مش النهارده يا حبيبتي

الهدية من غير مقابل.
ابتسامته زادت.
اتفقنا.
وبعد دقايق قليلة، لقيته قاعد على ركبته فوق أرضية الرخام، وبيساعد مريم تلبس الجزمة الحمرا ويقفل مشبكها الصغير.
مريم مشت تلات خطوات.
وبعدين وقفت.
بصت لرجليها.
والتعبير اللي ظهر على وشها في اللحظة دي، عمره ما فارق ذاكرتي.
تاني يوم، صحيت بدري وجهزت تورتة بالعسل والجوز، على وصفة جدتي القديمة.
الساعة كانت حداشر الصبح، لما عربية فخمة سودا وقفت قدام المخبز.
نزل منها أحمد ودخل، ووقف في الطابور ورا باقي الزباين.
كان يقدر يطلب من أي حد إنه يدخل قبله.
لكنه ما عملش كده.
ولما جه دوره، استلم التورتة، وبعدها دفع تمن القهوة والمخبوزات لكل الزباين اللي كانوا مستنيين.
وقبل ما يمشي، بص لي وسألني
ممكن أشوفك تاني؟
مسحت إيدي في المريلة وقلت
يوم الأربعاء بخلص شغلي الساعة تلاتة.
وبصيت ناحية مريم، اللي كانت قاعدة ورا الكاونتر بتلوّن في كراستها.
وبعدين ضفت
هي عمرها ما راحت مدينة ملاهي قبل كده.
أحمد ابتسم وقال
يبقى لازم نغيّر ده.
يوم الأربعاء، أخدنا أحمد وراح بينا مدينة ملاهي كبيرة في القاهرة.
مريم كانت فرحانة بشكل ما شفتوش عليها من زمان. أحمد مسك إيدها وراح معاها

ناحية لعبة العربيات الصغيرة، وفضل يساعدها تركب وتربط الحزام، وبعدها وقف يتفرج عليها وهي بتضحك وتلف بالعربية وسط باقي الأطفال.
وبعدها ركب معاها لعبة الخيل الدوّارة، ولما نزلوا، فضلت تشد إيده عشان يجرّب معاها لعبة تانية.
وأنا كنت قاعدة على مقعد قريب منهم، ماسكة كوباية شوكولاتة سخنة، وبراقبهم.
لحد ما اكتشفت حاجة خوفتني من نفسي.
أنا ما كنتش بتفرج على مليونير بيتسلى مع بنت صغيرة فقيرة.
أنا كنت بتفرج على راجل سعيد بجد.
بعد ما خلصنا، أحمد جاب لمريم كراسة رسم جديدة وعلبة ضخمة مليانة أقلام ألوان.
قدّمهم لها وقال
عشان تبدئي أول مجموعة تصميمات ليكِ.
مريم ضمّت الكراسة لصدرها وقالت بحماس
لما أكبر، هبقى مصممة فساتين!
ابتسم أحمد وسألها
وهتصممي لمين؟
ردت من غير ما تفكر
للبنات اللي بيقفوا قدام فاترينة المحلات، ويتمنوا يشتروا الحاجات اللي جواها، بس ما يقدروش.
أحمد ما ضحكش، ولا اعتبر كلامها مجرد أحلام طفلة.
بصلها وقال بجدية
يبقى ابدئي من النهارده.
ومن يومها، بدأنا نتقابل باستمرار.
في الأول، كل يوم أربعاء.
وبعدها أيام السبت.
وبعدين بقينا نتقابل في أي يوم نقدر نسرق فيه ساعة من زحمة الحياة.
كان أحمد عنده ٣٨ سنة، وبيترأس واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في القاهرة.
مراته كانت توفّت من أربع سنين.
ومن وقتها، حوّل شغله لسور عالي بيحتمي وراه من أي مشاعر أو علاقات جديدة.
وأنا كنت فاهمة النوع ده من الصمت كويس.
الفرق إن أحمد بنى سوره بالملايين.
أما أنا، فبنيته بشغل فترتين ورا بعض، عشان أقدر أوفّر احتياجات بنتي.
في ليلة من الليالي، أحمد دعاني للعشا والرقص في مطعم راقٍ بيطل على النيل.
كنت على وشك أعتذر، لأني ما كنتش أملك غير فستانين قدام.
لكن مريم لقت حل للمشكلة.
جارتنا، طنط دولت، كانت خياطة على المعاش، وعندها ٧٢ سنة. وكانت محتفظة بفستان أخضر زمردي من سنين طويلة.
قعدنا إحنا التلاتة نعدّل فيه لحد ما بقى مناسب لمقاسي.
ومريم أصرت تخيط فيونكة حمرا صغيرة عند الوسط.
ولما نزلت السلم وشفت أحمد مستنيني جنب عربيته، سكت فجأة، وكأنه نسي كان هيقول إيه.
اتوترت وسألته
في إيه؟ هو في حاجة غلط؟
ابتسم وقال
أبدًا.
وبعدين ضحك بخفة وأضاف
أنا بس بحاول أفتكر إزاي أتنفس.
الليلة دي، رقصنا وإحنا شايفين أنوار القاهرة من حوالينا.
حكيت له عن الراجل اللي سابني أنا ومريم ومشي من غير ما يبص وراه.
وهو حكى لي عن مراته اللي فقدها، وعن الفراغ اللي سابته جواه.
ولأول مرة، ما حاولش أي واحد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *