جوزي ضرب بنتنا
أما مروان، فكان طول الليل لابس سماعاته، وكل ما ملك تعيط، يزوّد الصوت ويقول إنه مش عارف يرتاح بسبب الدوشة بقيت احاول اسكتها خوف منه انه ممكم يفكر يض. ربها تاني.مع أول ضوء للنهار، رضعت ملك وغيرتلها الحفاضة، واستنيت لحد ما هديت وبدأت تنعس، وبعدها حطيتها برفق في سريرها الصغير.
كنت محتاجة أستحمى بأي شكل، وأغسل شعري وأحس إني رجعت لنفسي ولو شوية.دخلت الحمام، ولقيت التايمر في مكانه المعتاد.أربع دقايق.أربع دقايق بس عشان أخلص كل حاجة!فتحت الدش، وبدأت أغسل شعري بسرعة، وأنا بحاول ما أبصش على الساعة كل ثانيتين.
لكن بعد أقل من دقيقة، سمعت ملك بتتحرك وتبدأ تزن في الأوضة.وبعدها مباشرة، صوت مروان جه من بره:
«يا ندى!»
رديت وأنا بشطف شعري: «أيوه، خلاص قربت أخلص!»
زعق: «ملك بتعيط!»
قلتله بصوت متوسل: «عارفة يا مروان، أرجوك دي بنتك وطفلة متفهمش حاجة شيلها بس لحد ما أخلص!
»
ما سمعتش منه رد، فحاولت أكمل بسرعة وأنا قلبي بيدق بعنف.وفجأة، صوت التايمر بدأ يرن.وبعد لحظات، الميه اتقطعت للمرة التانية.وقفت تحت الدش، والشامبو لسه بينزل على رقبتي، وحسيت إن دموعي نزلت من غير ما أقدر أمنعها.
لكن أكتر حاجة وجعتني ما كانتش الميه اللي اتقطعت، ولا شعري اللي لسه مليان صابون.اللي وجعني بجد إني اكتشفت إن أول فكرة جت في دماغي كانت إن مروان يتخنق من عياط ملك ممكن يض.
ربها تاني
مسكت الروب بسرعة، ولبسته، وفتحت باب الحمام وخرجت للممر وأنا خلاص مش قادرة أستحمل أكتر من كده.لكن أول ما رفعت عيني وبصيت قدامي، اتجمدت مكاني من اللي شوفتة…….
لما خرجت من الحمام وأنا لافّة الروب حوالين جسمي، كنت متوقعة أشوف مروان واقف قدام باب المكتب، ماسك التايمر في إيده، ومستعد يزعقلي عشان اتأخرت ثواني عن الأربع دقايق اللي هو فرضهم عليّا. لكن اللي شوفته خلّى الدم ينسحب من وشي، ورجليّ يتثبتوا في الأرض. كان فيه راجل غريب واقف في نص الصالة، لابس قميص أزرق وبنطلون أسود، وفي إيده شنطة جلد. ملامحه كانت حادة، وشعره فيه خصلات بيضا، وعينيه مثبتة على مروان اللي كان واقف قصاده ووشه متغير تمامًا. والأغرب من وجود الراجل الغريب، إن مروان كان واقف ساكت! مروان اللي عمره ما سكت لما أعيط، واللي كان بيعتبر أي كلمة اعتراض مني إهانة لكرامته، كان واقف قدام الراجل ده كأنه طالب صغير اتقفش وهو بيعمل مصيبة. الراجل الغريب هو اللي اتكلم الأول. «إنت متأكد إنك عايزني أصدق إن كل اللي بيحصل هنا مجرد ضغط شغل؟» مروان بلع ريقه وقال بتوتر: «يا بابا، إنت فاهم الموضوع غلط.» بابا! الكلمة نزلت عليّا زي الصاعقة. ده كان حمايا، الحاج عبد الرحمن، والد مروان اللي كان مسافر من فترة طويلة عند أخوه في إسكندرية، واللي مروان كان بيقول إنه مش هيرجع غير آخر الشهر. الحاج عبد الرحمن لف ناحيتي، وأول ما شاف شعري المبلول، وإيدي اللي بتترعش، ودموعي اللي مش قادرة أوقفها، ملامحه اتبدلت.
«إيه اللي حصل يا بنتي؟ وإنتِ خارجة من الحمام بالشكل ده ليه؟» حاولت أتكلم، لكن صوتي خانني. بصيت ناحية أوضة النوم، وقلت بصوت متقطع: «ملك… بنتي…» جريت ناحية الأوضة، وهو جري ورايا، بينما مروان فضل واقف مكانه ثواني، وبعدها اتحرك بسرعة وهو بيقول: «استنوا بس! مفيش حاجة تستاهل كل ده!» دخلت الأوضة ولقيت ملك في سريرها، وشها أحمر من العياط، وإيديها الصغيرين بيتحركوا بعشوائية. شيلتها بحذر، وضمّيتها لصدري، وأنا بحاول أهديها وأبص على جسمها الصغير عشان أتأكد إنها كويسة. لكن أول ما رفعت هدومها شوية عشان أطمن عليها، قلبي وقع. كان فيه احمرار وعلامة صغيرة على دراعها. مكنتش عارفة العلامة دي من إيه بالضبط، لكني كنت عارفة إن بنتي اتعرضت للأذى قبل كده، وإن مروان اعترف قدامي إنه ض. ربها. الحاج عبد الرحمن قرب خطوة، وبص للعلامة، وبعدها رفع عينيه لابنه. «إنت عملت إيه في البنت؟» مروان رد بسرعة: «يا بابا، دي طفلة بتعيط طول الليل، وأنا كنت بحاول أسكتها!» حمايا بصله بذهول. «بتحاول تسكتها؟ دي عندها ست أسابيع يا مروان! ست أسابيع! إنت فاهم يعني إيه ست أسابيع؟ دي لسه مش عارفة ترفع راسها لوحدها!» مروان حاول يحافظ على هدوئه المصطنع وقال: «إنتوا مكبرين الموضوع. أنا أبوها، ومن حقي أربي بنتي بالطريقة اللي أشوفها مناسبة.» في اللحظة دي، الحاج عبد الرحمن قال جملة عمري ما هنساهاله: «أبوك مش معناها إنك تملكها يا مروان.
الأب مسؤول عن حماية ابنه، مش عن تخويفه.» سكتت الصالة كلها. حتى عياط ملك بدأ يهدى شوية وهي لازقة في صدري. أما أنا، فكنت ببص لحمايا وقلبي مليان خوف، لأني عارفة إن مروان مش من النوع اللي بيستسلم بسهولة. وفعلًا، بصلي فجأة وقال بحدة: «وإنتِ بقى يا ندى، لازم تعمليلي فيها ضحية قدام أبويا؟ ما إنتِ اللي بتسيبي البنت تعيط بالساعات!» حسيت إني هرجع لنقطة الصفر تاني. نفس الاتهامات. نفس الطريقة اللي بيحوّل بيها كل حاجة لغلطي. لكن المرة دي، قبل ما أفتح بقي، الحاج عبد الرحمن وقف بيني وبينه وقال: «إنت مش هتعلي صوتك عليها تاني.» مروان ضحك ضحكة عصبية. «إنت جاي من السفر عشان تقف في صفها ضدي؟ إنت أصلًا متعرفش اللي بيحصل في البيت!» حمايا حط شنطته على الأرض، وفتحها، وطلع منها ظرف بني، وبعدها قال: «عندك حق. أنا معرفش كل اللي بيحصل في البيت. وعشان كده أنا جيت النهارده بدري.» بصيتله باستغراب. هو جاي بدري ليه؟ وإيه اللي في الظرف؟ وليه مروان أول ما شاف الظرف وشه اصفر بالشكل ده؟ الحاج عبد الرحمن طلع موبايله من جيبه، وفتح تسجيل صوتي، وحطه على الترابيزة. وبعد ثواني، سمعت صوت مروان. صوته هو، بنفس نبرة البرود اللي كان بيكلمني بيها كل يوم: «من النهارده كل شاور ليكي أربع دقايق بس.
» وبعدها صوتي وأنا بسأله إذا كان بيهزر. ثم صوته تاني، وهو بيقول: «ولو التايمر رن وإنتِ لسه مخلصتيش، هقفل محبس الميه الرئيسي.» سكت التسجيل لحظة، وبعدها خرجت الجملة اللي خلتني أحس إن الأرض بتتهز تحت رجلي: «ولو البنت عيطت، هض. ربها عشان تتعلم تبطل عياط وتسكت.» فضلت باصة لمروان، مش قادرة أستوعب إن الكلام اللي كنت بسمعه كل يوم بقى دلوقتي بيتقال قدام حد تاني. حد أخيرًا سمعني. حد أخيرًا عرف إن اللي كنت بعيشه مش مجرد خلافات زوجية عادية. لكن مروان ما استسلمش. اندفع ناحية الموبايل وهو بيزعق: «إنت سجلتني من غير إذني؟!» الحاج عبد الرحمن رفع إيده يمنعه يقرب وقال: «أنا سمعت الكلام ده بنفسي من التسجيل اللي وصلني، وسمعت أكتر منه كمان. لكن قبل ما نتكلم عن التسجيل، هنتكلم عن البنت اللي إنت آذيتها.» مروان بصله بارتباك. «مين اللي وصلك التسجيل ده؟» حمايا رد بهدوء: «دي مش أهم حاجة دلوقتي.» لكن أنا كنت عايزة أعرف. مين اللي سجل؟ ومين اللي قرر يتدخل في الوقت اللي أنا فيه كنت فاكرة إني لوحدي تمامًا؟ بصيت لحمايا وسألته بصوت ضعيف: «يا عمي… إنت عرفت كل ده إزاي؟»
الحاج عبد الرحمن بصلي، وملامحه لانت شوية، وقال: «من أسبوع تقريبًا، أم مروان كلمتني وقالتلي إنها مش مرتاحة من كلام ابنها معاكي. كانت فاكرة إن الموضوع مجرد عصبية بسبب ضغط الشغل والبيبي. حاولت أكلمه، لكنه قفل معايا وقال إنك بتكبّري المشاكل.» مروان قاطعه بعصبية: «يعني إنت جاي تحاسبني على كلام أمي؟!» حمايا تجاهله وكمل كلامه معايا: «أنا كنت راجع النهارده أصلًا، لكن لما وصلت العمارة بدري، سمعت صوت عياط البنت من بره. طلعت، ولقيت باب الشقة موارب. سمعتك وإنتِ بتستعطفيه يشيل بنته خمس دقايق، وسمعته وهو بيزعقلك. دخلت، ولما شفته بيتكلم بالطريقة دي، طلبت منه يوريني التايمر اللي كان بيتكلم عنه. ولما لقيته مثبت جنب الدش، عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خناقة.» بصيت للتايمر اللي كان لسه ظاهر من باب الحمام. أربع دقايق. أربع دقايق كانت كفاية إنها تخليني أخاف من أبسط حاجة المفروض تكون حق طبيعي ليا. الاستحمام. الراحة. حتى إني أعيط من غير ما حد يهددني. الحاج عبد الرحمن رجع بص لابنه وقال: «أنا مش هتكلم عنك كأب دلوقتي، لأنك فشلت في أول اختبار للأبوة. هتكلم عنك كراجل لازم يتحمل نتيجة أفعاله.» مروان ضحك بسخرية: «نتيجة إيه؟ هو أنا ق. تلتها يعني؟ دي عايشة وبتعيط، أهو!» الجملة دي كانت آخر حاجة محتاجة أسمعها عشان أفهم إن مفيش أي إحساس بالندم جواه.
ضمّيت ملك لصدري أكتر، وقلت وأنا ببصله: «إنت ض. ربت بنتك وهي عندها ست أسابيع يا مروان. إنت فاهم يعني إيه؟ دي لسه مش بتعرف تدافع عن نفسها، ولا تقولك إنك وجعتها، ولا حتى تفهم ليه أبوها اللي المفروض يحميها بيأذيها!» لأول مرة من يوم ما اتجوزته، صوتي خرج قوي بالشكل ده. مروان اتفاجئ، لكنه سرعان ما رجع لنبرته المستفزة. «آه، طبعًا! دلوقتي بقيتي بطلة، عشان أبويا واقف في صفك! طب ما تقولي له كمان إنك مهملة في البيت، وإنك مش بتعرفي تنظمي وقتك، وإنك كل يوم بتطلبي مني أسيب شغلي عشان أشيل البنت!» بصيتله ودموعي بتنزل. «أنا مكنتش بطلب منك تشيلها طول اليوم. كنت بطلب منك تبقى أبوها خمس دقايق.» الجملة دي سابت أثر في المكان أكتر من أي صرخة. الحاج عبد الرحمن نزل عينه للأرض لحظة، وكأنه بيحاول يستوعب حجم اللي ابنه وصل له. وبعدين قال بحزم: «ندى، إنتِ هتجهزي حاجتك وحاجات ملك. هتروحي مكان آمن النهارده، ومحدش هيجبرك ترجعي قبل ما تكوني إنتِ بنفسك مطمنة.» مروان اندفع ناحيته. «إنت مش هتاخد مراتي وبنتي من بيتي!» حمايا وقف بثبات وقال: «دي مش ملكية خاصة يا مروان. دي زوجتك، ودي بنتك، وليهم حقوق. وإنت مش هتمنعهم من الأمان عشان تحافظ على صورتك قدام الناس.» مروان بصلي، ونظرة عينيه اتغيرت.
عرف إن المرة دي أنا مش هبص للأرض وأسكت. فقال بصوت واطي، لكنه مليان تهديد: «ندى، لو خرجتي من الباب ده، متفكريش إنك هترجعي تاني بسهولة.» حسيت بالخوف يرجع يجري في جسمي. لكن قبل ما أرد، ملك حركت إيديها الصغيرين وطلعت صوت خافت، فبصيتلها. كانت عينيها مفتوحتين، وملامحها البريئة خلتني أفتكر كل ليلة قضيتها جنب سريرها وأنا بحاول أحميها من غضبه. وفي اللحظة دي، فهمت إن خروجي مش معناه إني بهرب من جوازي. أنا كنت بحاول أنقذ بنتي من إنها تكبر وهي فاكرة إن الخوف هو الطبيعي، وإن الحب معناه إن حد يوجعك وبعدها يقولك إنه عمل كده عشان مصلحتك. مسحت دموعي، وبصيت لمروان مباشرة. «أنا مش خارجة عشان أبوك قاللي. أنا خارجة عشان أنا مش هسيب بنتي تعيش في بيت تخاف فيه من عياطها.» وبعدها دخلت أوضة النوم.
كنت فاكرة إني هقدر ألم هدومي بسرعة، لكن أول ما فتحت الدولاب، وقفت مكاني. هدومي كانت متكومة في جانب، وهدوم ملك الصغيرة متعلقة في الناحية التانية. السرير اللي قضيت عليه ليالي طويلة وأنا برضعها، والكومود اللي عليه كريمات الأطفال، والبطانية اللي أمي جابتهالي قبل الولادة… كل حاجة كانت بتفكرني ببداية مختلفة تمامًا عن النهاية اللي وصلت لها. كنت فاكرة إن مروان هيكون سندي. فاكرة إننا هنضحك سوا وإحنا بنتعلم نغير الحفاضات، وإنه هيبقى فرحان لما ملك تمسك صباعه بإيديها الصغيرة. لكن الحقيقة إن كل ده كان مجرد صورة رسمتها في خيالي، بينما الواقع كان بيكشفلي شخص تاني خالص. حطيت هدوم ليا في شنطة، وبعدها بدأت أجمع حاجات ملك. حفاضات، ولبس، وبطانية، وزجاجة رضاعة احتياطية، وعلبة المناديل. كل حاجة كنت بحطها في الشنطة كنت بحس إني بشيل جزء من حياتي وبحاول أحافظ عليه. دخل الحاج عبد الرحمن وقف عند الباب. «خلصتي يا بنتي؟» هزيت راسي، وبعدها بصيتله بتردد. «يا عمي، أنا خايفة.» قرب مني وقال: «من حقك تخافي بعد اللي حصل. ومش هقولك متخافيش، لأن محدش يقدر يطلب منك تنسي في يوم وليلة. لكن اللي أقدر أوعدك بيه إننا مش هنسيبك تواجهِي ده لوحدك.» سكت شوية، وبعدين سألته: «هو مروان كان كده من زمان؟» اتنهد. «أنا مش هكدب عليكي. ابني طول عمره عنيد، وكان بيحب كل حاجة تمشي على مزاجه.
وأنا غلطت لما كنت بعتبر ده مجرد طبع في شخصيته، بدل ما أوقفه عند حده من بدري. كنت فاكر إنه لما يكبر ويتجوز هيهدى ويتحمل مسؤولية. لكن واضح إننا سكتنا على حاجات كان لازم تتواجه من زمان.» الكلام وجعني، لكنه كان صادق. لأول مرة، حد من عيلة مروان يعترف إن المشكلة مش فيا. إنه مش لازم أكون الزوجة المثالية عشان أستحق المعاملة الكويسة. وإن تعب الأم بعد الولادة مش جريمة تستحق العقاب. خرجنا من الأوضة، وكان مروان واقف في الصالة، ماسك موبايله وبيتكلم مع حد. أول ما شاف الشنط، قفل المكالمة. «إنتوا فعلًا هتمشوا؟» الحاج عبد الرحمن رد: «أيوه.» مروان بصلي. «ندى، أنا ممكن أعتذرلك لو ده اللي إنتِ عايزاه. خلصنا بقى من المشهد ده.» بصيتله بذهول. «مشهد؟» هز كتفه وقال: «أيوه، مشهد. إنتِ عايزة تثبتي لأبويا إني وحش، وأنا قلتلك إني هصلح الموضوع.» قربت منه خطوة، وقلت: «إنت عايز تعتذر عشان أنا زعلانة، ولا عشان إنت فعلًا فاهم إنك أذيتني وأذيت بنتك؟» اتلخبط للحظة، وبعدها قال: «هو لازم نعمل تحقيق عشان أعتذر؟» «لأ. لكن لازم أفهم إن اعتذارك مش مجرد طريقة عشان أرجع وأسكت.» رفع صوته: «يعني إنتِ مصممة تبوظي بيتي؟» الحاج عبد الرحمن قاطعه: «بيتك مش هيبوظ عشان ندى خرجت منه. البيت اتكسر يوم ما قررت تخوف مرّاتك وتمد إيدك على بنتك.
» مروان بص لأبوه بغضب، وبعدها بصلي وقال: «هتندمي على اللي بتعمليه.» مكنتش قادرة أرد. مش لأن كلامه خوّفني، لكن لأن جزء مني كان لسه بيحزن على الراجل اللي اتمنيت يكونه. خرجت من الشقة وأنا شايلة ملك، والحاج عبد الرحمن شايل الشنط. ولما باب الشقة اتقفل ورايا، حسيت إن رجليّ مش شايلاني. وصلنا للعربية، وقعدت في الكرسي الخلفي وأنا ضامة بنتي. بعد دقايق، بصيت من الشباك على العمارة اللي كنت داخلاها من شهور وأنا فرحانة، وبحلم أبدأ حياتي كأم. دلوقتي كنت خارجة منها وأنا بحاول أتعلم من جديد يعني إيه أعيش من غير ما أخاف. وصلنا بيت الحاج عبد الرحمن بعد حوالي نص ساعة. كانت حماتي، أمينة، واقفة عند الباب، وأول ما شافتني جريت عليّا. «يا حبيبتي! إيه اللي حصل؟» مكنتش قادرة أتكلم. كل اللي عملته إني دخلت في ح. ضنها وعيطت. ح. ضنتني بقوة، وفضلت تمسح على ضهري وهي بتقول: «عيطي يا ندى. طلعي كل اللي جواكي. إنتِ مش مطالبة تبقي قوية طول الوقت.» الجملة دي خلتني أعيط أكتر. لأني من ست أسابيع، من يوم ما ولدت ملك، وأنا بحاول أبقى قوية طول الوقت. قوية وأنا بتألم. قوية وأنا مش بنام. قوية وأنا بحاول أرضي مروان. قوية وأنا بخاف من عياط بنتي عشان محدش يأذيها. لكن أول مرة حد يقولي إني مش مضطرة أفضل قوية.
أمينة أخدت ملك مني بحنان، وقعدت تهدهدها. «تعالي يا ملك، تعالي لح. ضن تيتة. إنتِ لسه صغيرة أوي على كل ده.» بصيت لبنتي، ولأول مرة من أيام، حسيت إني أقدر أتنفس. لكن الراحة دي ما استمرتش كتير. بعد أقل من ساعة، موبايلِي رن. كان مروان. سيبته يرن، لكنه اتصل تاني. وتالت مرة. وبعدين بدأت الرسائل توصل. «إنتِ مكبرة الموضوع.» «أبويا دخل بينا من غير ما يفهم حاجة.» «ارجعي البيت ونتكلم.» «متخليش الناس تضحك علينا.» فضلت باصة للرسائل، وكل واحدة فيهم كانت بتأكدلي إنه لسه مش شايف غير نفسه. مفيش رسالة واحدة سأل فيها ملك كويسة ولا لأ. مفيش رسالة واحدة سأل فيها أنا تعبانة قد إيه. حتى اعتذاره اللي قاله قبل ما أمشي كان عشان أرجع، مش عشان يصلح اللي عمله. قفلت الموبايل وحطيته على الترابيزة. لكن بعد شوية، أمينة دخلت عليّا وهي شايلة طبق شوربة. «كلي يا ندى. إنتِ من الصبح ما أكلتيش حاجة.» قلت وأنا بحاول أبتسم: «مش قادرة يا طنط.» قعدت جنبي وقالت: «عارفة إن نفسك مسدودة من الزعل، لكن جسمك محتاج أكل، خصوصًا إنك بترضعي ملك. خدي بالك من نفسك عشان تقدري تاخدي بالك منها.» أخدت المعلقة، وبدأت آكل ببطء. ولما خلصت، قالتلي: «بصي يا بنتي، أنا أم مروان، وده ابني مهما حصل. لكن ده مش معناه إني هبرر له الغلط.
أنا كنت بشوفه وهو بيتعصب، وكنت ساعات أقول لنفسي إنه مضغوط وإنه هيهدى. يمكن كنت غلطانة لما ما وقفتوش عند حده.» بصيتلها وقلت: «أنا مش عايزة أخرب بيته يا طنط. أنا كنت عايزة أعيش معاه حياة طبيعية.» أمينة مسكت إيدي. «وإنتِ مش اللي خربتيه. إنتِ حاولتي تحافظي عليه لوحدك، وده مش عدل. الجواز مسؤولية اتنين، مش واحد يأمر والتاني ينفذ.» في الليلة دي، نمت في أوضة الضيوف. سرير واسع، ومخدة مريحة، وملك نايمة في سريرها الصغير جنبي. كنت بصحى كل شوية أطمن عليها، وأقرب منها وأسمع نفسها. لكن المرة دي، مكنتش بسمع خطوات مروان في الصالة. مكنتش مستنية صوته وهو بيزعق. ومكنتش ببص على الساعة أحسب فاضل كام دقيقة قبل ما أضطر أقوم أعمل حاجة. ولأول مرة من أسابيع، نمت من غير ما أحلم بالتايمر.
تاني يوم الصبح، الحاج عبد الرحمن طلب مني أقعد معاه ومع أمينة في الصالة. كان واضح إنه عايز يتكلم في موضوع مهم. قال: «ندى، أنا عايز أسألك سؤال، ومش عايزك تخافي من الإجابة. هل مروان أذاكي جسديًا قبل كده؟» اتجمدت مكاني. مكنتش عارفة أجاوب إزاي. لأن الإجابة مش بسيطة. مروان ما كانش بيض. ربني كل يوم، لكنه كان بيخوفني، ويهددني، ويكسر حاجات حواليا لما يغضب، ويقف في طريقي لما أحاول أخرج من الأوضة أثناء الخناق. وفي مرات، كان يمسك دراعي بقوة لدرجة تسيب علامات. لكن كنت دايمًا أقول لنفسي إن ده مش ض. رب حقيقي. إنه مجرد عصبية. إنه هيهدى. وإن كل البيوت فيها مشاكل. نزلت عيني وقلت: «كان بيشدني من دراعي ساعات، وبيمنعني أخرج لما نختلف. لكن أنا كنت بحاول أعدي الأمور.» أمينة غطت بقها بإيدها، ودموعها نزلت. أما الحاج عبد الرحمن، فغمض عينيه للحظة طويلة. وبعدين قال: «أنا آسف يا بنتي.» رفعت عيني باستغراب. «إنت بتعتذرلي ليه يا عمي؟» رد بصوت مبحوح: «لأني كنت فاكر إن ابني مهما كان عصبي، عمره ما يوصل إنه يأذي حد أضعف منه. ولأني يمكن ما علمتوش كفاية إن القوة مش معناها إنك تخلي الناس تخاف منك.» مكنتش عايزة أحمله ذنب ابنه، لكني كنت محتاجة أشوف إن فيه حد أخيرًا مستعد يعترف إن اللي حصل مش عادي.
بعدها، الحاج عبد الرحمن قال: «أنا شايف إننا لازم نطمن على ملك عند دكتور أطفال، خصوصًا إنك قلتي إنه ض. ربها. حتى لو العلامة بسيطة، لازم نطمن عليها كويس.» هزيت راسي فورًا. «أنا كمان عايزة أطمن عليها.» في نفس اليوم، رحنا لطبيب أطفال في مركز طبي قريب. الدكتورة سمر كانت ست هادية، في أواخر التلاتينات، أول ما شافتني وأنا شايلة ملك، ابتسمتلي وقالت: «أهلًا يا ندى. قوليلي إيه اللي مقلقك؟» حكيتلها اللي حصل، وأنا بحاول أسيطر على صوتي. كل ما كنت بقول تفصيلة، كنت بحس إن الكلام بقى حقيقي أكتر، وإن اللي كنت بحاول أخبيه حتى عن نفسي ما بقاش ينفع يتخبى. الدكتورة فحصت ملك بعناية، وسألتني عن العلامة اللي شوفتها، وعن طريقة تعامل مروان معاها. وبعد الفحص، قالت: «الحمد لله، مفيش إصابة خطيرة ظاهرة في الفحص الحالي، لكن ده مش معناه إننا نستهين باللي حصل. لأن ملك رضيعة صغيرة جدًا، وأي إصابة محتملة لازم تتاخد بجدية. لو لاحظتي قيء متكرر، أو صعوبة في التنفس، أو خمول غير معتاد، أو رفض للرضاعة، أو تشنجات، لازم تروحي الطوارئ فورًا. وأنا عايزاكي تتابعي معاها حسب التعليمات اللي هكتبها.» حسيت إن قلبي بدأ يهدى شوية، لكن الدكتورة كملت: «وعايزة أقولك حاجة مهمة يا ندى. عياط الطفل في السن ده طبيعي، ومش معناه إنه بيستفز حد أو بيعمل حاجة غلط.
هو بيعيط عشان يجوع، أو يتعب، أو يحتاج ح. ضن، أو حتى من غير سبب واضح نقدر نحدده في اللحظة دي.» بصيت لملك اللي كانت نايمة على صدري. الدكتورة ابتسمت وقالت: «إنتِ مش مطالبة تسكتيها في ثواني، ومش مطلوب منها تسكت عشان حد مرتاح أو مشغول. ولو إنتِ مرهقة، من حقك تطلبي مساعدة شخص آمن تثقي فيه.» خرجت من عند الدكتورة وأنا حاسة إن حد شال من فوق صدري حمل كبير. كنت محتاجة أسمع إن بنتي مش غلطانة. وإني أنا كمان مش غلطانة عشان تعبت. في طريق الرجوع، الحاج عبد الرحمن كان ساكت، لحد ما وصلنا قدام البيت. وقبل ما أنزل من العربية، قال: «أنا عايزك تعرفي إن مروان مش هيرجع يعيش معاكم في البيت ده، ومش هضغط عليكي عشان ترجعي له. القرار قرارك، وسلامتك وسلامة ملك أهم من أي كلام الناس.» بصيتله وقلت: «بس هو مش هيسيبنا في حالنا بسهولة.» رد بحزم: «لو هددك أو حاول يضغط عليكي، احتفظي بالرسائل، ومتقابليهوش لوحدك. وهنطلب المساعدة القانونية المناسبة لو احتجنا. محدش له حق يخوفك عشان يفرض عليكي قرار.» كنت عارفة إن الطريق لسه طويل. لكن على الأقل، المرة دي ما كنتش ماشية فيه لوحدي.
مر أسبوع. أسبوع كامل من غير تايمر، ومن غير تهديدات بقطع الميه، ومن غير خوف من إن ملك تعيط. بدأت أستعيد جزءًا صغيرًا من نفسي. أمينة كانت بتساعدني في رعاية ملك، والحاج عبد الرحمن كان بيتولى أي تواصل ضروري مع مروان في الأمور العملية، عشان ما أضطرش أواجهه لوحدي. لكن مروان ما كانش مستعد يعترف إن فيه مشكلة. في البداية، بعت رسائل اعتذار. «أنا آسف يا ندى. كنت مضغوط.» وبعدها: «إنتِ عارفة إني بحبك، وإني عمري ما كنت أقصد أأذيكي.» وبعد يومين: «إنتِ هتفضلي عند أبويا لحد إمتى؟» ولما ما رديتش، بدأ يغيّر أسلوبه. «إنتِ بتعاقبيني على غلطة وعدت.» «إنتِ بتبعدي بنتي عني.» «إنتِ كده بتدمري مستقبلها.» كنت بقرأ الرسائل وأحس إن كل واحدة منها محاولة جديدة عشان يشيل عن نفسه المسؤولية ويحطها على كتافي. وفي يوم، اتصل بيا رقم غريب. رديت بحذر. «ألو؟» جالي صوت مروان. «إنتِ ليه مش بتردي عليا؟» قلبي دق بسرعة. «أنا مش عايزة أتكلم دلوقتي يا مروان.» قال بنبرة هادية بشكل مريب: «طيب، أنا عايز أشوف ملك. دي بنتي، ومن حقي أشوفها.» قلت: «أي ترتيب بخصوص ملك لازم يكون آمن، وبالطريقة القانونية المناسبة. أنا مش هقابلك لوحدي.» سكت لحظة، وبعدين قال: «إنتِ بقيتي بتتكلمي كأنك محامية! مين اللي بيحط الكلام ده في دماغك؟ أبويا؟» قلت: «محدش بيحط حاجة في دماغي.
أنا بس بقيت بفكر في سلامة بنتي.» ضحك بسخرية. «سلامة بنتك؟ إنتِ عايزة تحرميني منها عشان اتعصبت مرة؟» الجملة دي رجعتني لكل اللحظات اللي حاول فيها يصغّر اللي عمله. قلتله: «إنت مهددتني إنك هتض. ربها، وبعدها ض. ربتها فعلًا. وأنا مش هتصرف كأن ده ما حصلش.» صوته اتغير. «إنتِ بتتهميني؟» «أنا بقول اللي حصل.» قال بعصبية: «طب اسمعي بقى. أنا مش هسيبك تدمري حياتي، ولو فاكرة إنك هتخدي البنت وتختفي، تبقي غلطانة.» قفلت المكالمة. إيدي كانت بتترعش، لكن المرة دي عملت حاجة مختلفة. احتفظت بسجل المكالمات والرسائل، وحكيت للحاج عبد الرحمن اللي حصل، واتفقنا إننا نستشير محاميًا مختصًا عشان نعرف حقوقي وحقوق ملك والخطوات المناسبة لحمايتنا. بعد يومين، المحامي طلب يقابلنا. كان اسمه أستاذ شريف، راجل هادي وبيتكلم بوضوح. شرحلي إن أي قرار يخص الانفصال أو الحضانة أو التواصل مع الطفلة لازم يتم وفق الإجراءات القانونية المناسبة، وإنه مهم أوثق الوقائع بدقة، وأحتفظ بالرسائل، وأتجنب أي مواجهة منفردة ممكن تعرضني للخطر. سألني: «يا أستاذة ندى، إنتِ عايزة ترجعي لجوزك؟» السؤال كان مباشر لدرجة إني سكت. كنت طول الأسبوع بحاول أجاوب نفسي على السؤال ده. هل لسه بحبه؟ هل ممكن يرجع الشخص اللي عرفته في أول الجواز؟ هل ممكن يتغير فعلًا؟ لكن لما افتكرت التايمر، وملك وهي بتعيط، وإيدي وهي بترتعش وأنا بخاف أخرج من الحمام، عرفت إن الحب لوحده مش كفاية.
قلت: «أنا مش عايزة أقرر وأنا خايفة. لكن دلوقتي، أنا مش مستعدة أرجع.» المحامي هز راسه. «وده حقك. مش مطلوب منك تاخدي قرار تحت ضغط أو تهديد.» خرجت من المكتب وأنا حاسة إن لأول مرة، حياتي مش متوقفة على قرار مروان. أنا كمان ليا قرار. وليا صوت. وليا حق أقول لأ.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت في نفس الليلة.
الساعة كانت حوالي عشرة بالليل، وكنت قاعدة في أوضة الضيوف بهدهد ملك، لما سمعت صوت أمينة بتناديني من الصالة. «ندى، تعالي يا بنتي. مروان على التليفون مع أبوه، وعايز يكلمه في موضوع مهم.» خرجت، ولقيت الحاج عبد الرحمن ماسك الموبايل، ووشه متغير. كان مروان بيتكلم بصوت عالي من الناحية التانية. «أنا مش هفضل مستني للأبد! يا إما ندى ترجع البيت، يا إما كل واحد يشوف طريقه!» الحاج عبد الرحمن رد: «إنت مش هتحدد لها ترجع إمتى. هي اللي هتقرر.» مروان قال: «طب وأنا؟ أنا مش بني آدم؟ أنا مش ليا حقوق؟» حمايا سكت لحظة، وبعدين قال: «ليّك حقوق وواجبات، يا مروان. وواجبك الأول إنك تتحمل مسؤولية اللي عملته.» فجأة، مروان صرخ: «أنا غلطت، خلاص! هو لازم تدفنوني بالحياة عشان غلطة؟!» الحاج عبد الرحمن رد بهدوء: «إنت لسه بتسميها غلطة وخلاص. إنت لسه مش فاهم.» مروان سكت ثواني، وبعدها قال: «طب ماشي. أنا هاجي بكرة، ونتكلم كلنا. هجيب ندى وملك معايا، ونقفل الموضوع ده.» الحاج عبد الرحمن قال: «مفيش مقابلة بالشكل ده من غير اتفاق مسبق. ولو فيه أي تواصل، هيكون بطريقة آمنة ومناسبة.» مروان قفل الخط. أمينة بصت لجوزها وقالت: «ابننا مش هيسيب الموضوع يعدي بسهولة.» الحاج عبد الرحمن رد: «أنا عارف. لكن مش هنسمح له يضغط عليها.» بصيتلهم وقلت: «أنا مش عايزة مشاكل معاه.
أنا عايزة أربي بنتي في هدوء.» أمينة قربت مني وقالت: «وده اللي هنعمله. مش لازم كل حاجة تتحل النهارده.» لكن في اليوم التالي، مروان ظهر قدام البيت فعلًا. كنت في أوضة النوم لما سمعت جرس الباب بيتكرر بشكل مزعج. بعدها سمعت صوته من بره: «ندى! أنا عارف إنك جوه! افتحي الباب!» قلبي بدأ يدق بسرعة. الحاج عبد الرحمن خرج للصالة، وأمينة راحت تقف جنبي. مروان فضل يخبط، وبعدها صوته علي: «إنتوا مش هتمنعوني من بنتي!» الحاج عبد الرحمن فتح الباب، لكنه فضل واقف عند المدخل، مانعًا إياه من الدخول. «إنت جاي ليه من غير اتفاق؟» مروان قال بعصبية: «أنا جاي أشوف مراتي وبنتي!» «ندى مش موافقة تقابلك دلوقتي، وإنت لازم تحترم ده.» مروان حاول يبص من ورا أبوه. «ندى! تعالي اتكلمي معايا! أنا مش هعملك حاجة!» كنت واقفة بعيد، وبنتي في ح. ضني. كل جزء في جسمي كان بيقوللي ما أقربش. لكن جزء تاني جوايا كان عايز يسمع هو عايز إيه، يمكن عشان أخلص من التوتر اللي عايشة فيه. قربت من الممر، لكني فضلت على مسافة آمنة. قلت بصوت واضح: «أنا سامعاك يا مروان. ومش هقابلك دلوقتي.» بصلي، وملامحه اتبدلت. «إنتِ خايفة مني؟» السؤال كان غريب. هو فعلًا مش فاهم؟ قلت: «أيوه. أنا بقيت بخاف منك.» لأول مرة، شفت وشه يتغير بطريقة مختلفة.
مش غضب بس. كان فيه حاجة شبه الصدمة. يمكن لأنه كان متعود إني أخاف منه وأسكت، مش إني أقولها له بصراحة. قال بصوت أوطى: «ندى، أنا عمري ما كنت عايزك تخافي مني.» رديت: «لكن ده اللي حصل. وبدل ما تحاول تفهم ليه، إنت بتلومني عشان مش برجع.» سكت. وبعدين قال: «طب أعمل إيه؟ قوليلي أعمل إيه عشان ترجعي؟» بصيت لملك، وبعدها رفعت عيني ليه. «الموضوع مش إنك تعمل حاجة واحدة عشان أرجع. الموضوع إنك لازم تفهم إن اللي عملته غلط، وتتحمل مسؤوليته، وتثبت بتصرفاتك إنك مش هتأذينا تاني. وأنا مش بوعدك إني هرجع حتى لو عملت ده.» وشه احمر. «يعني إنتِ بتقوليلي مفيش أمل؟» قلت: «أنا بقولك إن حياتي وحياة بنتي مش تجربة تقدر تغلط فيها كل يوم وتستنى مني أسامحك.» فضل باصصلي لحظات. وبعدين قال جملة ما كنتش متوقعاها: «أنا مش عارف أعمل إيه من غيرك.» للحظة، قلبي وجعني. لأن دي كانت نفس الجملة اللي كنت أتمنى أسمعها منه في الأيام اللي كنت فيها مرهقة ومحتاجة مساعدة. لكن وقتها كان بيقولها عشان أنا اللي محتاجة له. دلوقتي كان بيقولها لأنه فقد السيطرة على حياتي. قلت بهدوء: «اتعلم تعيش من غير ما تتحكم في حد يا مروان. ولو عايز تبقى أب كويس، ابدأ بأنك تتعلم إزاي تحمي بنتك.» الحاج عبد الرحمن طلب منه يمشي، ومروان أخيرًا انسحب.
قبل ما يركب عربيته، بص ناحية البيت، لكنه ما قالش حاجة. وأنا رجعت أوضتي، قفلت الباب، وقعدت على السرير. كنت مرعوبة. لكن لأول مرة، الخوف ما كانش هو اللي بيقرر عني.
مرت أسابيع تانية. بدأت أتعلم روتين جديد مع ملك. كنت بصحى، أرضعها، أغيرلها، وأحيانًا أسيب أمينة تقعد معاها شوية عشان أستحمى أو أنام ساعة. كنت لسه بتعب، ولسه فيه أيام بعيط فيها من غير سبب واضح، لكن الفرق إن محدش كان بيحاسبني على تعبي. محدش كان بيقولي إني مقصرة عشان بنتي عيطت. ومحدش كان بيهددني لو احتجت وقت لنفسي. في يوم، وأنا بغير لملك، لقيت نفسي بضحك. ضحكة صغيرة، لكنها طلعت من قلبي. كانت ملك بتحرك رجليها وبتطلع أصوات غريبة، وكأنها بتحاول تحكيلي حكاية. بصيتلها وقلت: «إنتِ عارفة يا ملك؟ ماما كانت فاكرة إن الدنيا كلها بقت أربع دقايق، لكن إنتِ علمتيني إن الحياة أكبر من كده بكتير.» في اللحظة دي، دخلت أمينة وسمعت آخر جملة. ابتسمت وقالت: «الحمد لله إنك بدأتي ترجعي لنفسك يا بنتي.» لكن مروان كان لسه بيحاول يرجع حياتنا زي ما كانت. بدأ يبعت رسائل طويلة، مرة يعتذر، ومرة يلومني، ومرة يطلب يشوف ملك. وبعد استشارة المحامي، اتفقنا على إن أي تواصل يخص الطفلة يتم من خلال ترتيب آمن ومناسب، وفق ما تسمح به الإجراءات القانونية. وفي نفس الوقت، مروان بدأ يحضر جلسات مع مختص نفسي، بعد ما أبوه اشترط عليه إنه لو عايز أي فرصة لإصلاح علاقته ببنته، لازم يواجه سلوكه بدل ما يبرره. في البداية، كان بيقول إنه رايح عشان يثبت لنا إنه مش محتاج علاج.
لكن بعد فترة، بدأ الكلام يتغير. في رسالة بعتها لي، كتب: «أنا بدأت أفهم إن عصبيتي مش مبرر. وإنك لما كنتِ بتطلبي مني أساعدك، أنا كنت بتعامل مع الموضوع كأنه إزعاج ليا، مش مسؤولية مشتركة.» قرأت الرسالة أكتر من مرة. مكنتش اعتذارًا كاملًا، لكنها كانت أول مرة يعترف فيها بحاجة محددة من غير ما يقول بعدها إن أنا السبب. ومع ذلك، ما رديتش فورًا. كنت محتاجة وقت. ومش مطلوب مني أدي له فرصة لمجرد إنه بدأ يقول الكلام الصح. بعد شهر تقريبًا، المحامي أخبرنا إن مروان وافق على مقابلة منظمة لمناقشة الخطوات المستقبلية، وإنه أبدى استعدادًا للالتزام بأي ترتيبات تضمن سلامة ملك. لكن قبل ما يحصل أي لقاء، جالي اتصال من الدكتورة سمر. قالت: «ندى، أنا كنت عايزة أطمن على ملك، وأشوف لو فيه أي تغيرات لاحظتيها.» طمنتها على بنتي، وبعدها سألتني: «وإنتِ عاملة إيه؟» السؤال البسيط ده خلاني أسكت. وبعدين قلت: «أحسن، بس لسه بخاف لما أسمع صوت حد بيعلي صوته.» الدكتورة ردت: «ده ممكن يحصل بعد فترة طويلة من التوتر والخوف. مهم تدي لنفسك وقت، ولو حسيتي إن القلق مأثر على نومك أو حياتك، ممكن تستفيدي من دعم نفسي متخصص. إنتِ كمان محتاجة رعاية، مش ملك بس.» بعد المكالمة، فكرت في كلامها. طول الفترة اللي فاتت، كنت مركزة على بنتي لدرجة إني نسيت إن أنا كمان محتاجة أتعافى.
بدأت أحضر جلسات دعم نفسي، وأتكلم عن اللي حصل بدل ما أدفنه جوايا. في البداية، كنت بحس بالذنب كل ما أفتكر إني فضلت في البيت رغم كل التهديدات. كنت بسأل نفسي: ليه ما مشيتش من أول مرة؟ لكن الأخصائية ساعدتني أفهم إن الخوف والضغط والإرهاق ممكن يخلوا الإنسان يحس إنه محاصر، وإن مسؤولية أذى مروان تقع عليه هو، مش عليّا. ومع الوقت، بدأت أصدق الكلام ده.
بعد حوالي أربعة شهور من خروجي من البيت، وافقت على مقابلة مروان في مكان محايد، بترتيب مسبق، وبوجود الحاج عبد الرحمن، وبعد استشارة المحامي. ما كانتش مقابلة للرجوع. كانت مقابلة عشان نتكلم بوضوح عن مستقبلنا ومستقبل ملك. دخلت المكان وأنا شايلة بنتي، وكانت كبرت شوية، وبقت تبتسم لما تسمع صوتي. مروان كان قاعد على ترابيزة بعيدة عن الباب. لما شافني، وقف. بص لملك طويلًا، وعينيه لمعت. «كبرت أوي.» قلت: «أيوه. الأطفال بيتغيروا بسرعة.» قعدنا، وفضل مروان يبص لبنته من غير ما يمد إيده ناحيتها. بعد شوية، قال: «أنا عارف إنك مش واثقة فيا.» رديت: «وده طبيعي بعد اللي حصل.» هز راسه. «أنا مش جاي أطلب منك ترجعي النهارده.» الجملة فاجأتني. كمل: «أنا بدأت أفهم حاجات كتير. في الأول كنت فاكر إن المشكلة إنك مش بتسمعي كلامي، وإنك مش منظمة وقتك. لكن في الجلسات، بدأت أكتشف إني كنت بتعامل مع كل حاجة كأنها لازم تكون تحت سيطرتي. حتى عياط ملك كنت بعتبره تحديًا ليا.» حسيت بمرارة في حلقي. قلت: «هي كانت طفلة يا مروان. لسه مولودة.» نزل عينه. «عارف. ودي أكتر حاجة بتوجعني دلوقتي.» سكت لحظة، وبعدين قال: «أنا فاكر اليوم اللي ض. ربتها فيه. وفاكر إني قلتلك إنها لازم تتربى. كل ما أفتكر الجملة دي، بحس إني كنت بحاول أبرر لنفسي حاجة مفيش أي مبرر ليها.
» كانت دي أول مرة أسمعه يتكلم عن اللي حصل من غير ما يلومني أو يقلل من خطورته. لكني ما كنتش مستعدة أصدقه بالكامل. قلت: «أنا مش هقدر أنسى بسهولة.» رد: «مش طالب منك تنسي.» «ومش هقدر أرجع أعيش معاك لمجرد إنك ندمان.» «فاهم.» بصيتله طويلًا. «هل إنت فعلًا فاهم يا مروان؟ لأنك قبل كده كنت بتعتذر، وبعدها ترجع تعمل نفس الحاجة. إيه اللي اتغير المرة دي؟» سكت فترة، وبعدين قال: «مش هقدر أثبتلك بكلمتين. أنا محتاج أكمل شغلي على نفسي، وأتعلم أتحكم في غضبي، وأفهم إن الأبوة مش سلطة. ولو ده معناه إننا مش هنرجع لبعض، فأنا لازم أتحمل النتيجة.» كان كلامه مختلفًا. لكن الفرق الحقيقي مش في الكلام. الفرق كان هيبان مع الوقت. في نهاية المقابلة، سألني: «ممكن أشوف ملك في مقابلة تانية، بالطريقة اللي نتفق عليها وتكون آمنة ليها؟» بصيت لبنتي، وبعدها قلت: «أي مقابلة لازم تكون وفق الترتيبات المناسبة وبما يضمن سلامتها. وهنمشي خطوة خطوة، من غير ضغط.» هز راسه. «موافق.» لما خرجت من المكان، الحاج عبد الرحمن كان ماشي جنبي. سألني: «حاسّة بإيه؟» قلت: «مش عارفة. يمكن مرتاحة إنه بدأ يفهم، لكن لسه مش مطمنة.» رد: «وده حقك. التغيير الحقيقي بيتقاس بالوقت والتصرفات، مش بالوعود.» الجملة دي فضلت في بالي. لأني كنت بدأت أفهم إن النهاية السعيدة مش شرط تكون إني أرجع لجوزي.
النهاية السعيدة ممكن تكون إني أعيش من غير خوف. وإن بنتي تكبر في بيت آمن. وإننا نقدر نضحك من غير ما نبص على الساعة ونخاف من اللي جاي.
عدت ست شهور من يوم ما خرجت من بيت مروان. ملك بقت عندها حوالي سنة، وبدأت تحاول تقف مستندة على الكنبة، وتضحك بصوت عالي لما ألعب معاها. أما أنا، فبدأت أرجع أمارس حياتي بالتدريج. كنت بقضي وقت مع أمي، وأزور صحابي، وأتعلم أعمل حاجات كنت بحبها قبل الجواز. وبمساعدة أسرتي، قدرت أستأجر شقة صغيرة قريبة من بيت أهلي. كانت شقة بسيطة، أوضتين وصالة، لكنها كانت بالنسبالي أكبر من أي قصر. لأن كل حاجة فيها كانت باختياري. لون الستائر. مكان سرير ملك. ريحة القهوة الصبح. حتى صوت الميه وهي بتنزل من الدش. في أول يوم نقلت فيه حاجتي، وقفت في الحمام وبصيت للمكان اللي كنت هحط فيه التايمر لو كنت لسه عايشة مع مروان. افتكرت الأربع دقايق. افتكرت الخوف. وبعدين فتحت الدش، وسبت الميه تنزل براحة. مفيش تايمر. مفيش حد بيخبط على الباب. مفيش حد بيحسب عليّا وقتي. قعدت على الأرض وعيطت. لكن المرة دي، كانت دموع راحة. بعد ما خلصت، خرجت ولقيت ملك قاعدة على السجادة وبتلعب بلعبة صغيرة. شيلتها، وضحكت وهي بتمد إيديها ناحية وشي. قلت لها: «أهو يا ستي، ماما أخيرًا خدت شاور من غير ما حد يحاسبها!» ضحكت أكتر، فضحكت معاها. وفي اللحظة دي، حسيت إني رجعت أعيش فعلًا. أما مروان، فكان مستمر في جلساته، وبدأ يلتزم بالترتيبات المتفق عليها بخصوص التواصل مع ملك، وفق ما كان مناسبًا وآمنًا لها.
ما بقيتش أراقب كل خطوة بيعملها، ولا أعيش مستنية رسالة منه. كنت مركزة على حياتي. ومع مرور الوقت، بدأ يبقى فيه تواصل أكثر هدوءًا في الأمور المتعلقة بملك، من غير تهديدات أو ضغط مباشر عليّا. لكن علاقتنا الزوجية كانت لسه محتاجة قرارًا واضحًا. وفي يوم، جالي اتصال من أستاذ شريف، المحامي. قال: «يا أستاذة ندى، فيه تطور بخصوص الإجراءات. مروان أبدى استعداده للتعاون في تسوية الأمور المتعلقة بالانفصال، مع الحفاظ على حقوقك وحقوق ملك.» حسيت بمزيج غريب من الحزن والراحة. كنت فاكرة إني لما أوصل للحظة دي، هبقى فرحانة وبس. لكن الحقيقة إن إنهاء الجواز مش معناه إن كل الذكريات هتختفي. فيه ذكريات حلوة كانت موجودة. وفيه أحلام كنت بتمنى أعيشها. لكن فيه كمان حقيقة ما ينفعش أنساها: أنا ما كنتش آمنة. وافقت أبدأ الإجراءات القانونية المناسبة، وكنت مصممة إن كل حاجة تتم بهدوء وبما يحفظ حقوقي وحقوق بنتي. وفي يوم توقيع الاتفاق، شفت مروان مرة تانية. كان مختلفًا في شكله، ووشه مرهق. بعد ما خلصنا الكلام مع المحامي، طلب يتكلم معايا لدقايق، ووافقت طالما الكلام في وجود ترتيب آمن. قال: «أنا عارف إننا وصلنا لنهاية مكنتش أتخيلها.» رديت: «ولا أنا.» سكت، وبعدين قال: «أنا آسف يا ندى. مش بس على التايمر، ولا على اللي حصل يومها. أنا آسف على كل مرة خليتك تحسي إنك أقل مني، وكل مرة عاملتك فيها كأن تعبك مش مهم.
» بصيتله، وكنت حاسة إن الكلام ده كان ممكن يفرق معايا جدًا من سنة. لكن دلوقتي، كنت محتاجة أسمعه من غير ما أكون مضطرة أرجع. قلت: «أنا أتمنى إنك فعلًا تتغير يا مروان. مش عشاني أنا، لكن عشان نفسك وعشان ملك. هي تستحق أب يعرف يحبها ويحميها.» هز راسه، وعينيه كانت مليانة دموع. «هحاول.» قلت: «أتمنى لك الخير. لكن أنا مش هرجع للجواز ده.» ما اعترضش. ما هددنيش. ما حاولش يقنعني إني ظالمة. فضل ساكت شوية، وبعدها قال: «فاهم.» خرجت من المكتب وأنا حاسة إن صفحة كبيرة من حياتي بتتقفل. مش لأن كل حاجة بقت سهلة. لكن لأن القرار أخيرًا كان قراري أنا.
بعد انتهاء الإجراءات، بدأت حياتي تستقر أكتر. كنت بشتغل من البيت في كتابة المحتوى، وبقسم وقتي بين الشغل ورعاية ملك. أحيانًا كنت بتعب، وأحيانًا كنت بحس إني مش قادرة ألحق كل حاجة، لكن بدل ما ألوم نفسي، بقيت أطلب المساعدة لما أحتاجها. اتعلمت إن الأمومة مش امتحان لازم أجيب فيه الدرجة النهائية كل يوم. وإن البيت مش لازم يبقى مثالي عشان يبقى بيتًا سعيدًا. وفي يوم، كنت قاعدة على الأرض جنب ملك، وهي بتحاول تمشي ناحيتي خطوتين. مديت إيدي ليها وقلت: «تعالي يا قلب ماما!» خطت خطوة، وبعدها التانية، وبعدين وقعت على الحفاضة بتاعتها وقعدت تضحك. ضحكت معاها لحد ما دموعي نزلت. في اللحظة دي، سمعت جرس الباب. كانت أمي جاية تزورني، ومعاها كيس مليان حاجات للبيت. دخلت وبصتلي وأنا بضحك، فقالت: «إيه يا بنتي؟ إنتِ بتضحكي على إيه؟» قلت وأنا بشاور على ملك: «البنت قررت تمشي وتقع في نفس الدقيقة!» أمي ضحكت، وقعدت جنبي. وبعد شوية، بصتلي بجدية وقالت: «أنا فخورة بيكي يا ندى.» استغربت. «فخورة بيا على إيه؟» قالت: «على إنك قدرتي تقفي على رجلك تاني، رغم كل اللي مريتي بيه. وعلى إنك اخترتي سلامتك وسلامة بنتك، حتى لما القرار كان صعب.» حسيت بغصة في حلقي. «أنا كنت خايفة أوي يا ماما.» مسكت إيدي وقالت: «الشجاعة مش إنك متخافيش. الشجاعة إنك تاخدي خطوة تحمي بيها نفسك رغم خوفك.» ح. ضنتها، وفضلنا قاعدين شوية من غير كلام. كنت محتاجة الح. ضن ده من زمان. وبعدها، وأنا بعمل القهوة، بصيت ناحية الحمام. الباب كان مفتوح، والضوء داخل منه. مفيش تايمر. مفيش تهديد. مفيش خوف. وكان فيه إحساس جديد بيكبر جوايا يوم بعد يوم. إحساس إني أقدر أبدأ من جديد. مش لازم أكون نسيت كل حاجة. ومش لازم أكون قوية كل الوقت. يكفي إني بقيت أعرف إن حقي في الراحة والأمان مش رفاهية. وإن بنتي مش لازم تدفع تمن أخطاء حد تاني. وإن الحب الحقيقي عمره ما كان في يوم عقاب.
بعد سنة تقريبًا من اليوم اللي خرجت فيه من بيت مروان، كنت بلم آخر شوية حاجات شخصية لسه موجودة عنده، وفق ترتيب اتفقنا عليه عن طريق المحامي. كنت رايحة مع أمي، وملك كانت معاها في العربية. الشقة كانت هادية. دخلت أوضة النوم، وبصيت حواليّا. كل حاجة كانت شبه ما هي، لكن أنا كنت مختلفة. ما بقيتش الست اللي كانت بتدخل الحمام وهي بتعد الثواني. ولا الست اللي كانت بتعتذر عن تعبها. ولا الست اللي كانت بتخاف تقول إنها محتاجة مساعدة. دخلت الحمام عشان آخد علبة صغيرة كنت سايباها في الدولاب. وأول ما فتحت الدرج، لقيت التايمر. كان مرمي في آخر الدرج، وشاشته مطفية. مسكته بإيدي. أربع دقايق. افتكرت اليوم اللي شوفته فيه لأول مرة، وإزاي حسيت وقتها إني اتحولت من زوجة وأم لإنسانة لازم تستأذن عشان تعمل أبسط حاجة لنفسها. وقفت شوية وأنا باصة له. وبعدين سمعت صوت مروان من ورايا. «لسه فاكرة التايمر؟» لفيت ناحيته. كان واقف عند باب الحمام، لكنه فضل بعيد، وما حاولش يقرب. قلت: «صعب أنسى حاجة زي دي.» نزل عينه وقال: «أنا عارف.» سكت لحظة، وبعدها قال: «أنا رميته في الدرج عشان كنت عايز أتخلص منه، لكن ما قدرتش أرميه. كل ما بشوفه، بفتكر أنا كنت بفكر إزاي.» بصيتله بهدوء. «وإنت دلوقتي بتفكر إزاي؟» اتنهد وقال: «بقيت فاهم إن اللي عملته كان محاولة للسيطرة، مش تنظيم للوقت. كنت شايف إن كل حاجة لازم تمشي على مزاجي، حتى جسمك وراحتك وعياط بنتي. كنت فاكر إن كوني راجل البيت معناه إن كلامي لازم يتنفذ.» سكت شوية. «أنا مش هطلب منك ترجعي. عارف إن ده مش حقي أفرضه عليكي. لكن كنت عايز أقولك إني آسف.» بصيت للتايمر في إيدي، وبعدها حطيته على الرف. قلت: «أتمنى إنك تكون اتعلمت فعلًا. لأن مفيش أي طفل يستحق يخاف من أبوه، ومفيش أي زوجة تستحق تعيش وهي خايفة من جوزها.» هز راسه. «معاكي حق.» خرجت من الحمام، وخدت آخر حاجتي. وقبل ما أمشي، وقفت عند الباب وبصيت للشقة للمرة الأخيرة. مكان كنت فاكرة إنه هيكون بيت عمري. لكن الحقيقة إنه كان مجرد فصل من حياتي. فصل مؤلم، لكنه علمني حاجات ما كنتش هتعلمها بالطريقة السهلة. علمني إن التنازل المستمر مش دايمًا دليل حب. وإن السكوت مش دايمًا بيحافظ على البيت. وإن الاعتذار من غير تغيير مجرد كلام. خرجت، وقفلت الباب ورايا. وفي العربية، أمي سألتني: «إنتِ كويسة يا ندى؟» بصيت لملك اللي كانت بتلعب في كرسيها الصغير، وابتسمت. «أيوه يا ماما. أنا كويسة.» ولأول مرة، ما كنتش بقولها عشان أطمن حد. كنت بقولها لأن دي كانت الحقيقة فعلًا.
عدت سنتين. ملك بقت طفلة جميلة، بتجري في البيت، وتتكلم بكلمات صغيرة، وتضحك لما تسمع أغاني الأطفال. أما أنا، فبقيت أعيش حياة هادية، أشتغل، وأربي بنتي، وأخرج معاها الحديقة، وأتعلم أستمتع بالحاجات البسيطة اللي كنت فاقداها. مروان فضل أب لملك، لكن علاقتنا بقت مقتصرة على ما يخصها، وفق الترتيبات المناسبة. ومع مرور الوقت، بقيت أقدر أتعامل مع أي تواصل ضروري من غير ما أحس إن حياتي كلها بتقف عنده. ما رجعناش لبعض. وده ما كانش معناه إن حياتي فشلت. بالعكس، بدأت أفهم إن النجاح مش إنك تتمسك بعلاقة مهما كانت مؤذية. النجاح إنك تعرف إمتى تحافظ على نفسك وعلى اللي بتحبهم. في يوم من أيام الربيع، أخدت ملك للحديقة. كانت بتجري ورا الفراشات، وكل شوية ترجعلي وهي بتضحك. قعدت على مقعد خشبي، وفتحت شنطتي عشان أطلع زجاجة الميه بتاعتها. لقيت جنبها صورة قديمة ليا وأنا حامل. كنت مبتسمة في الصورة، وإيدي على بطني، وعيني مليانة أحلام. بصيت للصورة طويلًا. ما زعلتش من الست اللي كنتها. ما قلتش عليها إنها كانت ضعيفة لأنها فضلت، ولا لأنها خافت، ولا لأنها حاولت تصلح العلاقة. بالعكس، حسيت بحنان ناحيتها. هي كانت بتحاول تعمل أفضل حاجة تقدر عليها، بالمعلومات والقوة اللي كانت عندها وقتها. رفعت عيني، ولقيت ملك جاية تجري ناحيتي، وفي إيديها وردة صغيرة وقعت من شجرة قريبة.
قالت بفرحة: «ماما، دي ليكي!» أخدت الوردة منها، وبوستها على خدها. «شكرًا يا حبيبتي. دي أجمل وردة في الدنيا.» قعدت جنبي، وحطت راسها على رجلي. بصيت للسما، وافتكرت كل اللي حصل. افتكرت الأربع دقايق اللي كنت بحاول أخلص فيهم الاستحمام. وافتكرت الليالي اللي كنت بخاف فيها من عياط بنتي. وافتكرت اليوم اللي خرجت فيه من البيت وأنا مش عارفة بكرة هيكون عامل إزاي. لكن افتكرت كمان أول ليلة نمت فيها من غير خوف. وأول مرة استحميت من غير ما أبص على الساعة. وأول مرة ضحكت من قلبي بعد شهور من التعب. وأول مرة قلت «لأ» من غير ما أعتذر بعدها. بصيت لملك، وقلت لنفسي إن كل خطوة صعبة أخدتها كانت تستحق. مش لأن الألم اختفى تمامًا، لكن لأن الألم ما بقاش هو اللي بيحكم حياتي. رجعنا البيت قبل المغرب. حضرت العشا ليا ولبنتي، وبعدها دخلت أحممها. كانت بتلعب بالميه وتضحك، وأنا بضحك معاها. ولما خلصنا، لفيتها في فوطة ناعمة، وشيلتها وخرجت بيها. في اللحظة دي، بصيت ناحية الحمام، وافتكرت التايمر القديم. وبعدين بصيت لبنتي، وقلت: «عارفة يا ملك؟ ماما زمان كانت فاكرة إن الوقت اللي بتاخده لنفسها لازم يكون محسوب بالثانية. لكن دلوقتي عرفت إن الإنسان من حقه يرتاح، ومن حقه يقول تعبت، ومن حقه يعيش من غير ما يخاف.
» ملك ما كانتش فاهمة كلامي، لكنها ابتسمت ومدت إيديها الصغيرة ناحية وشي. ح. ضنتها، وفضلت شايلاها شوية. وبعدين حطيتها في سريرها، وقعدت جنبها لحد ما نامت. خرجت للصالة، وعملت لنفسي كوباية شاي، وقعدت جنب الشباك. الشارع كان هادي، والهواء لطيف، وصوت الأطفال اللي بيلعبوا تحت كان واصل من بعيد. رفعت الكوباية لشفايفي، وخدت أول رشفة. ما كانش فيه أي صوت بيستعجلني. ما كانش فيه حد بيحسب عليّا وقتي. ما كانش فيه تايمر بيحددلي إمتى لازم أخلص. كان فيه أنا. وبيتي. وبنتي. وحياة جديدة بنيتها خطوة خطوة، حتى في الأيام اللي كنت فاكرة فيها إني مش هقدر أكمل. ابتسمت، وهمست لنفسي: «الحمد لله إنّي مشيت.» لأن اليوم اللي خرجت فيه من البيت ما كانش اليوم اللي خسرت فيه جوازي. كان اليوم اللي بدأت فيه أرجع لنفسي. واليوم اللي فهمت فيه إن بنتي تستحق تكبر وهي عارفة إن الحب أمان، وإن البيت ح. ضن، وإن عياطها مش ذنب، وإن محدش من حقه يخوفها عشان يسكتها. وإن أنا كمان أستحق كل ده. ومن يومها، ما بقاش فيه تايمر بيحسب عليّا حياتي؛ بقيت أنا اللي بختار وقتي، وبقيت ملك تكبر في بيت مفيهوش خوف، وتعرف إن أمها اختارت الأمان ليها ولنفسها، وإن النهاية السعيدة مش دايمًا إننا نرجع للي وجعنا، ساعات النهاية السعيدة إننا نعرف نبدأ من جديد.
تمت بحمد الله.
حكايات الكاتبة انجي الخطيب