حماتي كانت بتلحس
وهي ماسكة طبق صغير.
قالت لي يا سارة، أنا خدت شوية شوربة في الطبق ده. ممكن تسخنيهالي؟
بصيت للطبق، ولقيتها فعلًا أخدت الشوربة بمغرفة التقديم، وحطتها في طبقها، من غير ما تستخدم معلقتها الشخصية في الحلة.
ابتسمت وقلت حاضر يا حماتي، من عيني.
وبينما أنا بسخن لها الشوربة، دخل أحمد المطبخ، وشاف الموقف، وبص لي بابتسامة صغيرة.
ما قالش حاجة، لكنه كان فاهم إني لاحظت زي ما هو لاحظ.
بعد الغدا، حماتي طلبت مني أقعد معاها شوية.
قعدت جنبها، فقالت يا بنتي، أنا عارفة إني تعبتك الفترة اللي فاتت.
اټصدمت، لأنها نادرًا ما كانت تعترف إنها ضايقت حد.
كملت أنا مش متعودة حد يعترض على تصرفاتي، ويمكن لما كنتِ بتتكلمي، كنت بحس إنك بتقولي إني مش بعرف أربي، أو إنك أحسن مني. بس لما منى اتكلمت معايا بنفس الطريقة، فهمت إن الموضوع مش شخصي.
قلت لها يا حماتي، أنا عمري ما شفتك أقل مني، ولا فكرت إنك مش بتعرفي تربي. أنا بس كنت خاېفة على ابني، وكنت محتاجة تحترمي طلبي.
هزت راسها وقالت أنا فهمت. ومش هقول لك إني هبقى مثالية من بكرة، لكن هحاول.
ابتسمت وقلت وأنا كمان هحاول أتكلم معاكي بهدوء، حتى لو كنت متضايقة.
مدت إيدها ومسكت إيدي، وكانت دي أول مرة أحس إننا بنتكلم بصدق، من غير ما كل واحدة فينا تكون بتحاول تثبت إنها صاحبة الحق المطلق.
بعد حوالي ثلاثة أسابيع، شقة حماتي الجديدة جهزت، وبدأنا نساعدها في نقل حاجتها.
أحمد كان مسؤول عن نقل العفش، وأنا كنت بجهز لها بعض الأكل عشان ما تتعبش أول يومين في شقتها.
قبل ما تمشي، حماتي دخلت المطبخ، وشافتني بحط الأكل في علب منفصلة.
قالت إنتِ بتعملي إيه؟
قلت بجهز لك شوية أكل تاخديه معاكي.
بصت للعلب، وبعدين قالت بابتسامة طب حطي لي شوية من سلطة البطاطس اللي إنتِ عملاها. بس هاتي لي معلقة نضيفة عشان أدوقها الأول!
ضحكت من قلبي، وهي كمان ضحكت.
ما كانش موقف كبير، لكنه كان دليل صغير إن في حاجة فعلًا اتغيرت.
قبل ما تركب العربية، حضنتني وقالت شكرًا إنك استحملتيني.
رديت إنتِ مش محتاجة تشكريني يا حماتي. المهم إننا عرفنا نتكلم مع بعض.
وبعد ما مشيت، أحمد وقف جنبي وقال عارفة إيه أكتر حاجة اتعلمتها من اللي حصل؟
قلت له إيه؟
قال إني كنت فاكر إن تجنب الخلافات مع أمي هو الطريقة اللي بحافظ بيها على حبها. لكن الحقيقة إني كنت بسمح للمشاكل تكبر، وبسيبك إنتِ اللي تتحملي نتيجتها.
مسكت إيده وقلت وإحنا كمان اتعلمنا إن السكوت مش دايمًا معناه احترام، وإن وضع الحدود مش معناه قلة حب.
بص لي وقال وأهم حاجة، إننا ما نستناش المشكلة تكبر عشان نتكلم.
من يومها، علاقتي بحماتي ما بقتش مثالية، لأن مفيش علاقة عائلية بتبقى مثالية طول الوقت. لكنها بقت أوضح، وأهدى، وفيها مساحة لكل واحد يقول اللي مضايقه من غير ما يتحول كل اعتراض لخناقة.
أما موضوع المعلقة، فبقى حكاية بنفتكرها أحيانًا ونضحك عليها، خصوصًا لما حماتي نفسها تهزر وتقول
محدش ينسى يجيب لي معلقة نضيفة، بدل ما سارة تعمل لي محاكمة تانية!
لكن بالنسبة لي، الدرس الحقيقي ما كانش إن جوزي لقّن أمه درسًا، ولا إن أمه اضطرت تغير عادة قديمة.
الدرس الحقيقي كان إن احترام الأهل مش معناه إننا نسكت عن كل حاجة، وإن الحب مش معناه إننا نسمح لحد يتجاهل حدودنا.
وأحيانًا، أكتر حاجة بتحافظ على العيلة مش إننا نتجنب الخلاف، لكن إننا نواجهه باحترام، ونفهم بعض، ونبطل نعتبر كل كلمة اعتراض إهانة.
لأن البيت
اللي فيه حب من غير احترام بيتعب أصحابه، والبيت اللي فيه احترام من غير رحمة يبقى بارد.
لكن لما الاتنين يجتمعوا، حتى أصعب الخلافات ممكن تتحل.