أرملة ومعايا اربع عيال
دي؟ مش إنني مشيت، ولا العفش اللي ضاع، ولا الأوضة المتأجرة.. كان أصعب حاجة لما شفت زياد شايل شنطة الژبالة وبيحاول يسترجل ويبقى راجل البيت وهو عنده ستة عشر سنة! لما سمعت عمر بيسألني هي تيتا كمان بطلت تحبنا عشان بابا ماټ؟
وطت فاطمة رأسها وقالت أنا ما كنتش اعرف كل ده..
ردت مريم لأنك عمرك ما سألتي.
ساد السكوت في المحل. وفجأة بصت فاطمة لعروسة محطوطة ورا مريم. كانت لعروسة شاب بلبس أبيض خفيف.. ما كانش نسخة من طارق، بس كان له نفس ضحكته.
سألت بصوت واطي هو ده…؟
هزت مريم رأسها وقالت عملته عشان عيالي.
قربت فاطمة بالراحة، لمست طرف الكم.. وبدأت ټعيط. ما كانش عياط عادي.. غطت بقها واتكمشت كأن سنين الڠضب والغيظ نزلوا فوق ضهرها مرة واحدة.
قالت وهي بتشهق كنت بلوم كل حاجة.. بلومك أنتِ، والشغل، والعربية، والدنيا.. كنت فاكرة إنني لو اعترفت إنها حاډثة، هبقى بعترف إن ابني ضاع من غير ما يكون حد السبب.
ما ردتش مريم. كملت فاطمة طردكم كان حاجة بشعة.
ردت مريم أيوه.
افتكرت إنكم لو مشيتوا.. مش هشوف حاجته في كل حتة.
وإحنا خسرنا طارق وبيتنا في نفس اليوم.
بكت فاطمة أزيد وقالت سامحيني يا مريم..
قفلت مريم عينها. تخيلت الكلمة دي كتير زمان، وكانت فاكرة إنها لو سمعتها هترتاح.. بس ما حصلش. حسّت بحزن.
قالت لها في الآخر أقدر أسامحك.. بس المساامحة مش معناها إننا نعمل نفسنا نسين المأساة.
هزت فاطمة رأسها. ما دفعتش مريم ديونها، بس جابت لها محامي معرفة يسولها القروض والفلوس. وساعدها زياد تبيع حاجات ما كانتش محتاجاها. وبقت نور تزورها من وقت للتاني. ما رجعتش العلاقة زي الأول.. وتلك كانت
الحقيقة الصح. فيه حاجات بتتصلح.. وحاجات تانية بنتعلم نعيش مع شرخها.
كبر الأستاذ رشاد في السن. وبقت مريم أقرب تلميذة له، ومع السنين بقت فنانة لها اسمها. وفي معرض من المعارض، مسك رشاد إيدها وقال أنتِ ما بقيتيش تلميذتي.
ردت هفضل طول عمري تلميذتك.
قالها لأ.. أنتِ بقيتي زميلتي.. وساعات بتعملي حاجات أنا نفسي ما كنتش أقدر أعملها.
ابتسمت مريم وقالت ده معناه إن كان عندك أستاذ شاطر.
صلح لها وقال تلميذة شاطرة.. وست ناشفة ورافضة تتكسر.
ولما توفى الأستاذ رشاد بعد سنين، استلمت مريم مكالمة من محاميه. ساب لها رشاد كل أدواته، وأرشيفه، وجزء من مجموعته، ونفس العرايس اللي لقيتها جوة الدولاب القديم.
وكان كاتب في الوصية بسبهم لمريم لأنها في يوم من الأيام كانت تقدر تاخدهم وتستغلهم واختارت ترجعهم.. اللي يفهم إن حب الحاجة مش معناها امتلاكها هو الشخص الصح اللي يحافظ عليها.
بكت مريم وهي بتقرأ الكلام. ومع الوقت، فتحت مع عيالها مدرسة صغيرة لتصنيع وتصليح العرايس. تخصص زياد في الهياكل والخشب. ودرست نور تصميم القماش. وريم اتجهت للرسم. وعمر اللي كان دايماً بيصور عرايس أمه، بقى مصور محترف.
وفضلت شقة حلوان ملك لمريم. كانت تقدر تشتري بيت أكبر بكتير.. بس ما رضيتش تبيعها. كانت بتقول هنا اتعلمنا إن الفقر مش معناه الهزيمة.
وما اتخلصتش من الدولاب. صلحته على مدار شهور. شالت التراب والۏسخ، ورجعت النقوش، وصلحت الكالون. وحطته في مدخل المدرسة بتاعتها. ما بقاش جوه الدولاب مجسمات شبه الچثث.. بقى فيه تصاميم وأدوات رشاد القديمة وصور من أول مجموعة.
وكتبت عليه يافطة صغيرة ساعات الحياة بترميك في الژبالة مع كل حاجة افتكرت إنك هي.. بس ده مش معناه إنك خسړت قيمتك.
كان زوار المعرض يفتكروا الجملة عن الدولاب.. بس كانوا عيال مريم عارفين إنها بتتكلم
عن نفسها.
وفي مؤتمر من المؤتمرات، سألها واحد هل بتعتبر إن لقيان الدولاب كان حظ؟ فكرت مريم ثواني وقالت الدولاب كان حظ.. أما الباقي فكان قرارات.
سألها تقصدي إيه؟
ردت كنت أقدر أبيع العرايس.. كنت أقدر أطنش صاحبهم.. كنت أقدر أرفض دعوة الأستاذ رشاد.. كنت أقدر أستسلم لما كانت إيديا الأولانية بتطلع العرايس طين ومش مظبوطة.. وكنت أقدر أستسلم لما ماټ جوزي.. وكنت أقدر أصدق اللي قالوا لي إنني ضيعت عيلتي.
ابتسمت وقالت الحظ ببيفتح شوية أبواب.. بس أنت اللي بتحدد هتدخل ولا لأ.
وفي أول صف، كانوا عيالها الأربعة قاعدين.. ومعاهم الحاجة فاطمة.. بعد ما كبرت أوي في السن. ولما خلص المؤتمر، قربت فاطمة وحضنت مريم. ما قالوش حاجة.. ما كانش فيه داعي للكلام خلاص.
بصت مريم لعيالها وفهمت إنها لسنين كانت بتحكي الحكاية كأنها بدأت بالدولاب المرمي. بس ما كانش ده الحقيقي. بدأت حياتها الجديدة من زمان أوي.. بدأت في الليلة المرعبة اللي خرجت فيها مع أربع عيال وشنط ژبالة وهي حاسة إنها خسړت كل حاجة.
لأن البني آدم ساعات بيعرف قوته الحقيقية بالظبط لما حد يقفل الباب في وشه وهو فاكر إنه سابه من غير ولا حاجة.
خسړت مريم جوزها، وبيتها، والعيلة اللي افتكرت إنها ملكها.. بس لقيت حاجة محدش قدر ياخدها منها تاني أبداً صوتها، موهبتها، واليقين بإن حتى الحاجة اللي يرميها الناس تقدر بالصبر والحب تبقى حاجة عظيمة ومفيش منها.
النهاية
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد