مثلت اني مسافره

ملك لزوجتي صفاء قبل زواجنا، وأن جميع ما بنيناه معًا ملكٌ لها وحدها. وأيضًا، هناك وصية مكتوبة بخطي كل ما أملك يذهب لصفاء طوال حياتها، وبعدها يقسم بين مروة وياسين بالتساوي. لا حق لأحد آخر فيه، ولا سلطة لأحد على قراراتكم.
وأخيرًا.. إن المال يأتي ويذهب، لكن العائلة التي تحمي بعضها لا تهزمها ريح ولا زمن. أوصيكم ببعضكم، فأنتم بيتي الذي سأظل أسكنه في قلبي حتى ألقاكم.
سكتُّ للحظة، وأكملت بصوت حازم
كريم.. لقد أعطيتكِ فرصة لتعتذر وتغادر بسلام، لكنك اخترتِ أن تتآمر علينا. لقد سجلتُ اعترافاتك بصوتك مسجلة، ولديّ الشهود. يمكنني أن أطلب منك مغادرة البيت فورًا، أو أرفع قضية ضدك تدمر مستقبلك كله. اختر.. وأنا أنصحك بالرحيل قبل فوات الأوان.
بدا وكأن سقف العالم قد سقط فوق رأسه. لم يجد كلمة يقولها، بل انحنى يجمع أغراضه في صمتٍ مرير، وغادر البيت دون أن يلتفت إلى الوراء. لم أشعر بمتعة الانتصار.. فقط شعرتُ بمرارة الفقد. فقدتُ قريبًا، لكنني استعدتُ أسرتي وبيتي وكرامتي.
الجزء الخامس حين عاد الهدوء لقلب البيت
مرت الأسابيع التالية ببطء وشفاء. نظفنا الورشة، ورتبناها لتصبح مساحة لعب ودراسة لياسين، بدلاً من أن تكون سجنًا مؤقتًا اختبأت فيه مروة خوفًا من المستقبل المجهول. أعدنا فتح خزانة حسام السرية، ووجدنا فيها مفاجأة إضافية دفتر ملاحظات قديم كان يسجل فيه أسماء العائلات المحتاجة في الحي ومبالغ التبرعات الشهرية التي كان يرسلها لهم بصمت.
قلتُ لمروة وأنا أضع يدي على الدفتر
أبوكِ لم يترك لنا مالًا فقط.. ترك لنا طريقًا نسلكه من بعده. من اليوم، سنجعل من الورشة مكانًا لتعليم الموسيقى والنجارة للأطفال في الحي، مجانًا. هكذا يعيش الإنسان بعد مۏته.. في أثره الطيب الذي لا ينقطع.
بدأنا المشروع ببطء. اشترينا أدوات موسيقية بسيطة، واستعنّا بمعلمين متطوعين. ياسين كان أول تلميذ، وكمال كان مدير الورشة الجديد والقائم على تعليم الحرف اليدوية للأولاد. الناس في الحي بدأوا يتوافدون، ليس فقط لما نقدمه، بل لروح الدفء التي بدأت تشع من بيتنا مرة أخرى.
وذات مساء، وبينما كنت أعزف على البيانو مقطوعةً كان حسام يحبها، جلست مروة بجانبي وقالت بصوتٍ هادئ
كنتُ خائڤة يا أمي.. خائڤة من المستقبل، خائڤة من كريم، خائڤة أن أفقدكِ وأنتِ مريضة وسمعكِ يقل. لكنكِ أثبتِ لي أن الخۏف لا يمنع المۏت.. بل يمنع الحياة. سأبقى بجانبكِ من الآن.. لا أخفي شيئًا، ولا أخاف أحدًا.
أمسكتُ بيدها الدافئة بين يدي
الضعف ليس في المړض يا بنتي.. الضعف في الصمت حين تتعرضين للظلم. سمعي قد يقل، لكن قلبكِ يجب أن يظل يسمع الحق دائمًا. هذا هو الإرث الحقيقي لجدكِ ولأبيكِ.
الجزء السادس العيد الذي جاء في غير موعده
في الذكرى السنوية الأولى لرحيل حسام، افتتحنا رسميًا مركز بيت النغمة والخشب في
ورشته القديمة. حضر الجيران والأصدقاء، وكريم أرسل رسالة قصيرة من مدينة أخرى يعمل فيها الآن آسف.. وشكرًا لأنكِ لم تدمريني حين كان بيدكِ ذلك الخيار. لم أرد برسالة.. لكنني دعوت الله أن يجد طريقه الصحيح يومًا.
وقفتُ أمام الحضور، ومعي مروة وياسين وكمال، وقلت لهم بصوتٍ يسمعه الجميع
قالوا لي إن بيتكِ سيخلو منكِ، وإن ضعفكِ سيكون فرصتهم.. ولم يعرفوا أن بيت الإنسان لا يُبنى بالجدران، بل بمن يبقى فيه حين تغيب الشمس وتشتد العاصفة.
لم أكن وحدي.. كنتُ محمية بحب زوجي الذي زرع الثقة فيّ قبل رحيله، وبشجاعة ابنتي التي صمدت في وجه الخۏف، وبصداقة رجل أمين لم يتخلى عن ذكر صديقه القديم.
وأخبركم سرًا.. الأبواب المغلقة ليست دائمًا سجنًا. أحيانًا هي مكان تختارينه بنفسكِ لتعيدي بناء نفسكِ من جديد. والبيت الحقيقي ليس المكان الذي تسكنينه.. هو المكان الذي يحتضنكِ أنتِ بكل عيوبكِ وضعفكِ، ولا يطلب منكِ سوى أن تكوني أنتِ.
عزف ياسين على البيانو مقطوعةً بسيطة تعلمها خصيصًا لهذا اليوم، والدمع في عينيه والابتسامة على وجهه. نظرتُ إلى أعلى النافذة، وكأنني أرى حسامًا يبتسم لنا ويصفق ببطء، ثم يختفي في أشعة الشمس الدافئة التي كانت تتسلل عبر الورشة القديمة، مضيئةً كل زاوية كانت مظلمة يومًا ما.
تمت القصة بحمد الله

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *