صرخه مدويه اطلقها
ومنذ تلك اللحظة عرفت ميا أن معركة صامتة بدأت وأنها لن تكون قصيرة.
وفي إحدى الليالي استدعتها إيزابيل إلى مكتبها.
كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة والضوء الخافت في الممرات يوحي بأن معظم الموظفين غادروا لكن هذا الاستدعاء لم يكن من النوع الذي يؤجل إلى صباح آخر.
دخلت ميا المكتب بخطوات حذرة.
كانت إيزابيل جالسة خلف مكتبها لا
أوراق مبعثرة ولا فوضى فقط شاشة مضاءة وملف مغلق بعناية.
وقف لوران قرب النافذة الزجاجية ينظر إلى المدينة التي لا تنام.
لم يكن الوقت مناسبا للحديث العابر.
قالت إيزابيل مباشرة من دون تمهيد
هناك مشكلة.
شعرت ميا بانقباض مفاجئ في صدرها ذلك الشعور القديم الذي كانت تعرفه جيدا شعور يسبق العواصف.
سألت بهدوء حاولت أن تخفي به ارتجافها
ما نوعها
قالت إيزابيل
أموال مفقودة من أحد الفروع.
توقف الزمن لثانية في أذني ميا.
كم
تبادلت إيزابيل ولوران نظرة سريعة ثم قالت
كثير.
بما يكفي ليفتح تحقيقا رسميا. وبما يكفي ليجعل البعض يبحث عن كبش فداء سريع.
ارتجفت أصابع ميا رغم محاولتها السيطرة عليها.
لم تقل شيئا في البداية ثم سألت بصوت منخفض
وأنا
قال لوران من مكانه قرب النافذة بصوت هادئ لكنه ثقيل
تم التلاعب بسجلات الدخول.
وأنت متدربة جديدة. الاتهام سهل ومريح للبعض.
شعرت ميا وكأن الأرض تميل قليلا تحت قدميها لا سقوطا كاملا بل ذلك الميل الخادع الذي يسبق الانهيار.
لم يكن شعورا جديدا عليها عرفته في ليال كثيرة من قبل لكن هذه المرة كان مختلفا.
هذه المرة لم يكن الخطر فقرا أو طردا بل ضياع شيء بنته ببطء حجرا فوق حجر.
ترددت لحظة.
مرت في رأسها صور متداخلة وجه والدها وهو يوصيها ألا تساوم على الحق أول يوم دخلت فيه هذا المبنى وهي تشعر بأنها دخيلة ثم تلك اللحظة في المطعم حين وقفت بدل أن تركع.
رفعت رأسها أخيرا وسألت بصوت حاولت أن تبقيه ثابتا
ماذا أفعل
نظرت إيزابيل إليها طويلا.
لم تكن نظرة تعاطف ولا اتهام ولا حتى تشجيع.
كانت نظرة وزن دقيق كأنها تضع ميا على كفة ميزان وتنتظر أن ترى إن كانت ستصمد.
قالت أخيرا ببطء محسوب
دافعي عن نفسك.
لكن ليس بالدموع ولا بالانفعال ولا بالاستعطاف. بالحقيقة فقط. إن كانت معك فستكفي.
خرجت ميا من المكتب وهي تشعر بثقل جديد يستقر على كتفيها.
لم يكن الخوف وحده بل وعيا حادا بأن كل ما حققته في الشهور الماضيةثقة احتراما فرصةيمكن أن يتبخر في لحظة واحدة إن أخطأت خطوة واحدة.