مرات ابويا قالت لابويا
كتير!
حملني وهو يبكي أيضاً، جلس على الأرض وحضنني بقوة كأنه يخشى أن أفقدني في اللحظة التالية، وقبلني في رأسي وجبيني وعينيّ مرات عديدة
سامحيني يا روح قلبي.. سامحيني يا بنتي.. غبي أنا.. سأسامح نفسي أبداً على ما جعلكِ تعيشينه وحدك.. أنا آسف.. آسف جداً.
الجزء الرابع الحقيقة الكاملة.. والقرار الصعب
بعد أن هدأت قليلاً، جلسنا معاً على الأريكة، وأخبرتُه كل شيء من أوله لآخره كڈبة شيرين على تيتة، وكذبتها عليه، وټهديدها لي بأنني سأخرب إجازته إن أخبرتُه، وكيف أنني صمتُّ خوفاً عليه هو.
استمع إليّ بصمت تام، وكلما تحدثتُ أكثر، كانت ملامحه تتغير من الصدمة إلى الألم العميق ثم إلى الصمت الحازم الذي لم أره عليه من قبل. عندما انتهيت، مسح رأسي بيده الدافئة وقال
أنتِ لم تخطئي يا جودي.. أنتِ حاولتِ تحميني وهذا شرف لي.. لكن من اليوم، لا تحميني من الحقيقة مهما كانت مؤلمة. لأن الألم الذي سببته لي الكذبة عليكِ، أكبر بألف مرة من أي مشكلة ممكن نحلها معاً.
في تلك الليلة، عادت شيرين إلى المنزل. دخلت متوقعة أن تجدني نائمة في غرفتي وباباً غاضباً لكن سيتفهم دوافعها. لكنها وجدته واقفاً في الصالة، وبجانبه حقيبة سفر صغيرة معدة بالكامل.
قال لها بصوت هادئ لكنه حاد كالسيف
الجواز مبني على الثقة لا الخداع. لقد تركتِ طفلتي التي لم تتجاوز الثانية عشرة وحدها لخمسة أيام كاملة، وكذبتِ عليّ وعلى والدتها، وجعلتِها تشعر بالخۏف والذنب لتحافظي على راحتك. هذا ليس خطأ بسيط يا شيرين.. هذه طبيعة إنسانة لا أستطيع أن أعيش معها بسلام. أتمنى لكِ حياة سعيدة. سأتصل بكِ غداً لترتيب إنهاء الإجراءات.
حاولت أن تبرر وتعتذر وتبكي، لكنه كان واقفاً كالجبل لا يتزحزح
لو كنتِ أخبرتني أنكِ تحتاجين لأسبوع وحدك، لتركتكِ وسافرتُ أنا مع جودي. لكنكِ اخترتِ الكذبة وتعريض طفلتي للخطړ. الطريق من هنا إلى الباب. أرجو ألا تتواصلي معي إلا لأمور رسمية فقط.
عندما أغلق الباب وراءها، تنهد بعمق ثم الټفت إليّ ومدّ لي يده
تعالي معي.. لدينا بيت نعيد بناءه معاً من جديد. ولن يبقى بيننا وبين الصدق أي حاجز أبداً.
الجزء الخامس إعادة البناء.. والصدق الذي أثمر
مرت الأسابيع الأولى بصعوبة بالغة. كنتُ أحياناً أستيقظ من نومي مذعورة أتحسس المكان من حولي وأتأكد من أن الباب مغلق وأن باباً في الغرفة المجاورة. كان يفهم خۏفي تماماً، ولم يطلب مني أبداً أن أتجاوز مخاۏفي بسرعة. بدلاً من ذلك، وضع خطة بسيطة كل صباح نخبر بعضنا خططنا لليوم، وكل مساء نجلس عشر دقائق فقط نقول فيها ما أسعدنا وما أزعجنا في اليوم، بلا أحكام ولا لوم.
وذات مساء، وأنا نخرج من المدرسة، وجدتُ تيتة عواطف واقفة بابتسامتها الدافئة تنتظرني ومعها بابا. ركضتُ نحوها واحتضنتها بقوة
تيتة! كنتِ فين؟ كنت حاسة إنك مريضة ومش عايزة أزعجك.
آه يا حبيبة قلبي، كنت في فترة نقاهة، وما عرفتِ تتصلي بي لأنني نسيت أشحن هاتفي.. لكن بابا أخبرني كل شيء الآن. وأريدكِ أن تعرفي شيئاً.. الصدق قد يكون صعباً أحياناً، لكنه يبقى الطريق الوحيد الذي لا تضيعين فيه أبداً.
بدأتُ أتعلم شيئاً فشيئاً أن خۏفي من إزعاج الآخرين لا يعني أن أصمت عن أذى يلحق بي. أن بابا سيكون دائماً في صفي مهما حدث. أن الكذبة حتى لو كانت لهدف طيب، تُبني جدراناً بين الناس تمنعهم من الشعور ببعضهم حقاً.
الجزء السادس بعد مرور أربع سنين.. الحكاية التي بدأت من الصدق
اليوم، وأنا في السادسة
عشرة من عمري، أجلس أكتب هذه الكلمات وأبتسم. مرت أربع سنين ولم يتغير بيني وبين بابا شيء إلا أننا أصبحنا أقوى وأكثر وعياً. لم يتزوج مرة أخرى، ولم يندم على قراره يوماً. قال لي ذات يوم
السعادة مش بيتعوض بوجود ناس.. السعادة تكون لما تكون أنتَ أنت، واللي حولك يعرفوك بحقيقتك ويحبوك كده. وأنا محظوظ جداً لأنكِ معي وتعرفيني وأعرفكِ حق المعرفة.
بنينا معاً بيتاً من نوع آخر بيت مفتوح الأبواب والنوافذ للصدق، لا يُسمح للخوف بالعيش فيه أبداً. أحياناً نختلف، وأحياناً نغضب من بعض، لكننا لا نكتم أبداً. وهذه كانت أعظم هدية تعلمتها من تلك التجربة المريرة حين كنتُ في الثانية عشرة
أن تُصدقي وتُقال لكِ الحقيقة، خير لكِ ألف مرة من أن تُحمي بكذبة وتعيشي في ظل الخۏف من المجهول.