جوزي باعني انا وابني

أن أمنحك فرصة لتختار إما أن توقع هذه الأوراق وتطلق زوجها شرعاً وتعترف بحقوقها، أو نذهب جميعاً إلى المحكمة غداً صباحاً، وهناك ستعرف بنفسك ثمن أفعالك.
الرجلان اللذان جاؤا مع محروس نظراً له باحتقار ووقفا جانباً
إذا كانت الأمور هكذا يا محروس، فأنتِ المخطئ. نحن لن نقف في صف من يظلم زوجته وابنه.
بقيت واقفة ممسكة بيد ياسين النائم في أحضاني، أشعر لأول مرة في حياتي أنني لست وحيدة. أن لي سنداً، وأن هناك من يراني كإنسانة، لا كشيء يُباع ويُشترى.

الجزء الرابع الحرية التي اشتريتها بنفسي
بعد صراع استمر ساعات طويلة، تردد محروس كثيراً، لكنه في النهاية أدرك أنه لا مفر منه. أمسك بالقلم بيد مرتعشة ووقع على وثيقة الطلاق أمام الشهود، ووقع أيضاً على إقرار يعترف فيه بحقي في الميراث وفي حضانة ياسين دون أي شروط أو نفقة يطلبها مني.
عندما انتهى، رمى القلم على الطاولة وقال بصوت أجش مليء بالخزي والڠضب
ستندمين.. بدون راجل تحميكِ، الحياة هتأكلكِ أنتِ والصغير.
غريب وقف وفتح له الباب
الباب مفتوح. اخرج من هنا، واتركهم في سلام. وتذكر جيداً الحياة لا تأكل إلا الضعفاء الذين يعيشون على حساب غيرهم. زينب أقوى منك بكثير، وسوف ترى بنفسك ذلك قريباً.
بعد أن غادر محروس ومعه رفيقاه، ساد صمت طويل في الكوخ. نظر غريب إليّ بابتسامة دافئة
أنتِ حرة الآن يا زينب. لا أحد يملككِ، ولا أحد يقرر مصيرك غيرك. المال الذي دفعته لمحروس هدية مني لكِ، لا داعي لردّه. استخدميه لتبدئي حياة جديدة حيث تشائين.
بكيتُ من أعماق قلبي، لكنها لم تكن دموع ضعف.. كانت دموع انعتاق وبداية طريق جديد لم أظن يومًا أنني سأسلكه.

الجزء الخامس الأرض التي عادت لصاحبتها
لم أغادر القرية هاربة، بل عدتُ إليها واقفة بكرامة. في الصباح التالي، ذهبتُ إلى المحكمة ومعي الأوراق والشهود، واسترددتُ نصيبي من الأرض التي حاول محروس طمس حقي فيها. لم أبيعها.. بل زرعتها بنفسي.
غريب لم يفرض نفسه على حياتي، بل كان يزورني من حين لآخر، ليس ليمنحني المال، بل ليعلمني كيف أزرع الأرض، كيف أدير مالي، وكيف أكون مستقلة بذاتي. قال لي ذات يوم
أهم درس ستتعلمينه يا زينب أنتِ لم تحتاجي لرجل ليحميكِ. قوتكِ كانت بداخلكِ طوال الوقت، فقط كنتِ تحتاجين لمن يريكِ كيف تخرجينها إلى النور.
مرت السنوات، وأصبحت مزارعة ناجحة، أزرع أرضي وأبيع منتجاتي في السوق، وفتحتُ بيتاً صغيراً دافئاً لي ولابني ياسين. كنت أعمل بيدي بكل فخر، ولم أنتظر من أحد شيئاً.
ذات صباح، سمعتُ خبراً من أهل القرية محروس خسر كل ما تبقى لديه في القماړ، وأصبح يعمل أجيراً في حقول الآخرين، وحيداً لا أحد معه. لم أشعر بالشماتة، فقط شعرت بالأسى الشديد على رجل باع سعادته بثمن بخس.
الجزء السادس الكرامة لا تُشترى بمال
عندما كبر ياسين وسألني ذات يوم ماما.. ليه بابا باعنا؟ ولماذا عم غريب ساعدنا؟، أجبتُه بكل صدق وهدوء
الناس يا بني تختلف منهم من يرى الآخرين أشياء تُباع وتُشترى، ومنهم من يرى في كل إنسان كرامة لا تُقدر بثمن. أبوك لم يكن يملك شيئاً يبيعه، فحاول أن يبيعنا، لكنه اكتشف متأخراً أن الإنسان لا يملك إلا نفسه. أما عم غريب فلم يشترِ شيئاً.. بل أعاد إلينا كرامتنا التي سُلبت منا.
في أحد الأيام، جاء غريب ليزورني، وبيده عقد ملكية لقطعة أرض صغيرة مجاورة لأرضي
هذه الأرض كانت لأمكِ.. اشتريتها من صاحبها لتكون ملكاً لكِ ولعائلتكِ يوماً ما. لكن تذكري دائماً الأرض ليست أغلى ما تملكين.. روحكِ الحرة هي كنزك الحقيقي.
وقفتُ معه على تلة عالية تطل على الحقول الخضراء، والشمس تشرق ببريقها الذهبي على الأرض التي أصبحت لي ولابني. لم أكن أغنى الناس بمال، لكنني كنت أغنى الناس بحرّيتي وكرامتي.
أعظم صفقة في حياتكِ ليست ما تشترينه بمال.. بل ما تستعيدينه من نفسكِ حين تدركين أنكِ لا تُباعين ولا تُشترين، بل أنتِ ثمينة بذاتكِ، وهذا يكفيكِ للأبد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *