رحت اعمل فحص
لما قربت أسلم عليه، اتحركت بسرعة ومشيت. ساعتها أبوكي قال لي إنها واحدة من معارفه القديمة، وإنها محتاجة مساعدة.
حسيت إن نفسي بيتسحب مني.
ومع ذلك، ما فكرتش تسأل؟
يا مريم، أنا غلطان إني ما سألتش، بس ما كنتش متخيل إن الموضوع يوصل لكده.
وأنا مش متخيلة إن أقرب اتنين ليا يقدروا يخلوني آخر واحدة تعرف الحقيقة عن حياتها.
دخلت أوضتي، وقفلت الباب، وطلعت تليفوني. كنت محتاجة أشوف أبويا، لكن قبل ما أواجهه لازم أعرف أنا بدور على إيه بالضبط.
فتحت صور التقارير اللي أخدتها من المستشفى، وبدأت أقارن التواريخ بالعناوين المكتوبة في الملف.
التقرير الأول كان من خمس سنين، في الفترة اللي كنت ساكنة فيها في شقة إيجار قريبة من الجامعة.
التقرير التاني كان من سنتين، بعد ما رجعت أقعد مع أبويا في بيته بشهور.
أما التقرير التالت، فكان من تمانية شهور، بعد ما نقلت لشقتي الحالية، وقبل تحديد ميعاد كتب كتابي على أحمد.
ثلاث عمليات إجهاض مزعومة.
ثلاثة أماكن مختلفة.
وثلاث فترات من حياتي كنت فاكرة إني عارفاها كويس.
لكن فيه تفصيلة صغيرة لفتت نظري في التقرير الأول، رقم تليفون التواصل كان رقم قديم لأبويا. في التاني، الرقم نفسه. وفي التالت، الرقم كان رقمي أنا، رغم إني ما قدمتش أي ورق للمستشفى دي طول عمري.
معنى كده إن الشخص اللي كان بيعمل الإجراءات دي كان عنده بياناتي كلها، وبيتابع تحركاتي لدرجة إنه عرف رقم تليفوني الجديد.
فتحت درج مكتبي، وطلعت ملف أوراقي الشخصية. شهادات الجامعة، صور البطاقة القديمة والجديدة، شهادات الميلاد، وأوراق التأمين.
كل حاجة كانت موجودة.
إلا صورة بطاقتي القديمة.
فاكرة كويس إني احتجتها من خمس سنين عشان أعمل اشتراك في مكتبة خاصة، وبعدها رجعتها في الملف.
لكن الصورة مش موجودة.
فضلت أبص للدرج المفتوح، لحد ما سمعت صوت أحمد من بره
مريم، أبوكي بيتصل.
مسكت التليفون.
أبويا.
رديت من غير سلام.
إنت فين يا بابا؟
في البيت يا بنتي. مال صوتك؟
عايزة أشوفك حالًا.
سكت لحظة، وبعدين قال
فيه إيه؟
أنا عرفت موضوع المستشفى.
سمعت نفسًا طويلًا من الناحية التانية. مفيش صدمة، ولا سؤال عن قصدي، ولا حتى محاولة يفهم أنا بتكلم عن إيه.
قال بصوت مكسور
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
قفلت عيني.
يبقى استناني. أنا جاية.
وصلت بيت أبويا بعد أقل من نص ساعة. كان قاعد في الصالة، قدامه فنجان
قهوة بارد، وعلى الترابيزة صورة قديمة ليا وأنا طفلة، واقفة جنبه في حديقة البيت.
أول ما دخلت، قام وقف.
اقعدي يا مريم.
مش هقعد قبل ما أفهم. مين الست اللي كانت معاك في المستشفى؟ وليه فيه تلات عمليات إجهاض باسمي؟ وليه أحمد كان هناك؟
قعد أبويا ببطء، وحط إيده على وشه.
أنا غلطت.
الكلمتين دول ۏجعوني أكتر من أي اعتراف تاني.
غلطت إزاي؟
بص لي بعينين حمراوين.
من خمس سنين، كنت فاكر إني بحميكي.
من مين؟
من الحقيقة.
حسيت إن أعصابي هتنهار.
أي حقيقة؟ أنا عمري ما كنت حامل، ولا دخلت مستشفى عشان أعمل عملية!
هز راسه.
عارف.
عارف؟! يعني إنت عارف إن فيه حد استخدم اسمي وبياناتي، وخلّى مستشفى تسجل عليا عمليات ما حصلتش، وسايبني أعيش خمس سنين من غير ما أعرف؟
اسمعيني للآخر.
أنا سمعت كتير يا بابا. المرة دي إنت اللي هتسمعني.
سكت، وبعدين مد إيده ناحية درج جانبي وطلع ظرف أبيض قديم.
كل اللي حصل بدأ يوم ما أمك ماټت.
الكلام نزل عليا زي حجر.
أمي ماټت وأنا عندي سبع سنين، بسبب مضاعفات مرض مفاجئ. وكنت دايمًا فاكرة إن الۏفاة حصلت بسرعة، وإن أبويا حاول ينقذها بكل الطرق.
فتح الظرف، وطلع منه صورة لسيدة في الأربعينات، ملامحها قريبة مني بشكل يخوف.
دي اسمها سلوى. أخت أمك.
فضلت باصة للصورة، مش مستوعبة.
ماما ما كانش ليها إخوات.
ده اللي أنا قلته لك طول عمرك.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
أبويا كمل
أمك كان ليها أخت أصغر منها، لكن العيلة قطعت علاقتها بيها من سنين طويلة. سلوى اتجوزت وهي صغيرة، وخلفت بنت. بعد كده حصلت مشاكل كبيرة، وسافرت بره مصر، وانقطعت أخبارها. أمك كانت بتبعت لها فلوس من غير ما حد يعرف، وكانت پتخاف تقول لأهلها إنها لسه على تواصل معاها.
بصيت للصورة تاني.
والبنت دي مين؟
أبويا ما ردش بسرعة.
وبعدين قال
اسمها ندى.
فين ندى دلوقتي؟
ماټت.
الكلمة خرجت منه بصعوبة، لكن وقعها كان أكبر من إني أستوعبه.
ماټت إمتى؟
من خمس سنين.
افتكرت التاريخ المكتوب على أول تقرير.
نفس السنة.
بصيت له ببطء.
إيه علاقة مۏتها بعمليات الإچهاض اللي اتسجلت باسمي؟
أبويا حط الصورة على الترابيزة، وقال
ندى كانت عايشة في مصر من غير ما حد يعرف. رجعت قبل مۏتها بفترة، وكانت مريضة. كانت بتتعالج في مستشفى خاصة، لكن حصلت مشكلة في أوراقها، وكانت خاېفة إن أهل أبوها يعرفوا مكانها. في آخر أيامها، طلبت مني
أساعدها.
بإني أديها بطاقتي؟
هز راسه، وعينه مليانة دموع.
هي ما طلبتش منك حاجة. أنا اللي أخدت صورة بطاقتك من أوراقك،