ابو مراتى
الجزء السادس الحياة تبتسم من جديد والفرح يعود للبيت
مرت سنتان، والمركز بيطرد وبيخدم مئات النساء كل سنة. ونورهان صارت من أشهر النشطاء في مجال حقوق المرأة، وكل اللي بيشوفها بيقول إنها قوة من حديد وقلب من ذهب!
وذات يوم، وأنا راجع من الشغل، وجدتها واقفة تستناني
عند الباب، وابتسامتها بتضيء المكان كله أدهم.. عندي لك خبر سار جداً!
إيه يا روحي؟ سألتها بلهفة.
أنا حامل.. قالت بصوت خاڤت ومليان فرحة. في الشهر التاني!
قلبي قفز من مكانه.. حامل! بعد كل اللي مرّ بنا، ربنا بيعطينا فرحة تانية! حضنتها بكل قوتي وبكيت من الفرحة حبيبتي.. ده أحلى خبر سمعته في حياتي!
مرت الأشهر ببطء وقلوبنا مليانة أمل وخوف في نفس الوقت.. خوفنا من الماضي، وخوفنا من المستقبل.. بس كنا نثق في ربنا وفي بعض! وفي يوم الولادة، وقفت برة الغرفة أدعو من كل قلبي.. وبعد ساعات، سمعت صوت بكاء صغير قوي وجميل!
دخلت الغرفة، وشفتها مبتسمة ومعاها طفلة جميلة.. شبهها بالظبط!
بنتنا.. قالت لي بفرحة. سمتها أمان.. عشان تكون أماننا وأملنا الجديد!
حملت الطفلة الصغيرة في إيدي، وشعرت إن كل ألم الماضي اختفى في اللحظة دي.. ما عادش هناك كره ولا حقد ولا خوف.. ما بقاش غير حب وأمل وحياة جديدة!
كبرت أمان قدام عينا، وكانت طفلة قوية ذكية، تحب الحياة وتساعد الناس. وكبر المركز، وصار ليه فروع في محافظات كتير. ونورهان وأنا كنا دايماً جنب بعض، نحارب ونبني ونعطي بلا حدود!
وذات يوم، وقفت نورهان جنبي على شرفة بيتنا الكبيرة، وناظرنا للمدينة اللي تحتنا، وقالت لي تعرف يا أدهم.. لو ما حصل كل ده، ما كنتش وصلنا للمكان ده!
صحيح.. رديت وأنا حاضنها من كتفها. بس ما كنتش أتمنى تمرّي بكل ده أبداً!
الألم خلاني أقوى.. قالت بثقة. وأنتِ خلاني أؤمن بالحب تاني.. الحب اللي ما بيتغيرش مهما كانت الصعوبات!
قبلتها من راسها، ونظرت ل أمان اللي كانت بتلعب في الجنينة تحتنا.. عرفت إن الرحلة كانت صعبة ومؤلمة، بس كانت تستاهل.. لأن النهاية كانت أجمل وأعظم مما توقعت!
وتبقى الكلمة الأخيرة
المرأة حين تُضرب وتُخان وتُجرح، لا ټموت.. بل تولد من جديد أقوى وأصلب وأكثر إصراراً على الحياة.. والحب الحقيقي لا ېخاف من الجراح، بل يداويها ويبني فوقها مستقبلاً لا يُهزم.. والظلم مهما طال زمنه، لابد أن ينتهي وتطلع شمس العدالة تضيء الدنيا.. ومن يزرع شراً يحصد ندامة، ومن يزرع خيراً يحصد أجراً وفرحاً لا يُوصف.. والله مع المظلومين حتى يُقام لهم العدل، وهو سبحانه وتعالى خير حافظاً وأرحم الراحمين.. ولا تحسبن أن الله غافل عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار.. وإن مع العسر يسراً، وإن مع الكرب فرجاً، وإن بعد الصبر نصراً مؤكداً بإذن الله رب العالمين.. وما أجمل أن تمشي في الدنيا وقلبك نظيف، ويدك بيضاء، وذكرك باقٍ بالخير بين الناس.. تلك هي الحياة، وتلك هي الدنيا، والباقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام.