رحت اعمل فحص

أمضي على أي حاجة تخصك من غير ما تكوني موجودة، لكنه قال لي إن التوقيع مجرد إثبات استلام للظرف، مش موافقة على إجراء طبي.
وإنت وقعت؟
هز راسه.
أيوه. وده كان غلط مني. ما قريتش الورقة كويس، وافتكرت إن الموضوع إداري. بعدين، لما رجعت البيت، حسيت إن فيه حاجة مش طبيعية، فرجعت أسأله. قال لي إن الموضوع انتهى، وإنه هيشرح لك كل حاجة في الوقت المناسب.
بصيت له بۏجع.
وعديت تمانية شهور من غير ما تقولي؟
أيوه. وده أكبر غلط عملته.
سكت لحظة، وبعدين كمل
أنا ما كنتش عارف إن الورقة مرتبطة بملف طبي، لكن كان لازم أتأكد. أنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي، ولا هضغط عليك عشان نكمل الجواز. أنا مستعد أقول كل اللي أعرفه للمراجعة القانونية، حتى لو ده هيحطني في موقف صعب.
لأول مرة، حسيت إن أحمد بدأ يتحمل مسؤولية قراره بدل ما يختبئ ورا ثقة في أبويا.
لكن ده ما كانش معناه إني سامحته.
قلت له
أنا محتاجة وقت. وكتب الكتاب هيتأجل لحد ما الموضوع يخلص، ولحد ما أعرف إذا كنت أقدر أثق فيك تاني ولا لأ.
أحمد أومأ.
من حقك.
ما حاولش يمسك إيدي، ولا يطلب مني فرصة، ولا يقول لي إن الحب كفاية.
وساعتها بس حسيت إنه فهم إن الاعتذار الحقيقي مش إنك تطلب من الشخص اللي اتأذى إنه ينسى، لكن إنك تقبل نتيجة اللي عملته.
رجعنا البيت بعد المغرب.
أبويا دخل أوضته، وطلع صندوقًا خشبيًا صغيرًا، كان مخبيه في الدولاب من سنين. حطه قدامي على السفرة، وفتح القفل بمفتاح قديم.
جواه كانت فيه رزمة خطابات، وصور، ونسخ من عقود ملكية، وملف طبي قديم باسم ندى.
وكان فيه ظرف مكتوب عليه بخط أمي
إلى مريم، لو كبرت وعرفت الحقيقة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
الخطاب كان قصيرًا، لكن كل كلمة فيه كانت بتفتح بابًا من الذكريات.
أمي كتبت إنها كانت عارفة إن علاقتها بأختها سلوى اتقطعت بسبب خلافات قديمة، وإنها فضلت طول عمرها ندمانة إنها ما قدرتش تصلح العلاقة بينهم.
وكتبت إن ندى ما كانتش مجرد بنت خالتها، لكنها كانت بنتًا عانت من ظلم طويل، وإنها كانت بتحاول تساعدها تستعيد حقها.
وفي آخر الخطاب، كتبت
يا مريم، لو وصل لك الكلام ده يومًا، ما تخليش خوف الناس من الڤضيحة يخليكي تسكتي عن حقك. الغلط مش بيتصلح بإخفائه، والستر مش معناه إننا نسيب المظلوم لوحده. الحقيقة ممكن توجعنا، لكنها بتدينا فرصة نبدأ من جديد من غير كڈب.
وقفت عند الجملة الأخيرة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
أمي ما كانتش بتكلمني عن ندى بس.
كانت بتكلمني عن اللي حصل بعد ۏفاتها، عن خوف أبويا، وعن القرار اللي أخده بدل ما يواجه الحقيقة.
طويت الخطاب بهدوء، وحطيته في الظرف.
أبويا كان واقف بعيد، وعينه مليانة دموع.
قال
أنا آسف يا بنتي.
بصيت له.
أنا عارفة إنك كنت خاېف. وعارفة إنك كنت فاكر إنك بتحمي ناس بتحبهم. لكن الخۏف مش مبرر إنك تاخد حقي في معرفة الحقيقة.
عارف.
أنا مش هقدر أرجع أثق فيك زي الأول في يوم وليلة. لكن لو عايز تصلح اللي حصل، لازم تتحمل المسؤولية كاملة.
هز راسه.
هعمل كده.
وفي اليوم التالي، بدأنا أول خطوة فعلية.
اتصلنا بالمحامي اللي كانت ندى بتتعامل معاه، واسمه عادل فوزي. لما سمع اسم ندى، سكت لحظة طويلة، وبعدين طلب يشوفنا في مكتبه.
لما وصلنا، استقبلنا بحذر، لكنه أول ما شاف الخطاب القديم، عرف خط أمي.
قال
أنا كنت مستني الأوراق دي من سنين.
بصيت له.
حضرتك كنت تعرف إن فيه ملفات طبية اتسجلت باسمي؟
هز راسه.
عرفت مؤخرًا إن فيه مشكلة في السجلات، لكن ما كنتش أعرف مين المسؤول عنها. ندى كانت عايزة تثبت هويتها الحقيقية، وتحمي حقها في الميراث. كانت عارفة إن أبوها ممكن يستخدم أي خطأ ضدها، وعشان كده كانت حريصة جدًا على الأوراق.
فتح الملف اللي جابه، وطلع منه مستندات ملكية وشهادات رسمية.
وأوضح إن ندى كانت تمتلك نصيبًا قانونيًا في عقار قديم ورثته عن أمها، وإن أبوها كان بيحاول ينقل الملكية كلها لنفسه. بعد ۏفاة ندى، الحق ده ما اختفاش، لكن إثباته بقى أصعب بسبب نقص بعض المستندات.
الخطابات اللي كانت في الصندوق أثبتت إن أمي كانت بتساعد ندى في جمع الأدلة، وإن فيه مستندات أصلية كانت محفوظة عندها.
لكن المحامي وضح نقطة مهمة
الأوراق دي ممكن تساعد في مراجعة حقوق ندى، لكن مش معناها إن أي ميراث هينتقل تلقائيًا لمريم. لازم نحدد الورثة القانونيين، ونراجع العقود، ونمشي بالإجراءات الصحيحة.
وافقت، لأن اللي كنت عايزاه ما كانش فلوس ندى.
كنت عايزة أعرف الحقيقة، وأصلح الضرر اللي اتسبب فيه استخدام اسمي.
اتفقنا إن كل المستندات تتقدم للجهات المختصة، وإن أبويا يدلي بأقواله كاملة، وإن أحمد يقدم إفادته عن اللي حصل في المستشفى.
أما ملفاتي الطبية، فطلبنا تصحيحها رسميًا بعد انتهاء المراجعة، مع الاحتفاظ بكل الأدلة على الخطأ، عشان ما يتكررشي مع أي شخص تاني.
مرت أسابيع من الإجراءات والتحقيقات.
ما كانتش سهلة.
أبويا اضطر يعترف إنه استخدم بياناتي من غير إذني، وإنه قدم مستندات ناقصة، وإنه أخفى أوراقًا كان ممكن تساعد في كشف الحقيقة من بدري.
المستشفى بدأت مراجعة إجراءات التحقق من الهوية، وراجعت مسؤولية الموظفين اللي تعاملوا مع الملفات. واتضح إن بعض الأخطاء حصلت بسبب الاعتماد على بيانات غير مكتملة، وإن جزءًا من المشكلة كان نتيجة إهمال في المراجعة.
أما هالة، الست اللي كانت بتحاول تصحح ملف ندى، فقدمت إفادتها وأكدت إن ندى ما طلبتش منها في أي وقت إنها تنتحل شخصية حد، وإنها كانت عايزة تصحيح السجلات قبل ما ټموت.
بعد مراجعة الأدلة، صدر قرار بتصحيح السجلات الطبية المرتبطة باسمي، وإضافة ملاحظة رسمية توضح إن الإجراءات المسجلة لا تخصني، وإن الملفات القديمة كانت محل مراجعة بسبب استخدام بيانات هوية غير صحيحة.
استلمت نسخة من التصحيح، وفضلت باصة للورقة وقت طويل.
لأول مرة من بداية الحكاية، حسيت إن اسمي رجع لي.
مش لأن الورقة لوحدها تقدر تمسح كل اللي حصل، لكن لأنها كانت دليلًا إن الحقيقة اتقالت أخيرًا، وإن الغلط ما بقاش سرًا محبوسًا في درج قديم.
بعد حوالي شهرين، طلبت من أحمد نقعد في مكان هادي ونتكلم.
اختارنا كافيه صغير على النيل، بعيد عن الناس اللي تعرفنا.
وصل قبلي، ولما شافني قام وقف.
قعدنا، وفضلنا لحظات ساكتين.
وبعدين قال
أنا عارف إنك ممكن تكوني جاية تقولي إن كل حاجة انتهت.
بصيت له بهدوء.
أنا جاية أقول لك إني فكرت كتير. وفهمت إنك ما كنتش عارف الحقيقة كاملة، لكنك كنت عارف إن فيه حاجة غلط، واخترت ما تسألش.
هز راسه.
ده صحيح.
أنا مش هعاقبك على حاجة ما عملتهاش، لكن كمان مش هتجاهل اللي عملته فعلًا. الثقة مش بترجع بمجرد إن التحقيق خلص.
قال
أنا مش مستني منك تنسي.
كويس. لأن اللي حصل مش حاجة أنساها. أنا محتاجة أعرف إنك لو قابلت موقف صعب تاني، مش هتختار الصمت لمجرد إن الشخص اللي قدامك قريب منك.
أحمد بص لي طويلًا.
أنا بدأت أروح لمختص عشان أفهم ليه كنت بهرب من المواجهة، وليه كنت بافترض إن الثقة معناها إني ما أسألش. مش بقول لك كده عشان تقبلي ترجعيلّي، لكن عشان أنا محتاج أتغير فعلًا.
ما كانش كلامًا كبيرًا، ولا

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *