنا كمان. ضحكت بخفة. مش باين عليك. رد وهو بيهزر إحنا في شغل العقارات بنتعلم نخبي خوفنا ورا الرسومات الهندسية والبدل. ضحكت لأول مرة من أيام. أحمد مد إيده ناحيتي. ما شدّنيش ليه. ولا قرر بالنيابة عني. فضل مستني. بالضبط زي أول مرة وقفنا قدام الجزمة الحمرا. مديت إيدي ومسكت إيده. واتعشينا كلنا مع بعض. ونادية ما شالتش الفيونكة الحمرا من على فستانها طول الليلة. تاني يوم الصبح، أحمد أخدنا نتمشى في حديقة كبيرة، وكان عامل لمريم مفاجأة صغيرة. جاب لها عربية أطفال كهربائية صغيرة، شبه العربيات اللي كانت ركبتها في الملاهي أول مرة خرجنا معاه. مريم ركبتها وفضلت تلف بيها في الممرات المخصصة للأطفال، وأنا وأحمد كنا ماشيين وراها وإحنا بنضحك. بعد شوية، وقف أحمد قدامي. ليلى. نعم؟ مد إيده لجيب معطفه، وحسّيت إن قلبي هيقف. طلع علبة صغيرة. وقال أنا مش هقدر أركع قدامك هنا، عشان غالبًا هنقع إحنا الاتنين ونتعور. ضحكت. بداية مبشرة جدًا. قال وهو بيضحك كنت محضّر كلام تاني أقوله، بس نسيته. فتح العلبة. كان جواها خاتم. وحوالينه شريط أبيض مربوط بفيونكة حمرا صغيرة. عرفتها من أول نظرة. قلت وأنا ببتسم وسط دموعي مريم؟ هز راسه. هي اللي أصرت. بتقول إن كل حاجة مهمة في العيلة دي لازم يبقى فيها فيونكة حمرا. حطيت إيدي على بقي. أحمد بص لي وقال لما مراتي ماټت، افتكرت إن حياتي خلصت، وإن كل حاجة فيها انتهت بدري عن معادها. وبعدها شوفتك إنتِ ومريم قدام فاترينة المحل. بص ناحية مريم اللي كانت بتلعب بعيد عننا. شوفت طفلة ما طلبتش جزمة لأنها عارفة إن أمها مش قادرة تشتريها. رجع بص لي. وشوفت ست ما قبلتش هدية غير لما لقت طريقة ترد بيها الجميل. أخد نفس عميق وقال إنتوا ما جيتوش عشان تكملوا حياتي يا ليلى. إنتوا علمتوني إني لسه أقدر أبني حياة جديدة. الدموع حړقت عيني. سألني تقبلي تتجوزيني؟ ما احتاجش يعيد السؤال. رديت أيوه. وبعدين ضحكت وأنا بمسح دموعي. أيوه يا أحمد. مريم شافتنا من بعيد، وفضلت تجري ناحيتنا بعربيتها الصغيرة لحد ما وقفت جنبنا. سألت بحماس قالت أيوه؟! أحمد رد وهو بيضحك قالت أيوه. صړخت مريم من الفرحة لدرجة إن الناس اللي في الحديقة كلها بصت ناحيتنا. وبعدين فجأة، سكتت وبصت لأحمد بجدية. طب عندي سؤال تاني. أحمد شبك إيديه قدام صدره. هو الموضوع ده هيبقى مفاوضات طويلة كده؟ مريم بلعت ريقها وقالت هو ينفع من دلوقتي أناديك يا بابا؟ بس وإنت صاحي، مش وإنت مش سامعني وأنا نايمة. شفت ملامح أحمد وهي بتتغير. وطّى بحذر لمستواها، وفتح دراعاته. وقال بصوت متأثر أنا بقالي شهور مستني إنك تسأليني السؤال ده. مريم رمت نفسها في حضنه. وأنا حضنتهم هما الاتنين. ولأول مرة من يوم ما أبو بنتي قفل الباب وراه ومشي من سنين، فهمت حاجة مهمة. في ناس بتمشي من حياتك وتسيبك مقتنعة إنك لازم تتعلمي تعيشي من غير ما تحتاجي لحد. وفي ناس تانية بتدخل حياتك من غير ما تطلب منك تحتاجي لها. كل اللي بتعمله إنها بتفضل موجودة. طنط دولت حضرت فرحنا. ونادية حضرت هي كمان. كانت لابسة فستان أزرق غامق، وفوق قلبها، كانت مثبتة الفيونكة الحمرا الصغيرة اللي مريم عملتها لها. بعد ما صاحب المخبز قرر يطلع معاش ويبيع المحل، أحمد اشترى المخبز، لكنه سجّله باسمي. ولما اعترضت، حطّ قدامي أوراق الملكية وقال مش هدية. بصيت له باستغراب. أحمد قاطعني وهو بيضحك ده استثمار. أنا دوقت العيش بتاعك، وناوي أسترد كل جنيه دفعته. رميت عليه منديل ورق. ضحك، وضحكت معاه. ومع الوقت، المخبز كبر ونجح. طنط دولت بدأت تعلّم مريم الخياطة كل يوم بعد المدرسة. أما نادية، فعلى عكس كل توقعاتي، بقت أكتر زبونة بتدقق في شغلها. كانت تقول لها الخياطة دي مش مظبوطة. مريم ترد يا تيتة، إنتِ عندك ٧٣ سنة ومحتاجة نظارة! نادية ترفع نظارتها وتقول عندي نظارة يا حبيبتي، لكن الخياطة لسه مش مظبوطة. وتفضل مريم تضحك لحد ما دموعها تنزل. عدّت عشرين سنة. وفي عصر يوم من أيام ديسمبر، رجعت أنا وأحمد لنفس المركز التجاري اللي بدأت فيه حكايتنا. كانت الواجهة الرئيسية متغطية بقماش كبير، وفيه صحفيين ومصورين وضيوف كتير مستنيين. وفي تمام الساعة سبعة، اتشال القماش. ظهرت أول مجموعة أزياء لمصممة مصرية شابة اسمها مريم المنشاوي. فساتين بألوان زاهية. وتنانير واسعة. وأزرار صغيرة على شكل نجوم. وفيونكات. فيونكات كتير جدًا. لكن في نص الواجهة، ما كانش فيه أي فستان. كان فيه صندوق زجاجي. جواه جزمة أطفال حمرا، لونها بهت شوية من مرور السنين. وجنبها، الرسمة الأولى اللي مريم رسمتها على إيصال قديم. وتحتهم لوحة صغيرة مكتوب عليها من هنا بدأت الحكاية. أحمد مسك إيدي. شعره كان بقى فيه خصلات بيضا، وأنا كمان السنين سابت علاماتها عليّ. سألته وأنا ببص له إنت بټعيط؟ رد بسرعة لأ. ضحكت وقلت أحمد! قال وهو بيحاول يخبي ابتسامته دي الإضاءة بس. ضحكت من قلبي. وعلى الناحية التانية من الإزاز، شفت انعكاس صورتي. وللحظة، ما بقيتش الست اللي قربت من الخمسين. رجعت نفس الست اللي كانت واقفة من عشرين سنة بمعطف رخيص، بتحسب فلوس الأسبوع في دماغها، وبنتها واقفة جنبها بتبص على حاجة نفسها فيها، لكن أمها مش قادرة تجيبهالها. قربت من الواجهة. وأحمد فضل واقف ورايا. في نفس المكان اللي كان واقف فيه أول يوم. حطيت أطراف صوابعي على الإزاز، وافتكرت صوتي وأنا بقول مش النهارده يا قلب ماما. ابتسمت، وهمست النهارده أيوه يا حبيبتي. وساعتها فهمت إن المعجزة الحقيقية ما كانتش الجزمة الحمرا أبدًا. المعجزة كانت إن فيه حد قدر يشتريها من غير ما يحسسني إني قليلة. حد سألني قبل ما يساعدني. وطفلة قدرت تحوّل قطعة ساتان صغيرة لوسيلة تسامح بيها قلب ست كانت رافضة تتقبلها. والأهم من كل ده، إني اكتشفت إن الباب اللي اتقفل في وشي من سنين، مش معناه إن كل أبواب الدنيا هتتقفل بعده. أحيانًا، اللي بيمشي من حياتنا بيسيب مكانه فاضي عشان يدخل مكانه حد يعلّمنا إن لسه فيه حكايات حلوة مستنيانا. النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد