دخلت مستشفى النساء والتوليد
بص لبطني تاني بوجع: – دي… بنتي؟ الدموع غرفت عيوني: – أيوا.. بنتك. سند إيده على ظهر كرسي عشان ميوقعش من كتر الصدمة. نورهان بعدت عنه خطوتين وقالت بجمود: – فارس.. أنا محتاجة تفهميني إيه اللي بيحصل ده حالا. وبالعافية رد بصوت يكاد يُسمع: – أنا كنت فاكر إن مريم ماتت.. مدفنتش حية.. أنا دفنت تابوت فاضي، وأخويا سامح كان واقف جنبي طول الجنازة..! وهنا نطق بالجملة اللي جمدت الدم في عروقي ووقفت عقلي: – والأصعب من كده.. إن سامح هو اللي دخل يتعرف على جثتك المزعومة ويأكد للشرطة إنها إنتي قبل ما أنا أوصل!
الجزء الثاني: الكذبة التي دفنتني حية
فارس صدمتني بعمق، وبدأت الذكريات المؤلمة تعود لتتراقص أمام عيني كشريط سينمائي مرعب: ذلك اليوم المشؤوم، الطرد المغلق الذي وصلني باسمه، الورقة التي تحمل توقيعه بوضوح تطلب مني مغادرة البلاد فوراً لأنني أصبحت خطراً على سلامته وسمعته، ثم ظهور سامح في منتصف الليل، وجهه جاد وعيناه لا ترمشان وهو يقول لي: “فارس عايزك تموتي يا مريم. هو خايف تفضحي صفقاته الجديدة. أنا الوحيد اللي أقدر أحميكِ، لكن لازم تختفي من غير ما أحد يعرف. لقد رتبتُ كل شيء: تابوت فاضي في المقبرة، شهادة وفاة مزورة، وبيت آمن في الإسكندرية. بس شرط واحد: لا تخبري أحد بوجودك، ولا تتصل بفارس أبداً. لو عرف إنك عايشة، سيقتلكِ أنا بنفسي قبل ما يأمر غيري.”
صدقتُ كلامه.. لأن الورقة كانت تحمل توقيع فارس، ولأنني كنتُ أعرف مدى قسوة عالم الأعمال الذي يعيش فيه. وها أنا ذا أقف أمام فارس الآن، وهو يخبرني أنه هو الآخر تم خداعه ودفنني وهو يظنني ميتة حقاً! – سامح؟! كررت الاسم بصوت مرتعش: يعني كل اللي حصل.. كان بيدبره هو لوحده؟ فارس أغمض عينيه بألم، ثم فتحهما ونظر إليّ نظرة لم أرَ فيها إلا الصدق الصادق: – أنا لم أوقع على أي ورقة تطلب منكِ المغادرة يا مريم. لم أطلب منكِ أن تختفي. لم أصدق يوماً أنكِ خنتني. سامح جاءني في تلك الليلة وقال لي إنكِ تعرضتِ لحادث سيارة وانتهى بكِ الأمر.. وأنه سيتولى كل الإجراءات حتى لا تُصدم أنتَ وأسرتك بالخبر المفاجئ. لقد بكيتُكِ سبعة أشهر يا مريم.. كل يوم كنت أزور قبركِ وأتحدث إليكِ وأعتذر منكِ لأنني لم أكن بجانبكِ في آخر لحظاتكِ!
سندتُ بظهري للحائط وشعرتُ بدوار يلف رأسي. كل تلك الأشهر من الخوف والوحدة والتشرد.. كانت مبنية على كذبة واحدة نسجها أخوه ببرود تام! ولكن لماذا؟ ما الذي كان ينتفع به سامح من اختفائي؟ نورهان التي كانت تستمع بصمت حتى الآن، تدخلت بصوت حازم: – عذراً.. أنا لا أفهم شيئاً. أنتَ دفنتَ زوجتك وأنتَ تظنها ميتة، وهي الآن حامل وتظهر فجأة؟ وأخوكِ هو من دبر كل هذا؟ أين المنطق في كل هذا؟ فارس التفت إليها بجدية: – المنطق يا نورهان يبدأ من هنا: سامح هو المدير المالي لشركتي. هو الوحيد غيري الذي يملك صلاحيات التوقيع والتحويل. وفي الأشهر السبعة الماضية التي كنتُ فيها مشتاقاً إليكِ يا مريم، اكتشفتُ اليوم أن هناك اختلالات مالية ضخمة في الحسابات.. اختلالات لم أستطع تفسيرها حتى هذه اللحظة.