رحت اعمل فحص

قال
أيوه. أنا اللي قدمت صورة بطاقة مريم.
الغرفة سكتت.
الدكتورة نهى بدأت تكتب، والمستشار سامح طلب منه يحكي كل التفاصيل من البداية، من غير ما يخفي أي حاجة.
أبويا أخذ نفسًا طويلًا، وبدأ يتكلم.
قال إن ندى، بنت خالة أمي، رجعت مصر قبل خمس سنين بعد ما عاشت فترة طويلة خارج البلد. كانت مريضة، وعلاقتها بأبوها كانت سيئة جدًا، لدرجة إنها كانت خاېفة يعرف مكانها.
لكن المفاجأة ما كانتش في مرض ندى.
المفاجأة كانت في السبب اللي خلا أبويا يساعدها بالسر ده كله.
ندى كانت بنت اتربت في ظروف صعبة، وبعد ۏفاة أمها وهي صغيرة، انتقلت تعيش مع أبوها وزوجته الجديدة. أبوها كان رجلًا ثريًا، لكنه كان شديد السيطرة، وكان بيتعامل معاها كأنها جزء من ممتلكاته.
لما كبرت، اكتشفت إن والدها بيحاول يجبرها على التنازل عن نصيبها في ميراث أمها، وإنه استغل سفرها لسنين عشان يسيطر على أملاك كانت من حقها.
ندى رفضت.
ومن وقتها، بدأت المشاكل بينهم.
رجعت مصر سرًا عشان تقابل محاميًا وتستعيد حقها، لكنها اكتشفت إنها مصاپة بمرض خطېر محتاج علاج سريع. ولأنها كانت خاېفة من إن أبوها يعرف مكانها ويمنع عنها الفلوس اللي بتتعالج بيها، لجأت لأبويا.
قال أبويا
ندى كانت شبه مريم بشكل كبير، وأنا وقتها كنت مړعوپ عليها. كانت بتترجاني أساعدها، وأنا بدل ما أتصرف صح وأطلب مساعدة قانونية، اخترت الطريق الأسهل. استخدمت صورة بطاقة مريم عشان أسجل بعض الإجراءات باسمها.
المستشار سامح قاطعه
هل كنت تعرف إن ده مخالف للقانون؟
أبويا هز راسه.
كنت عارف إن اللي بعمله غلط، لكن ما كنتش متخيل إن الموضوع هيتحول لتلاتة ملفات طبية بالشكل ده.
سألته الدكتورة نهى
هل حضرتك تعرف ليه اتسجلت الإجراءات على إنها عمليات إجهاض؟
أبويا هز راسه.
لأ. أنا ما كنتش موجود في كل مرة، وما شفتش كل الأوراق اللي اتعملت.
هنا رفعت إيدي.
يعني إنت استخدمت بطاقتي، لكن مش عارف إيه اللي اتكتب في ملفاتي؟
بص لي بأسى.
أيوه.
وده معناه إنك كنت مستعد تسيب اسمي مربوط بأي حاجة، من غير ما تعرف إيه هي، طالما شايف إنك بتحمي ندى؟
ما ردش.
والحقيقة إن سكوته كان أقسى من أي إجابة.
المستشار سامح طلب يشوف الملف الأزرق اللي جايباه، وأخده يقلب في الأوراق. لما وصل لخطاب أمي القديم، وقف عنده شوية.
الخطاب ده أصلي؟
قلت له
لقيته في أوراق أبويا. مكتوب بخط إيد أمي.
قرأ أول سطرين، وبعدين رفع عينه.
هل حضرتك تعرفي مضمون الخطاب؟
قلت
أعرف إن أمي كانت بتتكلم عن ندى، وإنها ما سابتنيش بإرادتها. لكن مش فاهمة المقصود.
المستشار طلب من الدكتورة نهى تكمل مراجعة الأوراق، وبعدين قال لأبويا
هل فيه أي مستند تاني يوضح طبيعة العلاقة بين الأسرة وندى؟
أبويا أومأ ببطء.
فيه خطاب تاني. كنت محتفظ بيه في البيت.
ممكن تجيبه؟
أيوه.
لكن قبل ما نكمل، لازم أوضح إن استخدام بيانات شخص آخر في ملف طبي، خصوصًا في إجراءات حساسة، مسألة خطېرة، ولازم يتم التعامل معاها رسميًا. إحنا هنحتفظ بنسخ من المستندات، وهنراجع المسؤوليات المرتبطة بيها.
لأول مرة من بداية الحكاية، حسيت إن فيه حد بيتعامل مع اللي حصل باعتباره مشكلة حقيقية، مش سر عائلي لازم يتدفن.
لكن لسه كان فيه سؤال واحد بيطاردني.
ليه أمي كتبت إنها ما سابتنيش بإرادتها؟
استنيت لحد ما خلصوا تسجيل أقوالنا، وبعدها طلبت من أبويا يخرج معايا للممر.
وقفنا قدام شباك طويل بيطل على الشارع.
قلت له
أنا عايزة أعرف كل حاجة عن ماما. مش بس موضوع ندى.
غمض عينه.
عارف.
لأ، إنت مش عارف. إنت طول عمرك بتحكي لي إنها ماټت بعد مرض قصير، وإنها كانت بتحبني، وإنها ما كانش عندها أسرار. دلوقتي اكتشفت إنك كنت بتخبي عني جزء كبير من حياتها.
قال بصوت متعب
أمك كانت بتحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا.
يبقى ليه ما قالتليش الحقيقة؟
أبويا سند ضهره على الحيطة، وفضل ساكت لحظات طويلة.
وبعدين بدأ يحكي.
قبل ما أموت أنا في الحكاية دي بخمس سنين، كانت أمي عرفت إن ندى رجعت مصر. حاولت تساعدها، وبدأت تتواصل معاها من غير ما تقول لأبوها، لأن أبو ندى كان لسه بيدور عليها.
أمي كانت شايفة إن ندى تستحق تستعيد حقها، وكانت بتحاول تجمع أوراق تثبت إن فيه ممتلكات اتسجلت باسم أبوها رغم إن جزءًا منها كان من حق أم ندى.
لكن قبل ما تقدر تكمل، مرضت أمي فجأة.
في الأيام الأخيرة من حياتها، طلبت من أبويا يوصل رسالة لندى، وقالت له إن فيه أوراق لازم تتسلم لمحامي، وإنه لازم يحافظ على نسخة منها بعيدًا عن أبو ندى.
أبويا وعدها.
لكن بعد ۏفاة أمي، اتخض من حجم الموضوع. خاف يدخل في ڼزاع مع رجل عنده فلوس ونفوذ، وخاف كمان إن مشاكل ندى تأثر على حياتي.
فاحتفظ بالأوراق، وما سلمهاش للمحامي.
ولما ندى رجعت بعد سنين، وطلبت منه مساعدته، افتكر إن دي فرصته يصلح جزءًا من غلطه القديم.
لكنه بدل ما يصلح الغلط، ارتكب غلطًا أكبر.
سألته
طيب، إيه اللي حصل لندى في الآخر؟
قال
كانت بتتعالج، لكن حالتها كانت متأخرة. فضلت فترة بتتنقل بين المستشفيات، لحد ما ټوفيت بعد شهور من رجوعها. قبل ۏفاتها، ادتني صندوق صغير فيه أوراق أمك، وطلبت مني أسلمه للمحامي اللي كانت بتتعامل معاه.
وسلمته؟
هز راسه.
لأ.
بصيت له پصدمة.
إنت ليه عملت كده؟
كنت خاېف. لما عرفت إن أبو ندى بيدور على الأوراق، خفت أكون دخلت نفسي في قضية كبيرة، وخفت كمان إنك تعرفي إني استخدمت بياناتك. فخبيت الصندوق.
والست اللي أحمد شافها؟
كانت واحدة من الناس اللي بتساعد ندى. اسمها هالة. بعد ۏفاة ندى، حاولت توصل لي أكتر من مرة عشان أديها الأوراق. وأنا كنت بتهرب منها.
والتقرير الأخير؟
هالة رجعت المستشفى عشان تصحح بيانات ملف ندى، وتثبت إن العمليات ما كانتش تخصك. كانت عايزة تقفل الموضوع بشكل رسمي، لكن الموظفين اكتشفوا إن الملفات محتاجة مراجعة. وأنا لما عرفت، خفت واتصرفت بغباء تاني.
وقفت قدامه، وحسيت إن الڠضب اللي جوايا بدأ يتحول لحزن ثقيل.
إنت ما كنتش بتحمي ندى بس يا بابا. إنت كنت بتحمي نفسك من مواجهة غلطك.
نزل عينه للأرض.
عندك حق.
ما حاولش يدافع عن نفسه، وده خلاني أستوعب حجم الندم اللي عايش فيه.
لكن الندم، مهما كان صادقًا، ما كانش كفاية يمسح اللي حصل.
قلت له
أنا هكمل الإجراءات القانونية. وهسلم كل الورق للمستشفى والجهات المختصة. ومش هطلب من حد يخفي حاجة عشان اسم العيلة أو عشان خاطري.
هز راسه.
أنا مش همنعك.
وكمان هتروح معايا للمحامي اللي كانت ندى بتتعامل معاه، لو قدرنا نوصل له.
قال
هروح.
رجعنا للغرفة، وسلم أبويا المستشار سامح نسخة من الخطاب، واتفقنا على تسليم الصندوق القديم بمجرد ما نرجع البيت.
لكن قبل ما نغادر، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.
المستشار سامح طلب من أحمد يفضل شوية.
خرجت أنا وأبويا للممر، وبعد حوالي عشر دقايق، خرج أحمد ووشه مختلف.
كان واضح إنه عارف إن فيه قرار لازم ياخده.
قرب مني وقال
مريم، ممكن نتكلم؟
بصيت له ببرود.
اتفضل.
قال
أنا عارف إنك فقدتي ثقتك فيا، وعارف إن ده مش هيتصلح بكلمتين. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. يوم ما روحت المستشفى، أنا ما كنتش مجرد واحد بيوصل ظرف زي ما قلت لك.
قلبي انقبض.
يعني إيه؟
أبوكي طلب مني أوصل الظرف، وبعدها قال لي إن فيه مستندات لازم أوقع على استلامها. أنا رفضت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *