جوزي وامه طردوني

بل استعدتُ حياتي وكرامتي، وهذا أعظم انتصار.

الجزء الخامس البيت يعود ليُعمر
بدأت أعمال ترميم بيت العائلة الكبير بمساعدة أبناء عمومتي. لم أهدم الجدران القديمة، بل أصلحتها وحفظت معالمها الأصلية الشبابيك المقوسة، والسلالم الخشبية العتيقة، والفناء الداخلي الذي كان مليئاً بالأشجار القديمة. وجدنا في الطابق العلوي صندوقاً خشبياً مخبئاً تحت ألواح الأرضية، يحتوي على رسائل كتبتها أمي قبل ۏفاتها، وصور قديمة للعائلة، ومذكرات تقول فيها مهما ابتعدتِ يا ابنتي، فالبيت ينتظرك. والبيت ليس جدران.. بل من يعمره بالحب والذكريات.
قررتُ أن أجعل من الطابق الأرضي مركزاً مجتمعياً لتعليم الحرف اليدوية وتمكين النساء المعيلات، وأن أخصص جزءاً منه كغرفة ذكريات تحكي قصة عائلتي وقصة عودتي. أما الطابق العلوي، فكان مسكني الصغير والدافئ، حيث أجلس كل مساء أطلع على الحديقة التي أعدنا زراعتها بنفسي.
ذات يوم، وأنا أزرع شجرة لوتس في مدخل البيت، سألني أحد الفتيات التي تتدرب في المركز
كيف بدأتِ من جديد وأنتِ خسرتِ كل شيء؟ ألم يكن سهلاً أن تستسلمي؟
أجبتها وأنا أسقي الشجرة الصغيرة
أحياناً تخسرين كل شيء لتكتشفي أنكِ لم تملكي في الحقيقة سوى الأشياء الخاطئة. الخسارة الحقيقية ليست عندما يأخذ منكِ الناس.. بل عندما تتنازلين عن نفسكِ لترضيهم. لم أبدأ من جديد.. بل عدتُ إلى نفسي، وهنا بدأتِ الحياة حقاً.

الجزء السادس الثمرة الحقيقية
مرت ثلاث سنوات. أصبح مركزنا يخدم مئات النساء، وبيت العائلة أصبح معلماً في طنطا يقصده الناس ليس فقط لجمال عمارته، بل لقصته العميقة عن الأمل والعودة والانتماء. وتواصلت معي إحدى الموظفات في شركة التأمين القديمة وقالت لي
كنا نتابع أخبارك بفخر يا سيدة نادية. قرار فصلنا كان خطأ من الإدارة السابقة، ونريد تعويضكِ عن كل الفترة التي فقدتها، ونعرض عليكِ منصباً استشارياً بمرتب مجزٍ إذا كنتِ ترغبين.
ابتسمتُ وأخبرتها
شكراً لكم.. لكنني وجدتُ رسالتي هنا. ربما لم أكن لأفعل كل ما فعلته لو لم أُفصل. فكل شيء يحدث لسبب، وأسباب الخير دائماً خفية حتى تنكشف في وقتها.
في عيد ميلادي الخامس والثلاثين، اجتمع معي أعمامي وأبناء عمومتي في بيتنا الكبير، وكنا نجلس حول مائدة طويلة امتلأت بالطعام والضحكات. نظرتُ إلى الدلاية الفضية في عنقي، ثم نظرتُ إلى الوجوه التي أحببتني واحتضنتني، وعرفت أنني لم أعد وحيدة أبداً.
قال لي عمي الأكبر وهو يمسك بيدي
عائلتكِ فخورة بكِ يا ابنتي. لقد عدتِ إلينا، وأعدتِ إلينا بريق هذا البيت وذكرى والديكِ الطيبة.
بل أنتم من أعدتموني لنفسي. أجبته بدموع فرح تعلمتُ أن البيت لا يُبنى بالحجارة ولا بالمال.. بل يُبنى بالحب والصدق والانتظار الصبور. وبيتي كان ينتظرني طوال هذه السنين، تماماً كما كان قلبي ينتظر أن يعرف معنى الانتماء الحقيقي.
في تلك الليلة، وقفتُ في شرفة غرفتي العلوية، أطلع على النجوم التي أشرقت فوق سقف بيتي الحقيقي، وكتبت في دفتري القديم
قد يضيع منكِ الطريق لفترة طويلة، وقد تظنين أنكِ وحيدة في هذا العالم، لكن الحقيقة أن هناك من ينتظركِ، وهناك مكانكِ الصحيح الذي لا بد أن تصلين إليه في النهاية. لا تبيعن كرامتكِ أبداً مقابل بقاء مزيف، ولا تخافي من البدء من الصفر.. فالبداية الجديدة تعني أنكِ على وشك مقابلة نفسكِ الحقيقية، وهذه أعظم هدايا الحياة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *