صرخه مدويه اطلقها
مرت الليلة الأولى بلا نوم.
كانت مستلقية على سريرها تحدق في السقف تعيد ترتيب الاحتمالات في ذهنها.
وفي الليلة الثانية لم تعد تحاول النوم أصلا.
ثلاثة أيام لم تعرف فيها معنى الراحة.
عاشت بين الشاشات والجداول والسجلات الإلكترونية.
انتقلت من ملف إلى آخر ومن نظام إلى نظام تقارن الأرقام كما لو كانت تحاول سماع نبض خفي بينها.
كانت تراجع الطوابع الزمنية بعين مجهدة وتدون ملاحظات صغيرة على دفتر مهترئ ملاحظات لا يراها أحد لكنها كانت تشعر بأنها تمسك بالخيط الرفيع الذي قد ينقذها.
في اليوم الثاني لفت انتباهها أمر بدا في البداية تافها.
دخول متكرر إلى النظام في أوقات محددة ثم خروج سريع بلا تعديل ظاهر.
أغلقت الملف ثم عادت إليه.
شيء ما لم يكن مريحا.
وفي اليوم الثالث حين قارنت تلك الأوقات بسجلات الحضور أدركت أن الأمر لم يكن صدفة.
كان نمطا.
صغيرا.
غير متسق.
يتكرر دائما في ساعات لم تكن فيها داخل المبنى أصلا ولا حتى في المدينة أحيانا.
اسم واحد ظل يظهر في خلفية السجلات لا في الواجهة بل في الهوامش حيث تختبئ الأشياء التي لا تريد أن ترى.
فيكتور هيل.
لم تشعر ميا بالانتصار.
ولا بالغضب.
شعرت فقط بثقل الحقيقة وهي تستقر في صدرها.
الحقيقة ليست مريحة لكنها واضحة والوضوحكما تعلمتقوة.
في اجتماع المجلس كانت القاعة ممتلئة بوجوه اعتادت الحسم وبأصوات تعودت أن يصغى لها.
وقفت ميا أمامهم ويديها ترتجفان قليلا لكنها لم تتراجع خطوة واحدة.
عرضت البيانات بهدوء.
شرحت التوقيتات بندا بندا.
ربطت بين السجلات الإلكترونية والتسجيلات الأمنية وأشارت إلى التناقضات دون أن ترفع صوتها.
لم تتهم أحدا صراحة
ولم تسم الجشع
باسمه.
تركت الأرقام تتكلم لأنها كانت تعرف أن الأرقام حين تكون صادقة لا تحتاج إلى صراخ.
ساد صمت ثقيل كأن القاعة تحبس أنفاسها.
قال أحد الأعضاء أخيرا
هل أنت متأكدة
نظرت ميا إليه مباشرة وقالت
بقدر ما يمكن أن تكون الحقيقة متأكدة.
قالت إيزابيل بنبرة لا تقبل الجدل
ليس خطأ النظام بل الطمع.
لم ينظر فيكتور إلى أحد وهو يغادر القاعة.
لم يكن مكبل اليدين لكن نظرته كانت فارغة كأن شيئا داخله انطفأ إلى الأبد شيء لم يكن مالا ولا منصبا.
على سطح المبنى كانت الرياح باردة تقطع السكون.
وقفت ميا تنظر إلى المدينة الممتدة تحتها تحاول استيعاب ما حدث وتحاول أن تقنع نفسها بأنها ما زالت واقفة.