جوزي وامه طردوني

كاهلي. لم يتركني كريم وشأني حتى في يوم طلاقنا! لكنني لم أبكِ. مسحت دمعة كادت تسقط، وذهبتُ مباشرة إلى المحكمة لتقديم بلاغ رسمي بالتزوير والاستيلاء على بياناتي الشخصية.

الجزء الثالث سر الدلاية الفضية
في طريق عودتي لبيتي القديم في طنطا، مررت مرة أخرى بجانب تلك المكتبة القديمة. شيء ما دفعني للدخول. صاحب المكتبة رجل عجوز بلحية بيضاء، اسمه الحاج كمال. عرضت عليه الدلاية الفضية وقلت له
لا أعرف شيئاً عنها، فقط أريد أن أعرف ما إذا كانت ذات قيمة تاريخية أم لا.
أخذها الحاج كمال ونظر إليها تحت عدسة مكبرة، وفجأة تغير لون وجهه، ونظر إليّ بتركيز شديد
زهرة اللوتس.. هذا شعار عائلة عريقة جداً كانت تعيش في هذه المنطقة قبل أكثر من خمسين عاماً. وهذه الدلاية كانت تُعطى كتعويذة لطفلة تاهت في زحمة السفر مع جدتها عام 1991. لم يُعثر عليها أبداً.. حتى اليوم.
قلبي توقف للحظة
أنا.. كنت في دار أيتام بالإسكندرية منذ ذلك العام. لا أتذكر شيئاً سوى صورة ضبابية ليد تمسك يدي ثم اختفت في الزحام.
الحاج كمال أخرج سجلاً قديماً من درجه، وفتحه على صفحة تحمل صورة دقيقة جداً لنفس الدلاية
اسم الطفلة المفقودة كان نادية النور. عائلتها كانت تمتلك أراضي وعقارات كثيرة في طنطا، وبعد اختفائها تبرع والديها بمعظم ثروتها لإنشاء مستشفيات ومدارس، لكنهم احتفظوا بمنزل عائلتهم الكبير بانتظار عودتها. والمنزل الذي اشتريتِه.. هو بالضبط منزل عائلتك الأصلي!
وقفتُ مذهولة، وكلمات الحاج كمال تتراقص في أذني كأنها حلم
البيت الذي اشتريتِه بمليون ونصف المليون جنيه، أيها السيدة العزيزة، هو في الأصل ملك لكِ منذ ولادتك. عائلتك لم تبيعه أبداً، بل سُرق منهم ببعض الأوراق المزورة في فترة غيابك، وتناقله المالكون الجدد دون أن يعرفوا تاريخه الحقيقي. وأنتِ.. عدتِ إليه بنفسك، وبمشيئة القدر.
بكيتُ طويلاً تلك الليلة، جالسة على أرضية بيتي القديم والمتداعي، ولكن لأول مرة في حياتي أشعر بأنني في مكاني الصحيح. لم أعد يتيمة.. لدي عائلة، ولدي تاريخ، ولدي جذور تمتد عميقاً في الأرض التي أقف عليها.

الجزء الرابع العدالة لا تنام
بعد أسبوع، وبمساعدة المحامية سلوى والحاج كمال، بدأتُ رحلة استعادة هويتي وحقوقي. تم تأكيد تطابق الحمض النووي مع أبناء عمومتي الذين ما زالوا يبحثون عني، وانهالت عليّ الأخبار السارة تلو الأخرى لم أعد وحدي. لدي أعمام وأبناء عمومة يحبونني ويحتفلون بعودتي بينهم بعد أن يئسوا من العثور عليّ.
وفي نفس الوقت، توصلت التحقيقات مع الشرطة إلى أدلة دامغة ضد كريم. تبين أنه لم يكتفِ بطلب القرض المزور، بل كان يخطط لاستخدام بياناتي لفتح حسابات بنكية وهمية والهرب للخارج مع رانيا، تاركاً إياي أواجه الديون والمشاكل وحدي. ألقي القبض عليه قبل أن يتمكن من السفر، وظهرت رانيا بسرعة وادعت أنها لم تكن تعرف بخطته، وأنها تعرضت للخداع هي الأخرى. صدر الحكم بسجن كريم لمدة خمس سنوات پتهمة التزوير والاحتيال، وأُلزم برد جميع المبالغ التي حصل عليها مني وتعويضي عن الأضرار المعنوية والمادية.
في إحدى جلسات المحكمة، وقفتُ أمام كريم ونظرتُ إليه بكل هدوء
ظننتَ أنني بلا أهل وبلا سند، فاستضعفتني. ولم تعلم أن الأرض التي تقف عليها قد تكون ملكاً لمن تظنه ضعيفاً. ثروتي لم تكن في المال.. كانت في صدقي وأمانتي. واليوم، أنتَ السجين، وأنا الحرة. هذا هو الفرق بيننا.
خفض رأسه خجلاً وندماً، ولم ينطق بكلمة. خرجتُ من المحكمة وأشعر بخفة في روحي لم أشعر بها من قبل. لم أنتقم..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *