رجعت البيت وانا شايل
أيوه، لكن أبوك يا بنتي ماكنش عارف بكل التفاصيل. والدك كان فاكر إن الموضوع اتقفل، وأبوك هو اللي اكتشف إن فيه مستندات ناقصة، وإن التسوية القديمة محتاجة مراجعة.
سأله الأستاذ سامح
طيب، ليه الموضوع
ما اتصلحش وقتها؟
عمي اتنهد وقال
لأن الشريك القديم اعترض على مراجعة الحسابات، وأبوك خاف إن الخلاف يتحول لقضية كبيرة تضر الشركة والعاملين فيها. فقرر يحتفظ بنسخ المستندات، وبدأ يحاول يوصل لوالد كورين علشان يشرحله الحقيقة.
كورين كانت بتسمع وهي مش قادرة تستوعب.
سألته بصوت مكسور
طب ليه ما وصلش لبابا؟
عمي سكت شوية، وبعدين قال
لأن والدك ماټ قبل ما المقابلة اللي كانوا متفقين عليها تتم. وبعد ۏفاته، أبوك حاول يكمل الإجراءات، لكنه مرض، وبعدها توفى هو كمان. وأنا استلمت الملفات، وبدل ما أكمل المراجعة، أجلت الموضوع سنة ورا سنة.
بصيت لعمي پصدمة.
يعني إنت كنت عارف إن فيه حقوق محتملة لكورين وأهلها، وسكت كل السنين دي؟
رفع عينيه وقال
أيوه، وأنا غلطان. كنت خاېف من المشاكل القانونية، وخاېف إن الشركة تقع، وخاېف أخسر كل اللي بنيناه. فضلت أقول لنفسي إن الموضوع ممكن يتأجل، وإن مفيش حد هيعرف. لكن كل سنة كانت بتعدي، كان ضميري بيتعبني أكتر.
كورين مسحت دموعها وقالت
إنتوا كنتوا بتقرروا مصير عيلتنا من غير ما حد فينا يعرف؟
عمي ما حاولش يدافع عن نفسه.
قال بس
أنا آسف. ومهما كان عندي من أعذار، مفيش عذر يبرر إني سكت عن حق ممكن يكون لغيري.
الأستاذ سامح تدخل وقال بوضوح
دلوقتي مش مهم مين ندمان أكتر. المهم إننا نراجع المستندات رسميًا، ونحدد الحقوق الفعلية لكل طرف. أي تسوية لازم تكون موثقة، ومحدش يتنازل عن حقه تحت ضغط.
عمي وافق، ووقّع إقرارًا بتسليم كل الملفات الموجودة عنده للمحامي لمراجعتها، من غير ما يطلب مننا نغلق الموضوع أو نتنازل عن أي مطالبة.
ولأول مرة، حسيت إن الحقيقة بدأت تظهر فعلًا.
مش لأن حد اعترف بكل حاجة فجأة، لكن لأننا بطلنا نعتمد على كلام العيلة، وبدأنا نراجع الأدلة.
بعد شهور من المراجعة القانونية، ظهرت النتيجة.
السجلات أثبتت إن فيه مستحقات مالية قديمة مرتبطة بشراكة والد كورين، وإن التسوية السابقة ما كانتش كافية لإثبات إن كل الحقوق اتدفعت.
وبعد مراجعة العقود والحسابات، اتعملت تسوية قانونية جديدة، ورجعت المستحقات المستحقة لأصحابها وفقًا لما أثبتته المستندات.
كورين ما كانتش بتفكر في الفلوس قد ما كانت بتفكر في أبوها.
في يوم استلام نسخة التسوية النهائية، قالتلي
نفسي بابا كان عايش علشان يعرف إن اسمه ما ضاعش، وإن تعبه ما راحش هدر.
مسكت إيدها وقلت
يمكن مقدرش أرجعله حقه في إنه يعرف الحقيقة بنفسه، لكن على الأقل نقدر نحافظ على الأمانة اللي سابهالنا.
ابتسمت ابتسامة حزينة.
أما عمي، فاعترف قدام العيلة إنه أخطأ لما أجّل مراجعة المستندات، ووافق على تسليم أي أوراق إضافية تخص الشركة للمحامي. العلاقة بيننا ما رجعتش زي الأول بسهولة، لأن الثقة لما بتتهز بتحتاج وقت طويل علشان تتبني من جديد.
لكن على الأقل، بقينا بنتعامل مع الحقيقة بدل ما نهرب منها.
وفي وسط كل ده، كانت فيه حاجة أهم عندي من الشركة والفلوس وكل أملاك الدنيا.
أوين.
ابني اللي جه الدنيا وأنا مش موجود جنبه، واللي احتاج أمه في أصعب أيامها، بينما أنا كنت فاكر إن الاعتذار وبوكيه ورد كفاية علشان أصلح كل حاجة.
فضلت أروح مع كورين مواعيد المتابعة الطبية، وأشارك في رعايته، وأتعلم منهما معنى المسؤولية الحقيقية.
وبعد فترة، تحسنت الأمور الصحية لأوين، واستمرينا في المتابعة حسب تعليمات الدكاترة.
أما علاقتي بكورين، فكانت أصعب من أي قضية قانونية.
لأن المستندات ممكن تثبت الحق، والمحامي ممكن يساعد في حل الڼزاع، لكن مفيش ورقة في الدنيا تقدر ترجع الثقة بين اتنين اتجرحوا.
كنت بروح أشوف أوين بانتظام، وأحترم المساحة اللي كورين طلبتها، وما كنتش بضغط عليها علشان ترجع البيت.
وفي يوم، بعد حوالي تسعة شهور من رحيلها، كنت قاعد معاها في الحديقة، وأوين بيلعب قدامنا.
فجأة، كورين قالت
جرانت، فاكر اليوم اللي رجعت فيه البيت ومعاك الورد؟
ابتسمت بحزن وقلت
فاكره كويس. كنت فاكر إن الورد هيحل كل حاجة.
قالت
أنا وقتها ماكنتش محتاجة ورد. كنت محتاجة أحس إنك موجود، وإنك شريكي في المسؤولية، مش شخص لازم أطلب منه كل مرة يهتم بابنه.
نزلت عيني وقلت
أنا فهمت ده متأخر، بس مش هقولك إني اتغيرت لمجرد إني بقيت فاهم. أنا عارف إن التغيير لازم يبان في تصرفاتي كل يوم.
فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت
أنا مش هقدر أنسى كل التعب اللي عديت بيه، لكني شايفة إنك بقيت بتسمعني، وبقيت بتشارك في حياة أوين من غير ما أضطر أطلب منك كل مرة.
بصيت لها وسألتها
يعني فيه أمل نرجع؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة وقالت
فيه أمل إننا نبني علاقة جديدة، لكن مش هنرجع لنفس الحياة القديمة. لو هنبدأ من جديد، لازم نبدأ على أساس الصراحة والاحترام والمسؤولية.
حسيت براحة كبيرة، لكني ما استعجلتش أطلب منها ترجع معايا في نفس اليوم.
قلت لها
أنا موافق. نبدأ واحدة واحدة، ونخلي اللي جاي أحسن من اللي فات.
وبعد فترة من الحوار والتفاهم، قررنا ندي علاقتنا فرصة جديدة، بمساعدة مستشار أسري، وباتفاق واضح على مسؤولياتنا وحدودنا وطريقة تعاملنا وقت الخلاف.
ما رجعناش البيت علشان الناس تقول إن العيلة اتلمّت، ولا علشان نحافظ على صورة مثالية قدام المجتمع.
رجعنا لأننا اخترنا نحاول، ولأننا فهمنا إن أي بداية جديدة لازم يكون فيها أمان واحترام حقيقيين.
وفي أول يوم رجعت فيه كورين وأوين البيت، وقفت عند الباب وأنا شايل بوكيه ورد أوف وايت.
نفس لون الورد اللي كنت جايبه يوم رجوعي الأول.
لكن المرة دي، ما مدتش إيدي بالورد وقلت لها إن كل حاجة اتصلحت.
بصيت لها وقلت
أنا مش جاي أطلب منك تنسي الماضي. أنا جاي أقولك إني مش عايز أكرر نفس أخطائي.
أخدت الورد، وابتسمت.
وبعدين دخلت وهي شايلة أوين، وأنا مشيت جنبها.
بصيت على سرير ابني الصغير اللي رجع مكانه جنب الشباك، وافتكرت اليوم اللي لقيت فيه البيت فاضي، والظرف اللي كنت فاكره مجرد رسالة عتاب.
وقتها فهمت إن الظرف ما كانش مجرد أوراق عن شركة قديمة أو حقوق ضايعة.
كان رسالة ليا أنا كمان.
رسالة بتقول إن الإنسان ممكن يخسر أغلى ما عنده وهو فاكر إن كل حاجة تحت سيطرته، وإن الحقيقة مهما اتأخرت، لازم تتواجه، وإن الاعتذار الحقيقي مش هدية بنقدمها، لكنه مسؤولية بنعيشها.
ومن يومها، كل ما أشوف بوكيه ورد أوف وايت، أفتكر إن الورد ممكن يفرّح القلب، لكنه عمره ما يقدر يعوّض غياب صاحبه.
لأن العيلة مش بيت كبير، ولا رصيد في البنك، ولا اسم الناس پتخاف منه.
العيلة هي الأمان، والصدق، وإنك تكون موجود وقت ما اللي بتحبهم يحتاجوك.
وأنا كنت محظوظ إن كورين ادتني فرصة أحاول أصلح اللي أقدر عليه، لكن عمري ما نسيت إن الفرصة دي كانت اختيار منها، مش حق مضمون ليا.
تمت بحمد الله