عائله جوزي عمرها
بطلة الحلبة اللي عيلة جوزها ما تعرفش حقيقتها
حكاية كاملة بالعامية المصرية عن الإهانة، والخېانة، وكشف الأسرار، واللحظة اللي فيها السكوت بيتحوّل لقوة.
الفصل الأول تلات ثواني قبل ما كل حاجة تتغيّر
قدامك تلات ثواني…
قلت الجملة بهدوء، وأنا باصة في عين أخو جوزي، وإيده لسه قابضة على معصمي.
الجنينة كلها سكتت.
من شوية بس، كان المكان مليان ضحك وهزار، وصوت الشواية، وريحة اللحمة المتبلة، والأطفال اللي بيجروا بين الترابيزات. لكن في اللحظة دي، حتى صوت الهوا بين الشجر بقى واضح.
أخو جوزي كان لسه مبتسم، بس ابتسامته بدأت تتغير.
بصلي باستغراب، وبعدها ضحك ضحكة قصيرة وقال
إنتِ بتقولي إيه يا حلوة؟ هو إنتِ فاكرة نفسك بتخوفيني؟
ما رديتش.
بصيت لإيده اللي ماسكة معصمي، وبعدها رجعت بصيت له.
قلت للمرة التانية
تلات ثواني.
جوزي كان واقف على بعد خطوتين مننا، ووشه متوتر. كان واضح إنه عايز يتدخل، لكنه كان عارف إني مش محتاجة حد يتكلم مكاني في اللحظة دي.
أما أخت جوزي، فكانت واقفة جنب باب التراس، ماسكة موبايلها بإيدين بيرتعشوا.
صړخت تاني
سيبها يا أخويا! إنت مش فاهم إنت ماسك مين!
أخو جوزي لف وشه ناحيتها وقال بعصبية
إنتِ كمان هتدخلي في الموضوع؟ إيه حكايتكم النهارده؟ دي مراتي أخويا، مش ملكة متوجة!
حماتي رفعت نفسها من على الكرسي، وعدلت نضارتها، وقالت بنبرة ضيق
ممكن حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟ إحنا جايين نقضي يوم حلو، مش نعمل مسرحية!
لكن محدش رد عليها.
لأن أخت جوزي كانت لسه باصة للموبايل، وكأنها شافت شبح طالع من الماضي.
وأخو جوزي، رغم إنه كان بيحاول يبان واثق من نفسه، بدأ يضغط على إيدي أكتر.
هنا، قلت له آخر مرة
واحد.
ابتسامته اختفت.
اتنين.
حاول يشدني ناحيته، وقال باستهزاء
وإيه اللي هيحصل لما أوصل للتلاتة؟
أنا ما جاوبتش.
قلت بهدوء
تلاتة.
وفي اللحظة دي، بدأت الحكاية اللي عيلة جوزي ما كانتش تعرف عنها أي حاجة.
حكاية الست اللي قعدت سنين تخبي ماضيها، مش لأنها بتخجل منه، لكن لأنها كانت عايزة تعيش حياة طبيعية، بعيد عن الأضواء، والبطولات، والناس اللي ما كانتش بتشوف فيها غير مقاتلة لازم تكسب في كل لحظة.
حكاية بطلة سابقة كانت بتعرف تدافع عن نفسها، لكنها اختارت السلام.
وحكاية راجل افتكر إن الهدوء ضعف، وإن الست اللي قدامه مجرد واحدة يقدر ېهينها قدام عيلته من غير ما تدافع عن كرامتها.
لكن قبل ما تعرفوا إيه اللي حصل بعد التلات ثواني، لازم أرجع بيكم عشر سنين لورا.
لليوم اللي اتعلمت فيه إن أصعب معركة في الدنيا مش دايمًا بتكون جوه الحلبة.
أوقات أصعب معركة بتكون مع نفسك، ومع الناس اللي بتحبهم، ومع الماضي اللي مهما حاولت تهرب منه، بيفضل مستني اللحظة المناسبة عشان يظهر من جديد.
الفصل التاني قبل ما أبقى مرات حد
قبل ما أبقى زوجة، وقبل ما حد يناديني بلقب مدام، وقبل ما أدخل عيلة جوزي وأحاول أكون فرد طبيعي فيها، كنت إنسانة تانية تمامًا.
كنت بنت عندها عشرين سنة، بتصحى كل يوم قبل الفجر، تربط شعرها، تلبس هدوم التدريب، وتنزل تجري في الشوارع الهادية قبل ما المدينة تصحى.
كنت برجع البيت وركبي بتوجعني، وكتافي مشدودين من التمرين، وإيدي فيها آثار الساعات الطويلة اللي قضيتها بتتعلم إزاي تتحكم في حركتها.
لكن رغم التعب، كنت بحس إني في مكاني الصح.
بالنسبة لي، الرياضة ما كانتش مجرد وسيلة أكسب بيها بطولات أو أخلي الناس تصقفلي.
كانت المكان الوحيد اللي كنت بحس فيه إن كل حاجة واضحة.
لو اجتهدت، هتتقدم.
لو غلطت، هتتعلم.
ولو خسړت، هتقوم تاني وتحاول.
ما كانش فيه حد يقدر يشتري نتيجة مباراة بكلمتين، ولا حد يقدر يغيّر الحقيقة لمجرد إنه صوته أعلى من صوتك.
كنت بتدرب على الفنون القتالية المختلطة، وهي رياضة محتاجة قوة ولياقة وانضباط، لكن الأهم من كل ده إنها محتاجة عقل هادي.
مدربي كان دايمًا يقول لي
القوة الحقيقية مش إنك تعرفي توقعي اللي قدامك. القوة الحقيقية إنك تعرفي إمتى ما تحتاجيش توقعيه أصلًا.
الجملة دي فضلت معايا سنين طويلة.
كنت في البداية متدربة عادية، محدش يعرفني غير اللي موجودين في النادي.
لكن مع الوقت، مستوايا اتحسن، وبدأت أشارك في بطولات محلية، وبعدها بطولات أكبر.
ما كانش الطريق سهل.
كنت بخسر أوقات، وأرجع أتدرب أكتر.
كنت بخاف قبل بعض المنافسات، لكني اتعلمت إن الخۏف مش معناه إنك ضعيف؛ معناه إنك فاهم إن اللي قدامك محتاج تركيز واحترام.
وفي سن الخامسة والعشرين، وصلت للحظة اللي كنت بحلم بيها.
بقيت بطلة وطنية في فئتي.
النهارده ده ممكن يبان مجرد لقب، لكن وقتها كان نتيجة سنين من التعب والتضحيات.
الناس بدأت تعرف اسمي، والصحفيين بقوا يسألوني عن تدريبي، والمدربين الأصغر سنًا بقوا يستعينوا بتجربتي.
وكان عندي اسم رياضي بيتردد في البطولات
العاصفة الهادية.
اللقب ما جاش من فراغ.
كنت هادية قبل المنافسات، وهادية بعدها، وحتى لما كنت بتعرض لضغط كبير، كنت بحاول أحافظ على تركيزي.
لكن حياتي ما كانتش كلها نجاح.
فيه حاجات حصلتلي في الفترة دي خلتني أراجع علاقتي بالرياضة، وبالناس، وبنفسي.
أولها كان إصابة في كتفي احتاجت فترة طويلة من العلاج والتأهيل.
ما كانتش نهاية مسيرتي بالضرورة، لكن كانت بداية أسئلة ما كنتش فكرت فيها قبل كده.
هل عايزة أفضل أعيش حياتي كلها مستنية البطولة الجاية؟
هل عايزة كل الناس تعرفني من خلال قدرتي على المنافسة؟
وهل أنا فعلًا سعيدة، ولا بقيت متعلقة بفكرة إني لازم أثبت كل يوم إني أستحق المكان اللي وصلت له؟
قضيت شهور وأنا برجع لياقتي بالتدريج، وبعيد حساباتي.
وفي الفترة دي، خسړت شخص كان قريب مني جدًا، مدرب علمني إن الانضباط أهم من الڠضب، وإن الفوز من غير احترام ما يستاهلش الاحتفال.
ۏفاته أثرت فيا أكتر مما كنت متوقعة.
لأول مرة، بدأت أفكر في حياة ما تكونش كل تفاصيلها مرتبطة بالبطولات.
حياة أقدر فيها أصحى الصبح وأعمل فطار، وأخرج أشتري حاجات البيت، وأقعد مع ناس بتحبني من غير ما تكون مستنية مني أحقق إنجاز جديد.
كنت عايزة أعرف أنا مين بعيد عن الحلبة.
وبعد فترة طويلة من التفكير، قررت أوقف المنافسات الاحترافية.
ما أعلنتش اعتزالي بطريقة كبيرة، وما عملتش مؤتمر صحفي.
كل اللي عملته إني اعتذرت عن المشاركة في البطولة اللي كانت جاية، وبدأت أركز على شغلي وحياتي الجديدة.
احتفظت بميدالياتي، وحزام البطولة، وبعض الصور القديمة في صندوق مقفول.
ما كنتش بكره الماضي.
كنت بس محتاجة مساحة أعيش فيها من غير ما الماضي يسبقني لكل مكان.
لكن ما كنتش أعرف إن بعد سنين، الصندوق ده هيتفتح بطريقة ما كنتش أتخيلها أبدًا.
وإن السر اللي كنت بحافظ عليه عشان أعيش بهدوء، هيبقى السبب اللي يخلّي عيلة كاملة تعيد التفكير في كل حاجة كانت فاكرة إنها عارفاها عني.
الفصل التالت الراجل اللي شافني من غير ما يعرف أنا مين
قابلت جوزي بعد ما بطلت أشارك في البطولات بحوالي سنة.
كنت وقتها بشتغل في مركز رياضي، بساعد في تنظيم البرامج التدريبية، وبدرّب مجموعة صغيرة من الشباب على اللياقة والانضباط الرياضي.
ما كنتش بحب أتكلم عن البطولات القديمة، ولو حد سألني كنت بقول إني كنت بلعب رياضة زمان، من غير تفاصيل.
في يوم شتوي، دخل المركز شاب طويل، لابس جاكيت غامق، وشايل شنطة على كتفه.
كان بيدوّر على مكان يساعده يرجع لياقته بعد فترة انشغال طويلة بالشغل.
كان اسمه، في