دخلت مستشفى النساء والتوليد
“سامح.. إذا قرأتَ هذه الرسالة، فهذا يعني أن اللعبة انتهت. لم أكرهك يوماً. لكنني كرهتُ حياتي في ظل ظلك الكبير. كل شيء كنتَ تملكه كان يجب أن يكون لي أنا أيضاً. لماذا أنتَ الأب والأخ والزوج والمالك وأنا مجرد الظل الذي يمشي وراءك؟ لم أرد قتل مريم.. أردتُ فقط أن تختفي من حياتنا فتعود لحياتك الطبيعية وتتركني وشأني مع إرث أبي. آسف لأن الأمور خرجت عن السيطرة.. وداعاً يا أخي.”
بكتُ وأنا أقرأ الكلمات. لم يكن الدافع طمعاً فقط.. بل حقداً دفيناً تغذاه الغيرة سنوات طويلة. أخ كان يبدو مطيعاً ومحباً، لكنه في أعماق نفسه كان يحرق من الداخل كلما رأى نجاح أخيه. فارس وضع الرسالة على الطاولة ببطء، وقال بصوت خافت: – سأبلغ الشرطة. سأطلب ملاحقته دولياً. سأسترد كل قرش سرقه. لكنني لن أطلب عقوبة السجن مدى الحياة.. سأطلب محاكمة عادلة، لأنني أعرف أن هناك مرضاً في نفسه أعمق مما نرى. نورهان وقفت بجانبه، وقالت بكل احترام: – أنتَ رجل شريف يا فارس.. وهذا هو سبب أنهم دائماً يظلمونك. لكن الآن.. ماذا عنا؟ وماذا عن مريم والطفلة التي لم تُولد بعد؟
نظر فارس إليّ، ثم إليها، وتنهد بعمق: – أنتِ حرة يا نورهان. إذا أردتِ الرحيل الآن، فلا ألومكِ أبداً. لقد دخلتِ حياتي في وقت ظننتُ أنني تعافيتُ فيه من جرح مريم.. والآن الجرح قد فُتح من جديد، وهناك طفلة قادمة إلى الحياة تحتاج لوالدتها وأبيها معاً. لا أطلب منكِ البقاء.. أطلب فقط منكِ السماح لي بالاعتذار منكِ بكل صدق. نورهان ابتسمت بحزن، ومدت يدها لمصافحتي: – أتمنى لكِ ولطفلتكِ كل السعادة يا مريم. وأتمنى لك يا فارس أن تجد طريقك بوضوح. سأبقى صديقتكما.. لكنني لستُ الشخص الذي يمكنه أن يأخذ مكاناً لم يُفرغ منه بعد. مع السلامة.
الجزء الخامس: العودة التي لم تكن كما توقعتها
بعد أسبوعين، عدنا إلى القاهرة. لم أعد إلى بيتنا القديم فوراً.. قررنا أن نعيش فترة نقاهة في شقة صغيرة بجانب البحر، نعيد فيها بناء جسر الثقة الذي هدمته الأكاذيب. فارس لم يطلب مني أن أنسى أو أسامح بسرعة.. فقط طلب مني أن أعطيه فرصة ليكون أباً لابنتي، وصديقاً لي قبل أي شيء آخر. وذات مساء، وبينما كنا نجلس على الشرفة نشاهد غروب الشمس، قال لي بصوت هادئ: – كنتُ أظن أن أصعب شيء في الحياة هو أن تموت من تحبهم. لكنني اكتشفتُ أن الأصعب من ذلك بكثير.. أن يعود من تحبهم وتكتشف أنكَ كنتَ السبب في معاناتهم، ولو بغير قصد. لقد دفعتُ ثمن سذاجتي غالياً يا مريم.. أتمنى أن أكون أهلاً لفرصة ثانية تمنحينها لي.