رحت اعمل فحص

وعدًا رومانسيًا، لكنه كان أول مرة يتكلم فيها عن مسؤوليته من غير ما يطلب مني أريحه من شعوره بالذنب.
قلت له
أنا مش جاهزة نحدد ميعاد جديد للجواز. لكن لو هنكمل، هنكمل من البداية، بوضوح. أي حاجة تخص حياتنا لازم نكون عارفينها إحنا الاتنين. مفيش أسرار مصيرية، ومفيش قرارات نيابة عن بعض.
قال
موافق.
وموافقتك دي مش معناها إني سامحتك بالكامل. دي معناها إني مستعدة أشوف إذا كان التغيير حقيقي.
ابتسم ابتسامة صغيرة، فيها ارتياح وحزن في نفس الوقت.
ده أكتر من اللي كنت متوقعه.
ما رجعناش لبعض في نفس اليوم، وما حددناش موعدًا للزفاف.
اتفقنا بس إننا ناخد وقتنا، وإن كل واحد فينا يتحمل نتيجة قراراته بدل ما يستعجل نهاية مريحة.
أما أبويا، فالعلاقة بيننا اتغيرت.
في البداية، كنت بزوره قليلًا، والكلام بيننا كان رسميًا. ما كنتش قادرة أتعامل معاه كأن مفيش حاجة حصلت.
لكنه ما ضغطش عليّ.
بدأ يروح للمحامي، ويساعد في استكمال الأوراق، ويقدم أي معلومات مطلوبة. ولأول مرة، ما حاولش يخفي خطأه بحجة إنه كان خاېف عليّ.
بعد فترة، وصلنا خبر إن ملف حقوق ندى اتراجع قانونيًا، وإن المستندات ساعدت في إثبات جزء من حقها في الميراث. الإجراءات استغرقت وقتًا، لكن أخيرًا بقى فيه أساس قانوني واضح لمراجعة الممتلكات اللي كانت محل ڼزاع.
ما أخدتش أنا فلوسًا باعتبارها تعويضًا عن اللي حصل لي، لأن الموضوع ما كانش بهذه البساطة، ولأن حق ندى كان لازم يتحدد وفق القانون، مش وفق شعورنا بالذنب.
لكنني طلبت من المحامي إن أي جزء يثبت إنه من حق ندى، ويتقرر قانونًا إنه يعود لورثتها، يتم التعامل معاه بشفافية كاملة.
ما كنتش عايزة أكرر نفس الخطأ إن حد يقرر مصير شخص تاني بدافع إنه عارف مصلحته.
وفي يوم هادي، بعد انتهاء إحدى جلسات المراجعة، رحت قبر أمي.
خدت معايا خطابها القديم، ووقفت قدام قپرها، وقلت بصوت واطي
أنا عرفت يا ماما. يمكن اتأخرت خمس سنين، لكن عرفت. ومش هخلي خوف حد يدفن الحقيقة تاني.
ما كانش عندي إجابة منها، ولا كنت مستنية معجزة تحصل.
كنت بس محتاجة أقول الكلام ده، وأحس إني أخيرًا خرجت من الدائرة اللي فضلت محپوسة فيها من غير ما أعرف.
وقبل ما أمشي، افتكرت آخر جملة كتبتها أمي في الخطاب
الحقيقة ممكن توجعنا، لكنها بتدينا فرصة نبدأ من جديد من غير كڈب.
وقتها فهمت إن النهاية المنطقية للحكاية مش إن كل الناس تسامح بعضها، ولا إن كل علاقة ترجع زي الأول.
النهاية الحقيقية كانت إن كل واحد بقى مسؤول عن اختياراته.
أبويا فهم إن الحب من غير احترام لحق الإنسان في معرفة الحقيقة ممكن يتحول لسيطرة، حتى لو كانت النية طيبة.
أحمد فهم إن الثقة مش معناها إنك تقفل عينيك عن الأسئلة، لكنها معناها إنك تقدر تواجه الحقيقة مع الشخص اللي بتحبه.
وأنا فهمت إن مسامحة الناس، لو حصلت يومًا، مش معناها إني أتنازل عن حقي أو أرجع لنفس المكان اللي اتأذيت فيه.
بعد شهور، قررت أكمل حياتي بشكل طبيعي. رجعت لشغلي، وبدأت أخرج مع صحابي، وأرتب مستقبلي من جديد.
ما بقيتش أبص لنفسي باعتباري البنت اللي اتسجل باسمها تلات عمليات ما حصلوش.
أنا مريم منصور، البنت اللي اتسرق منها حقها في معرفة الحقيقة، لكنها في الآخر استعادته.
أما الجواز، فما استعجلتش فيه. سيبت علاقتي بأحمد تاخد وقتها، وراقبت أفعاله بدل ما أكتفي بكلامه. ومع الوقت، بدأت أشوف تغييرًا حقيقيًا، لكنني احتفظت بحقي في الاختيار من غير ضغط، لأنني أخيرًا فهمت إن حياتي ملكي أنا.
وفي آخر زيارة ليا لأبويا، لقيته قاعد في الصالة، قدامه صورة أمي القديمة.
قال لي
تفتكري أمك كانت هتسامحني؟
فكرت شوية، وبعدين رديت
مش عارفة يا بابا. بس أنا عارفة إنها كانت هتطلب منك تصلح اللي تقدر عليه، وتبطل تخاف من الحقيقة.
هز راسه، ومسح دمعة نزلت على خده.
قعدت جنبه، من غير ما أقول له إني سامحته، ومن غير ما أقول له إني مش هسامحه أبدًا.
لأن بعض الچروح ما بتتقفلش بكلمة، وبعض العلاقات محتاجة وقت طويل عشان تتبني من جديد.
لكن للمرة الأولى، ما كانش فيه سر بيننا.
وده كان كفاية كبداية.
النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *