مليونير من القاهره

مامتك ست عاقلة.
ابتسمت وقالت
أيوه، هي بتصلّح الكتب القديمة في المكتبة، وبتعمل فطير على شكل دبدوب.
ضحكت وقلت
دي تركيبة ممتازة بصراحة.
فتحت جنى شنطتها وطلّعت ورقة مرسوم عليها بيت سقفه أزرق، وست لابسة فستان أصفر، وبنت صغيرة حضنة أرنب.
لكن كان فيه مكان فاضي جنبهم.
سألتها
مين المفروض يقف هنا؟
بصّت للرسمة وقالت بهدوء
ده مكان بابا. ماما بتقول إني أقدر أرسمه لما أعرف شكله عامل إزاي.
حسيت بحزن مفاجئ جوايا.
سألتها
إنتِ عمرك ما قابلتي بابا؟
هزّت راسها.
لأ. ماما بتقول إنه لسه ميعرفش إني موجودة.
بصّيت ناحية المقاعد اللي ورا، وبعدها رجعت بصّيت لها.
كنت محتاج أعرف اسم أمها، رغم إن إحساس غريب بدأ يتسلل لقلبي.
سألتها
طب مامتك اسمها إيه يا جنى؟
ردّت من غير تردد
مريم عبد الرحمن. بس تيتة بتقول لها ميرو.
الاسم وقع عليّا زي الصاعقة!
مريم عبد الرحمن!
من خمس سنين، كانت مريم هي الست اللي كنت ناوي أتجوزها، واللي كنت متخيّل إني هقضي معاها بقية عمري.
وبعدين، في لحظة، اختفت من حياتي تمامًا.
ومعرفتش عنها أي حاجة بعدها.
الست اللي عمري ما قدرت أنساها
اتعرفت على مريم في مكتبة صغيرة وسط القاهرة، لما كان عندي تلاتة وتلاتين سنة.
كانت بتشتغل هناك وهي بتكمّل دراستها العليا في مجال المكتبات.
في يوم كان الجو فيه بيمطر، دخلت المكتبة، ومن غير قصد وقّعت مجموعة كتب كانت معروضة على ترابيزة قريبة من الباب.
بدل ما تتعصب، ضحكت.
اشتريت تلات كتب مكنتش محتاجهم أصلًا، بس علشان ألاقي حجة أفضل أتكلم معاها.
أول خروجة بينا استمرت حوالي خمس ساعات، من غير ما نحس بالوقت.
مريم مكنتش مبهورة بشركتي، ولا بشقتي الغالية، ولا بالناس اللي أعرفهم.
كانت بتهتم بالحاجات البسيطة إني أفتكر أعياد الميلاد، وأوفي بوعودي، وأخصص وقت نفطر فيه سوا كل يوم جمعة.
على مدار سنتين، قدرت تخلي حياتي المليانة شغل وسفر أهدى وأجمل.
اتكلمنا عن الجواز والخلفة، وعن إننا نشتري بيت صغير فيه جنينة نقضي فيها وقتنا سوا.
لكن بعدها، شركتي بدأت تتوسع في محافظات جديدة، وشغلي بقى محتاج سفر مستمر.
كنت بقضي أيام طويلة بعيد عن البيت، وكل ما أرجع أكون مرهق ومشغول.
مريم بدأت تحس إنها بتتحول لواحدة غريبة في حياتي، بدل ما تكون شريكتي فيها.
كانت بتقول لي إنها محتاجة وجودي، مش فلوسي.
وكنت كل مرة أوعدها إن الأمور هتتحسن بعد ما أخلص مشروع كبير جديد.
لكن مفيش حاجة كانت بتتحسن.
آخر خناقة كبيرة بينا حصلت في الليلة اللي سبقت سفري في رحلة شغل مدتها تلات أسابيع.
بصّت لي وقالت بحزن
أنا مش محتاجة بيت أكبر يا يوسف. أنا محتاجة واحد يرجع البيت فعلًا، ويكون موجود معايا.
كنت مرهق ومتوتر، وردّيت عليها بعصبية
كل اللي بعمله ده علشان أبني مستقبلنا!
بصّت لي بعينين مليانين ۏجع وقالت
بس إنت بتضيّع حاضرنا وإنت بتحاول تبني مستقبلنا.
قلت كلام كتير ندمت عليه بعدها بدقايق، لكن وقتها كنت عنيد ومش مستعد أعترف إني غلطان.
مريم خرجت من شقتي الليلة دي.
ولما رجعت من السفر، اكتشفت إن كل حاجتها اختفت.
حاولت أتصل بيها، لكن رقمها كان اتغيّر.
بعت لها رسائل على الإيميل اللي أعرفه، لكن مفيش أي رد وصلني.
ومع مرور الوقت، أقنعت نفسي إنها قررت تنهي علاقتنا نهائي، وإن الأفضل إني أحترم قرارها وأكمّل حياتي.
مكنتش أتخيل إنها يمكن تكون هي كمان حاولت توصل لي، وإن فيه سر كبير اتخبّى عني طول السنين دي.
سؤال طفلة كشف اللي كان مستخبي
رجعت لقيت جنى بتبص لي باهتمام.
سألتني
يا أستاذ يوسف، إنت زعلان؟
بلعت ريقي وقلت
كنت بفتكر حد أعرفه من زمان.
هزّت راسها كأنها فاهمة كل حاجة، وقالت
ماما كمان بتزعل ساعات لما تفتكر إنها لوحدها.
لفّيت وشي ناحيتها.
بجد؟
قالت
أيوه. ساعات بتطلع صورة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *