اسماء الاستحمام
أثناء الاستحمام، بنتي عندها 6 سنين قعدت تعيط فجأة: “يا ماما، بيحرقني أوي المكان اللي بعمل منه بيبي”. أخدتها على المستشفى وأنا فاكرة إنها شوية التهابات، بس الدكتورة وشها اصفرّ وهمستلي: “اتصلي بالشرطة”. سكت خالص، وطلعت تليفوني، وفي اللحظة دي جالي مسج من جوزي كشف إنه كان عارف حاجة أنا عمري ما حكيتهاله.
– بابا… بيحرقني أوي لما بعمل بيبي. مش عايزة تلمسيني هناك.
لما سمعت الكلام ده طالع من بق بنتي عندها ست سنين، حسيت إن الأرض تحت رجلي في شقتنا في مدينة نصر اختفت.
في الليلة دي كل حاجة كانت ابتدت زي العادي.
بنتي، فريدة، كانت اتعشت سندوتش جبنة رومي، وصممت تسمع حدوتين بدل واحدة، وبعدها دخلت البانيو وهي مبسوطة. كانت بتلعب بالرغوة وأنا بفكر في ألف حاجة ورايا في البيت.
لحد من ثلاث سنين فاتوا كنت شغالة مديرة إدارية في شركة شحن. استقلت لما جوزي، كريم، بقى بيكسب أحسن.
– مالهاش لازمة إحنا الاثنين نفضل مطحونين —كان قال لي كده—. أنا هشيل المصاريف وانتِ افضي لبنتنا وركزي معاها.
وافقت.
مع الوقت، كريم بدأ يسافر أكتر، ويرجع متأخر، ويقضي ويك إند كامل بحجة إنه عنده اجتماعات مع مستثمرين.
وأنا اتعودت أشيل كل حاجة لوحدي.
في الليلة دي كنت بغسل لفريدة بحرص لما انكمشت فجأة وبدأت تعيط.
ماكانش دلع.
كان وجع.
لفيتها في الفوطة.
– وقعتي في المدرسة؟
هزت رأسها بـ لا.
– حد أذاكي؟
مسكت في رقبتي أوي.
– مش عارفة يا ماما… مش عايزة أتكلم.
حاولت أكلم كريم.
تليفونه مقفول.
خمس مرات.
نفس النتيجة.
لبست فريدة وسوقت لحد طوارئ الأطفال في مستشفى خاص قريب من التجمع.
بعد ما استنينا حوالي أربعين دقيقة، دخلتلنا الدكتورة مروة.
في الأول افتكرت إنها التهابات في مجرى البول.
تمنيت من كل قلبي تكون كده.
بس وأهي بتكشف عليها، ملامح الدكتورة اتغيرت.
في الأول اتثمرت مكانها.
بعدها طلبت مني نطلع ثواني في الطرقة بينما الممرضة فضلت جوة مع فريدة.
– مدام هناء —قالت بصوت واطي—، أنا محتاجة أعمل فحوصات زيادة.
– هي التهابات؟
ماردتش عليا في ساعتها.
السكوت ده ثلّج دمي.
– في أعراض مش ماشية مع الالتهابات العادية.
حسيت بزنة في ودني.
– قصيدك إيه؟
الدكتورة بصت ناحية الباب قبل ما تكمل.
– مش عايزة أستبق الأحداث من غير الفحوصات وتقييم الاستشاريين. بس في احتمال تكون بنتك تعرضت لأي نوع من أنواع الاعتداء.
فضلت بصالها.
ماكنتش فاهمة.
أو يمكن ماكنتش عايزة أفهم.
– اعتداء من مين؟
– ده حاجة التحقيق هو اللي هيحددها.
– بنتي دايماً معايا.
الدكتورة ثبتت نظرتها في عيني.
– دايماً؟
ساعتها افتكرت حاجة.
من ثلاث أسابيع فاتوا اضطريت أودي أمي كشف في مصر الجديدة. كريم، وعلى غير العادة، لغى اجتماع عشان يقعد مع فريدة.
لما رجعت، لقيتها نايمة الساعة سبعة بالليل.
كريم قال إنها لعبت كتير وتعبت.
الأسبوع اللي بعده حصلت حاجة شبه دي.
فريدة بدأت تطلب مني أسيب باب أوضتها مفتوح بالليل.
وكمان مابقتش ترضى تقعد جنب باباها على السفرة.
أنا افتكرت إنها مرحلة وتعدي.
الدكتورة سلمتني شوية أوراق.
– محتاجين تحاليل وفحوصات، وتقييم من أخصائي، ونفعل بروتوكول حماية الطفل.
زيقي نشف.
– بروتوكول؟
قربت مني أكتر.
– ومحتاجة أقولك حاجة تانية. لو الفحوصات أكدت اللي شاكين فيه، هتضطري تبلغي فوراً.
– الشرطة؟
– النيابة العامة.
بصيت لفريدة من خلال زجاج الباب.
كانت حاضنة الدبدوب بتاعها.
صغيرة أوي.
وخايفة أوي.
وفي اللحظة دي تليفوني اتهز.
كان كريم.
كان كاتب بس:
“أنتم فين؟ أنا وصلت. هاتي فريدة وتعالي على البيت.”
بس اللي خلى إيدي تترعش ماكانش الرسالة.
كان رد فعل بنتي لما شافت اسم باباها على الشاشة.
فريدة استخبت ورايا وبدأت تكرر:
– مش عايزة أروح البيت… مش عايزة أروح مع بابا.
وماكنتش اعرف إن الأوحش لسه هيطلع للنور.
الفحوصات أخدت أكتر من ساعة شوية، بس بالنسبة لي كانوا أطول ستين دقيقة في حياتي. فريدة اتفصلت من التعب ونامت على صدري وأنا مستنية على كرسي بلاستيك. الدكتورة مروة رجعت ومعاها استشارية متخصصة. ملامح وشها مابقتش تسيب أي مجال للتفسيرات السهلة.
– هناء، إحنا لقينا إصابات تتطلب تحقيق رسمي —قالت لي كده—. وكمان تم أخذ عينات حيوية هيتم تحليلها عن طريق الطب الشرعي.
نَفَسي اتطلع. ماكنتش محتاجة أسمع أكتر من كده. الموضوع ماكانش التهابات. ماكانش وقعة. ماكانش حساسية. في حد أذى بنتي.
طلبت النجدة وخلال وقت قصير اتقيد بلاغ في النيابة العامة. اثنين ظباط وصلوا المستشفى ومعاهم أخصائية نفسية أطفال. لما سألوني مين كان بيبعد لوحده مع فريدة في الشهور الأخيرة، كنت بنطق كل اسم وكأني بقطع لساني.
حمايا.
أخو جوزي.
بيبي سيتر كانت بتساعدنا من وقت للثاني.
وكريم.
لما نطقت اسم جوزي، فريدة وهي لسه نص نايمة، مسكت في بلوزتي بقوة لدرجة إن عقل صوابعها ابيضّت. واحد من الظباط لاحظ ده.
– جوزك فين؟
– في البيت.
– هو عارف إنكم هنا؟
– عارف بس إن فريدة تعبانة.
الظباط نصحوني مارجعش الشقة. وأنا وافقت. في الظروف العادية كنت هبقى عايزة أروح أواجه كريم فوراً. بس في اللحظة دي فهمت إن حماية بنتي أهم بكتير من رغبتي في إن أدخل في خناق وصريخ مع حد.
في الفجرية دي نمنا في بيت أنتيمتي، سارة، وهي محامية وعايشة في زايد. أو على الأقل فريدة هي اللي نامت. أنا فضلت باصة في السقف.
الساعة ثمانية الصبح كريم بدأ يكلمني. 11 مكالمة. وبعدها بدأت تيجي الرسائل.
“فريدة مالها؟”
“مابترديش ليه؟”
“قوليلي أنتم في مستشفى إيه.”
“أنا جاي آخدكم.”
ماردتش.
ساعتها جالي مسج مختلف:
“هناء، بلاش تعملي تصرف غبي. في حاجات ممكن تفهميها غلط.”
حسيت ببرودة مشيت في جسمي كله. أنا عمري ما قلت له الدكاترة شاكين في إيه. إزاي بيتكلم عن إنه “أفهم حاجة غلط”؟
وريت الرسالة لسارة. وشها اتغير.
– متسجليش رد. ابعتيها فوراً للظابط اللي ماسك القضية.
عملت كده.
بعدها بساعات، ولما فريدة كانت بتفطر شوية فاكهة، جالي اتصال من النيابة. كانوا أخدوا إذن عشان يفتشوا شقتنا.
بس كان لسه فاضل حاجة. حاجة أنا نفسي افتكرتها.
من شهر فات، كريم كان اشترى أباجورة سمارت على شكل سحابة لأوضة فريدة.
– بتقيس الحرارة والرطوبة ونظام النوم —قالها وهو متباهي—. بظبطها وبتحكم فيها من تليفوني.
أنا وقتها حسيتها أوفر. بس فريدة كانت طايرة بيها عشان بتغير ألوان.
الصبح ده حكيت التفصيلة دي للمحققين. الهدوء ساد المكان.
– الأباجورة دي فيها كاميرا؟
– كريم قال لأ.
في نفس اليوم بعد الظهر، وبإذن النيابة، الفنيين والطب الشرعي دخلوا الشقة. أنا فضلت بعيد مع فريدة. الساعة ستة، واحد من الظباط كلمني.
– مدام هناء، إحنا لقينا حاجة جوة الأباجورة.
اضطريت أقعد على حيلتي.
– إيه؟
– كارت تجميع مش بتاع الموديل الأصلي. متثبت جواه كاميرا صغيرة مخفية مع جهاز إرسال متوصل بالسيستم.
جالي غثيان وتعبت. بس الأوحش كان لسه جاي.
فتشوا كمان الكمبيوتر اللي في مكتب كريم. كان فيه سجلات دخول عن بُعد. تواريخ. مواعيد. اتصالات بالليل. ومواعيد تشغيل كتيييير متطابقة مع الليالي اللي فريدة كانت بتصحى فيها بتعيط.
أنا ماكنتش قادرة أتنفس لما الظابط ضاف:
– في حاجة كمان. الاتصالات دي مش طالعة بس من بيتكم. في كذا دخول تم من مكتب جوزك في الشركة.
في اللحظة دي فريدة ظهرت عند الباب وهي شايلة الدبدوب بتاعها.
– يا ماما…
وطيت على ركبي قدامها.
– في إيه يا روح ماما؟
بصت ناحية الطرقة عشان تتأكد إن مافيش حد سامعها. وساعتها همست بـ خمس كلمات هدمت بيتي تماماً:
– بابا قال لي ده سر.
PARTE 3 (الجزء الثالث والأخير)
خمس كلمات كأنهم خنجر اتغرس في قلبي: “بابا قال لي ده سر”.
ضميت فريدة لصدري بأقوى ما عندي، ودموعي نازلة من غير صوت عشان ما أخوفهاش أكتر. في اللحظة دي، أي شك بسيط كان باقي جوايا عن كريم اتمحى تماماً.
سارة صاحبتي مسكت إيدي وقالت لي بصوت حاسم: “هناء، خلاص.. البلاغ اتأكد، والدلائل الرقمية والتقرير الطبي بقى مع النيابة. كريم مش بس هيتحبس، ده هيتدمر.”
ساعتها الظابط كلمني وفهمني إن النيابة طلعت أمر ضبط وإحضار مستعجل لكريم.
الظباط استدرجوه.. طلبوا مني أبعت له مسج صغير: “أنا عند بابا، تعال نتكلم عشان فريدة تعبانة.”
أول ما كريم وصل العمارة عند والدي وهو فاكر إنه هيعرف يضحك عليا أو يقنعني بـ”سوء الفهم”، تفاجأ بقوة من المباحث مستنياه تحت. اتقبض عليه ووشه أصفر من الصدمة، وما لحقش حتى ينطق كلمة واحدة.
خلال التحقيقات، الطب الشرعي والمباحث الإلكترونية طلعوا بلاوي. الكاميرا المخفية اللي كان حاططها في الأباجورة كانت متوصلة ببرنامج خاص على تليفونه وكمبيوتر شغله، وكان بيستخدمها عشان يراقبها ويتحكم فيها، والأصعب من كده إن التحريات كشفت إنه كان بيبعت الفيديوهات دي لجروبات مشبوهة على “الدارك ويب” (الإنترنت المظلم) مقابل مبالغ مالية!
الموضوع ماكانش مجرد ج/ريمة في حق بنته بس، ده كان جزء من شبكة إجرامية كبيرة، وده خلى القضية تتاخد بأقصى درجات الشدة.
أنا وفريدة نقلنا مكان إقامتنا، وبدأت معاها رحلة علاج نفسي مكثف مع أخصائية متخصصة في تروما الأطفال. كانت أيام صعبة أوي، كوابيس وخوف من أي صوت عالي، بس مع الوقت والدعم والحب، فريدة بدأت ترجع تبتسم، وترجع بنتي الصغيرة البريئة اللي بعرفها.
بعد عدة شهور من الجلسات المحاكمات، صدر الحكم النهائي على كريم: السجن المشدد لمدة 25 سنة، مع تجريده من الولاية التعليمية والوصاية تماماً.
النهارده، وأنا بصالة الشقة الجديدة وشايفة فريدة بتلعب بالظبط زي زمان ومن غير خوف، عرفت إن أكبر شجاعة عملتها في حياتي هي إن صدقت وجع بنتي وما سكتش. الأمومة مش بس إنك تربي وتاكلي.. الأمومة هي إنك تكوني الس/لاح والدرع اللي بيحمي طفلك حتى لو كان الخطر جاي من أقرب الناس ليه.