مرات ابويا قالت لابويا
كل صوت خارجي جعلني أرتجف، كل خفقة قلب كانت تقول لي أنتِ وحيدة.. لا أحد يعرف أين أنتِ حقاً.
في اليوم الثاني، حاولتُ الاتصال بتيتة عواطف لأطمئنها وأطمئن نفسي، لكن هاتفها كان مغلقاً كما توقعت.. هي في فترة نقاهة ولم تكن تحمل هاتفها معها غالباً. اتصلتُ ببابا مساءً، ردّ عليّ بصوت سعيد ومشرق
ألو يا روحي.. عاملة إيه عند تيتة؟ بتأكلي كويس؟
كان على وشك أن أسأله بابا.. إنت فين بالظبط؟ لأنني مش عند تيتة.. أنا في البيت لوحدي!
لكن كلمات شيرين رنت في أذنيّ أبوك موافق، وهو محتاج يرتاح من الدوشة.. لو قلتيله الحاجة دي، هتخربه عليه الإجازة كلها، وهيعصب وهيحصل مشاكل كبيرة بيننا. فبلعتُ كلمتي بصعوبة وقلتُ بصوت مرتعش أحاول أن أجعله طبيعياً
كل حاجة تمام يا بابا.. تيتة بتبوسلك كتير.. إنت بس خلي بالك من نفسك وارتاح أنتَ كمان.
ربنا يخليكي ليا يا بنتي.. بحبك وسأكلمك بكره إن شاء الله.
أغلقتُ الهاتف وبكيتُ بصمت في وسادة سريري حتى جفت دموعي. شعرتُ بذنب ثقيل يأكلني من الداخل.. أنا كذبتُ على أبي.. لكنني كنتُ أظن أنني أحميه من الألم والخلاف.
في اليوم الثالث، نفدت لديّ الجبن والعيش، وشعرتُ بالجوع الشديد. فتحتُ الفريزر ووجدتُ أكياساً من الطعام، لكنني لم أجرؤ على استخدام الميكروويف وحدي خوفاً من أن أخطئ ويحدث انفجار أو حريق. اكتفيتُ بشرب الماء وبعض البسكويت القديم الذي وجدته في المطبخ. كنتُ أتحدث مع نفسي بصوت خاڤت لأطرد الوحدة
يوم بس ويخلص الأسبوع.. يروحوا ويرجعوا.. كل حاجة هترجع زي ما كانت.. بس ليه قلبي بيوجعني بهالشكل؟ ليه حاسة إن في حاجة غلط جداً هتحصل؟
الجزء الثالث الصدفة التي غيرت كل شيء
في اليوم الخامس، كان من المفترض أن يكونا عائدين بعد يومين آخرين. لكن القدر كان له رأي آخر. بابا شعر بصداع شديد في منتصف الليل، ونسى هاتفه المحمول في السيارة، فطلب من شيرين هاتفها ليتصل بصديقه طبيب ليستشيره. حين أعطته الهاتف، وصلت رسالة من صديقتها القديمة وصلتِ؟ أخبار البنت لوحدها في البيت؟ هل أنتِ متأكدة إنها مش هتكلم أحد؟
قرأها بابا ببطء، ولم يفهم معناها في البداية، ثم تجمدت أصابعه على الشاشة
بنت؟ أي بنت تتكلمين عنها؟ جودي عند تيتة عواطف صح؟
شيرين حاولت انتزاع الهاتف بسرعة
رسالة غلطانة.. دي مش ليّا.. اعطيني الهاتف ده!
رسالة غلطانة تعرف اسم بنتي؟ وتعرف إنها عند تيتة؟ تكلمي يا شيرين.. فين جودي الحقيقي؟!
لم تملك خياراً سوى الصمت المرعب. تركها بابا في الحال، استأجر سيارة وعاد إلى المدينة بأقصى سرعة، وقلبه يدق كأنه سيخرج من صدره، وكل دقيقة تمر كعذاب ألف عام. طوال الطريق كانت تدور في رأسه ملايين التساؤلات المرعبة هل هي بخير؟ هل أكلت؟ هل خاڤت؟ ماذا لو حدث لها شيء وأنا بعيد؟ وكل سؤال كان يحمل معه لوم النفس الذي لا يطاق كيف صدقت؟ كيف تركتها وأنا لا أعرف حقاً أين هي؟
وصل إلى الشارع، وصعد الدرج مسرعاً لدرجة أنه كاد يسقط مرتين، وعندما وقف أمام الباب، توقف للحظة يتنفس بصعوبة ثم فتح المفتاح بيد مرتعشة جداً.
كان الممر مظلماً، والصالة هادئة تماماً. نادى بصوت مكتوم
جودي.. يا بنتي.. أنا جيت.
من غرفة المعيشة، ظهرتُ في ضوء الشارع الداخل من الشباك، وكنتُ واقفة أرتجف، عيناي متورمتان من البكاء، ووجهي شاحب جداً. لم أستطع أن أنطق بكلمة واحدة، فقط ركضتُ نحوه وأنا أبكي بصوت عالٍ
يا بابا.. كنت خاېفة جداً.. كنت وحيدة