عائله جوزي عمرها
عمري ما كنت متخيل إنك كنتِ بتلعبي في بطولات بالشكل ده.
قلت له
إنت عرفت.
هز راسه.
أيوه. بس أنا مش جاي أتكلم عن ده.
استنيت يكمل.
قال
أنا جاي أقولك إني كنت غلطان.
ما رديتش فورًا.
كمل
أنا طول عمري متعود إن الناس تسمع كلامي. في البيت، وفي الشغل، ومع أصحابي. ولما حد بيعارضني، بحس إنه بيتحداني.
قلت له
وده بيديك الحق تهينه؟
نزل عينه للأرض.
لأ.
فضل ساكت لحظات، وبعدين قال
أنا ما كنتش فاهم إن تصرفاتي بتضايق الناس بالشكل ده.
قلت له
يمكن كنت فاهم، بس ما كنتش بتاخد الموضوع بجدية.
رفع عينه ناحيتي.
ما أنكرش الكلام.
قال
يمكن.
وبعدين أخد نفسًا طويلًا.
أنا آسف على اللي حصل يوم الشواء. مش عشان إنتِ كنتِ بطلة، ولا عشان الناس شافت الفيديو. أنا آسف عشان ما كانش من حقي أعمل اللي عملته.
لأول مرة، حسيت إن الاعتذار ممكن يكون حقيقيًا.
مش لأنه قال الكلمات الصح وبس، لكن لأنه أخيرًا فصل بين احترامه ليا وبين ماضيّ.
قلت له
أنا قبلت اعتذارك.
وشه ارتاح قليلًا.
لكني كملت
بس ده مش معناه إننا هنرجع نتعامل كأن مفيش حاجة حصلت. الثقة بترجع مع الوقت، من خلال التصرفات.
هز راسه.
فاهم.
قام من مكانه، وقبل ما يمشي، وقف عند الباب وقال
على فكرة، أنا شفت باقي الفيديوهات القديمة.
بصيت له باستغراب.
قال بسرعة
مش قصدي أتدخل في حياتك. بس… كنت عايز أفهم إنتِ كنتِ بتلعبي إزاي.
ابتسمت رغمًا عني.
وفهمت؟
ضحك ضحكة خفيفة.
فهمت إن الجيم اللي بروحه مش هيخليني بطل عالم.
ضحكت أنا كمان.
كانت أول مرة نضحك سوا من غير ما يكون الضحك على حساب حد.
لكن الأهم إنني ما حسيتش إني محتاجة أكون بطلة قدامه.
لأن الاعتذار الحقيقي ما بيحتاجش إن الطرف التاني يكون أقوى منك.
بيحتاج بس إنك تكون مستعد تعترف إنك غلطت.
الفصل السابع عشر اليوم اللي جوزي اختار فيه نفسه كمان
بعد ما أخو جوزي مشي، رجعت البيت في آخر اليوم، ولقيت جوزي مستنيني.
حكيت له عن الزيارة، وكان سعيدًا إن أخوه بدأ يراجع تصرفاته.
لكن بعد شوية، قال لي
فيه حاجة أنا كمان محتاج أتكلم معاكي فيها.
قعدت جنبه.
قال
أنا اكتشفت إني كنت بحاول أرضي كل الناس، حتى لو ده على حساب نفسي.
استنيت يكمل.
كنت فاكر إن لو فضلت ساكت، المشاكل هتقل. وإن لو ما اعترضتش على أمي أو أخويا، العيلة هتفضل متماسكة.
بصلي.
بس أنا كنت بغلط في حق نفسي، وبغلط في حقك كمان.
قلت له
إنت مش مسؤول عن كل تصرفاتهم.
رد
عارف. لكن أنا مسؤول عن موقفي منها.
الجملة دي كانت مهمة.
لأن جوزي ما كانش محتاج يتحول لشخص عصبي، ولا يدخل في منافسة مع أخوه.
كان محتاج بس يعرف إن الحب مش معناه إنه يسمح للناس يتجاوزوا حدوده.
قال
أنا هحاول أكون أوضح من كده. لو فيه حاجة غلط، هقول إنها غلط. حتى لو الشخص اللي عملها حد من عيلتي.
ابتسمت.
وده كل اللي كنت محتاجاه منك.
قرب مني، وحط راسه على كتفي للحظة.
وبعدين قال
بس فيه سؤال لسه محيرني.
ضحكت.
إيه هو؟
قال
إنتِ بجد كنتِ بتقدري تفضلي هادية بالشكل ده وإنتِ جوه الحلبة؟
فكرت قليلًا.
مش دايمًا. كنت بتوتر، وبخاف، وأحيانًا كنت بتضايق من نفسي لو غلطت. بس التدريب علمني إني مش لازم أتصرف مع كل إحساس بيجيلي.
سألني
يعني إيه؟
قلت
يعني ممكن أكون غاضبة، لكن ده مش معناه إن الڠضب لازم يقرر مكاني. وممكن أكون قوية، لكن ده مش معناه إني لازم أستخدم القوة في كل موقف.
ابتسم.
واضح إن عندي حاجات كتير أتعلمها منك.
قلت له
وأنا كمان عندي حاجات أتعلمها منك.
ضحك.
في الليلة دي، ما اتكلمناش عن أخوه كتير.
اتكلمنا عن نفسنا، وعن حياتنا، وعن البيت اللي عايزين نبنيه سوا.
وفهمت إن اللي حصل ما كانش مجرد اختبار لقوتي أنا.
كان اختبارًا لعلاقتنا كلها.
والحقيقة إننا ما كناش محتاجين نخرج منه منتصرين على حد.
كنا محتاجين نخرج منه فاهمين بعض أكتر.
الفصل الثامن عشر رجوعي للحلبة، لكن المرة دي بشكل مختلف
بعد حوالي شهرين من يوم الشواء، اتصل بيا مدربي القديم مرة تانية.
قال إنه بينظم يومًا رياضيًا للشباب، وإنه عايزني أشارك في ندوة صغيرة عن الانضباط والتحكم في النفس.
في البداية، ترددت.
كنت بعيدة عن الأضواء لفترة طويلة، وما كنتش عايزة أرجع أعيش نفس الحياة القديمة.
لكن لما شرح لي إن اليوم هيكون هدفه تشجيع الشباب على ممارسة الرياضة بشكل آمن، وإنه مش محتاج مني أرجع للمنافسات، وافقت.
رحت المركز في الموعد المحدد.
المكان كان مختلفًا عن آخر مرة دخلته فيها.
فيه شباب صغيرين بيتدربوا، ومدربون بيتابعوا التمارين، وأهالي واقفين يتفرجوا.
أول ما دخلت، المدرب استقبلني بابتسامة كبيرة.
قال
أهلًا بالعاصفة الهادية.
ضحكت.
لسه فاكر اللقب ده؟
رد
ده لقب ما يتنسيش.
قعدنا نتكلم مع الشباب عن تجربتي.
سألني واحد منهم
إيه أهم حاجة لازم اللاعب يتعلمها عشان يبقى قوي؟
كنت أقدر أتكلم عن السرعة، واللياقة، والتدريب، والتغذية.
لكنني قلت له
إنه يعرف إن القوة مش معناها إنه يكسب كل مواجهة. القوة معناها إنه يعرف هدفه، ويحترم اللي قدامه، ويقدر يتحكم في تصرفاته تحت الضغط.
شاب تاني سألني
طب لو حد استفزك؟
ابتسمت.
مش كل استفزاز محتاج رد. لكن ده مش معناه إنك تسمح لحد يتجاوز حدودك. فيه فرق بين إنك تتجاهل حاجة صغيرة، وبين إنك تسكت عن تصرف مؤذٍ بيتكرر.
فضلت أتكلم معاهم حوالي ساعة.
ولما خلصنا، جت بنت صغيرة كانت قاعدة في الصف الأول.
قالت
أنا كنت فاكرة إن البطلات لازم يبقوا أقوياء طول الوقت.
نزلت لمستواها وقلت
لأ يا حبيبتي. حتى البطلات بيتعبوا وبيخافوا وبيحتاجوا مساعدة أوقات. المهم إنك تتعلمي من تجاربك، وتعرفي إن قيمتك مش مرتبطة بإنك تكسبي كل مرة.
ابتسمت لي.
وفي اللحظة دي، حسيت إني أخيرًا رجعت لجزء من الماضي كنت مستعدة أحتفظ بيه.
مش عشان أرجع أعيش فيه.
لكن عشان أستفيد منه.
في آخر اليوم، مدربي عرض عليّا أساعد في تدريب مجموعة من المبتدئين مرة أو مرتين في الأسبوع.
فكرت شوية، وبعدين وافقت.
ما كنتش ناوية أرجع للمنافسات.
لكنني اكتشفت إن فيه طرق كتير أقدر أشارك بيها خبرتي من غير ما أرجع لنفس الحياة اللي اخترت أسيبها.
ولأول مرة من سنين، ما حسيتش إن ماضيّ عبء لازم أخبيه.
حسيت إنه جزء مني، أقدر أفتخر بيه من غير ما أحتاج أثبت بيه أي شيء لأي حد.
الفصل التاسع عشر آخر تجمع عائلي
بعد ست شهور تقريبًا من يوم الشواء، حماتي دعتنا على الغدا.
كانت دعوة بسيطة، من غير احتفال كبير، ومن غير عدد ضخم من الأقارب.
قبل ما نروح، جوزي سألني
إنتِ مرتاحة إننا نروح؟
قلت له
أيوه. ولو حصل أي تجاوز، إحنا عارفين هنتصرف إزاي.
وصلنا البيت، ولقينا حماتي بتجهز الأكل.
استقبلتنا بشكل طبيعي، وسألتني عن شغلي في المركز الرياضي.
لما حكيت لها إني بدأت أساعد في تدريب المبتدئين، ابتسمت وقالت
ربنا يوفقك يا بنتي.
ما كانش كلامها كبيرًا، لكنه كان مختلفًا عن الطريقة اللي كانت بتتعامل بيها معايا قبل كده.
أخته كانت موجودة، وجت تسلم عليا، وبعدها قالت
أنا لسه محتفظة بالفيديو القديم.
ضحكت وقلت
خليه عندك، بس ما تنشريهوش من غير ما تسأليني.
قالت بسرعة
طبعًا. اتعلمت الدرس.
بعد شوية، دخل أخو جوزي.
كان هادي أكتر من المعتاد.
سلم على الكل، ولما وصل عندي، قال
أهلًا.
رديت
أهلًا.
ما كانش فيه توتر واضح، لكن برضه ما كناش بقينا أقرب أصحاب في الدنيا.
وده كان طبيعيًا.
مش كل علاقة لازم ترجع زي الأول.
بعض العلاقات بتتحسن لما الناس تتعلم تحترم المسافة المناسبة بينها.
قعدنا على الترابيزة، وبدأ الغدا.
وفي نص الكلام، أخو جوزي حكى موقفًا حصل في
شغله، وإنه كان متعصب من أحد زملائه.
وبعدين قال
بس المرة دي سكت شوية قبل ما أرد.
جوزي ابتسم وقال
إيه ده؟ إنت بتتغير ولا إيه؟
أخوه ضحك.
بحاول.
بصلي للحظة، وبعدها قال
واضح إن الواحد ممكن يتعلم من الناس اللي ما كانش فاهمهم.
ما علقتش كتير.
اكتفيت بابتسامة.
بعد الغدا، كنت واقفة في المطبخ بساعد حماتي، لما قالت لي فجأة
ممكن أسألك سؤال؟
قلت
طبعًا.
قالت
إنتِ زعلانة مني لحد دلوقتي؟
وقفت عن ترتيب الأطباق.
فكرت قليلًا قبل ما أجاوب.
أنا مش بحاول أعيش وأنا شايلة زعل من حد. بس اللي حصل علمني حاجات، ومش هقدر أنساها تمامًا.
هزت راسها.
أنا كنت فاكرة إن الحفاظ على العيلة معناه إننا ما نكبرش المشاكل.
قلت
الحفاظ على العيلة مهم، لكن مش على حساب كرامة أي حد فيها.
بصتلي طويلًا، وبعدها قالت
أنا فهمت ده متأخر.
رديت
المهم إننا نحاول نعمل الصح من دلوقتي.
ما حضنتنيش، وما بكتش، وما حصلش مشهد درامي زي اللي بنشوفه في الأفلام.
لكنها قالت
شكرًا إنك اديتينا فرصة تانية.
ابتسمت.
الفرصة التانية مسؤولية على الكل.
رجعنا الصالة، ولقيت جوزي بيضحك مع أخوه.
وقفت أتفرج عليهم لحظة.
كانوا بيتكلموا كأخوين، من غير استعراض قوة، ومن غير محاولة لإثبات مين فيهم صاحب الكلمة الأخيرة.
ما كنتش عارفة إذا كان التغيير ده هيستمر للأبد.
لكنني عرفت حاجة واحدة.
أنا مش مضطرة أضمن إن كل الناس هتتغير عشان أعيش بسلام.
أنا بس محتاجة أعرف حدودي، وأحترم نفسي، وأختار الناس اللي يقدروا يحترموا الحدود دي.
الفصل العشرين الحقيقة اللي فهمتها بعد كل ده
في نهاية السنة، كنت قاعدة في البيت، براجع بعض الصور القديمة اللي احتفظت بيها.
طلعت صندوق الميداليات من الدولاب، وفتحته.
كان حزام البطولة موجودًا في القاع، وتحته صور من أيام المنافسات.
مسكت واحدة من الصور.
كنت فيها واقفة وسط زميلاتي، مبتسمة، ووشي مليان حماس.
افتكرت البنت اللي كنتها.
افتكرت الأيام اللي كنت بصحى فيها بدري، وأتمرن لساعات، وأحلم بالبطولة اللي بعدها.
افتكرت الخۏف، والتعب، والنجاح، والخسارة.
وبعدين افتكرت يوم الشواء.
البيرة اللي نزلت على شعري.
ضحك الناس.
إهانة أخو جوزي.
وإيده اللي مسكت معصمي.
افتكرت كمان اللحظة اللي قلت له فيها إن قدامه تلات ثواني.
في البداية، كنت فاكرة إن أهم شيء في القصة كلها هو إنه اكتشف إني كنت بطلة.
لكن مع الوقت، فهمت إن دي ما كانتش النقطة الأساسية.
النقطة الأساسية كانت إنني كنت إنسانة تستحق الاحترام قبل ما حد يعرف أي شيء عن ماضيّ.
ما كانش لازم أكون بطلة.
ما كانش لازم أكون قوية بدنيًا.
ما كانش لازم يكون عندي حزام ذهبي أو صور في الصحف.
كان يكفي إني إنسانة، وإن من حقي أعيش من غير إهانة أو ټهديد أو اعتداء على حدودي.
قفلت الصندوق، ورجعته مكانه.
وبعدين سمعت جوزي بيناديني من المطبخ
الأكل جاهز!
ابتسمت، وقمت من مكاني.
كانت لحظة عادية جدًا.
لا جمهور بيصفق.
لا مذيع بيعلن اسمي.
لا حلبة، ولا منافسة، ولا حد مستني مني أكسب.
مجرد بيت هادي، وراجل بحبه، وحياة اخترت أبنيها بنفسي.
وده كان كل اللي كنت محتاجاه.
بعد سنة من يوم الشواء، اتعلمت عيلة جوزي درسًا ما كانش أي واحد فيهم يتوقع إنه يتعلمه من ست كانوا فاكرين إنها هادية لدرجة إنها مش هتعرف تدافع عن نفسها.
اتعلموا إن الهدوء مش ضعف.
وإن السكوت مش دايمًا خوف.
وإن الشخص اللي ما بيحبش المشاكل، مش بالضرورة شخص عاجز عن مواجهتها.
لكن أهم درس اتعلمته أنا شخصيًا كان مختلفًا.
أنا ما احتجتش أرجع للحلبة عشان أثبت إني قوية.
وما احتجتش أضرب أخو جوزي عشان أسترد كرامتي.
وما احتجتش أفضح حد أو أنتقم منه عشان أحس إني انتصرت.
كل اللي احتجته إني أوقف الإهانة، وأحط حدودًا واضحة، وأرفض إن حد يقرر بالنيابة عني إيه اللي المفروض أقبله وإيه اللي المفروض أسكت عنه.
أما لقب العاصفة الهادية، ففضل جزءًا من ماضيّ.
لكن معناه اتغير بالنسبة لي.
العاصفة مش لازم تهدم كل حاجة في طريقها.
أحيانًا، أقوى عاصفة هي اللي تعرف إمتى تهدأ، وإمتى تتحرك، وإمتى تسيب المكان من غير ما تخسر نفسها.
وفي النهاية، لو فيه حاجة واحدة كنت أتمنى إن كل اللي حضروا يوم الشواء يفهموها، فهي دي
ما تستناش تعرف إن الشخص اللي قدامك بطل، أو غني، أو صاحب نفوذ، عشان تقرر تحترمه. احترمه لأنه إنسان. لأن القيمة الحقيقية مش في القوة اللي تقدر تستخدمها ضد غيرك، لكن في احترامك للناس حتى لما تكون قادرًا على إيذائهم.
وده كان انتصاري الحقيقي.
مش يوم ما ظهرت صورتي القديمة على شاشة الموبايل.
ولا يوم ما أخو جوزي اعتذر.
ولا حتى يوم ما عيلته كلها عرفت أنا كنت مين.
انتصاري الحقيقي كان يوم ما بطلت أحتاج أشرح لأي حد أنا مين، وبقيت واثقة إن حقي في الاحترام مش محتاج شهادة بطولة.