رجعت البيت وانا شايل
مشيت علشان أقدر أركز مع ابني، وأوفر له كل اللي محتاجه من غير ما أعيش كل يوم مستنية منك تفتكر إن عندك أسرة.
مش همنعك تشوفه، ومش هحرمك من حقك كأب، لكن من النهارده، أي قرار يخص صحته وحياته لازم يكون مبني على أفعال حقيقية، مش وعود.
حطيت الورقة على الترابيزة، وحسيت إني مش قادر أتنفس.
أنا كنت فاكر إن غيابي عن البيت مجرد تقصير أقدر أصلحه بكلمتين وهدية.
لكن اكتشفت إن مراتي كانت بتواجه أزمة حقيقية، وإن ابني محتاجني في وقت أنا مكنتش حتى بسأل فيه عن أحواله.
وفجأة، لاحظت إن فيه ظرف صغير واقع في قاع الظرف الكبير.
فتحته، ولقيت جواه مفتاح، ومعاه عنوان مكتوب بخط كورين.
وتحت العنوان جملة واحدة
لو عايز تعرف ليه اضطريت أمشي، تعالى بنفسك، واسمع الحقيقة من الشخص الوحيد اللي كان معايا يوم ولادة أوين.
فضلت باصص للعنوان لدقايق.
وبعدين مسكت تليفوني، واتصلت بأخت كورين مرة تانية.
المرة دي ردت.
أول ما سمعت صوتي، قالت
قريت الورق؟
قلت
أيوه، بس مش فاهم كل حاجة. أوين ماله؟ وكورين فين؟
سكتت شوية، وبعدها قالت
أوين محتاج أبوه، يا جرانت. مش أبوه اللي بيبعت فلوس وخلاص، ولا اللي بيظهر لما يكون فاضي. محتاج أبوه اللي يحضر معاه مواعيد الدكاترة، ويسمع الكلام، ويشارك أمه المسؤولية.
قلت بقلق
أنا هعمل كل ده، بس قوليلي أروح فين.
ردت
العنوان اللي في الظرف. كورين مستنياك هناك، لكن متروحش علشان تقنعها ترجع البيت. روح علشان تسمعها للآخر، حتى لو الكلام اللي هتسمعه مش على مزاجك.
قفلت المكالمة، وقمت من مكاني.
قبل ما أخرج، بصيت لبوكيه الورد.
لأول مرة، حسيت إنه مجرد شوية زهور، مالهمش أي قيمة قدام اللي كان المفروض أعمله من البداية.
خدت المفتاح والعنوان، وخرجت.
وبعد نص ساعة، كنت واقف قدام شقة صغيرة في شارع هادي، بعيد عن بيتنا الفخم.
خبطت على الباب.
اتفتح بعد لحظات.
كانت كورين واقفة قدامي، شايلة أوين بين إيديها.
وشها كان مرهق، وعينيها باين عليهم السهر، لكنها أول ما شافتني، مسكت ابننا أقرب لصدرها.
قلت بصوت مكسور
كورين أنا آسف.
بصتلي بهدوء وقالت
ادخل يا جرانت. فيه حاجات لازم تعرفها.
دخلت، وقعدت قدامها.
بدأت تشرحلي إن أوين محتاج متابعة طبية منتظمة، وإن الأيام اللي قضتها في المستشفى كانت صعبة عليها جدًا، خصوصًا إنها كانت بتواجه الخۏف لوحدها.
قالت إنها مشيت
لأنها محتاجة مكان هادي تقدر تهتم فيه بابنها، وتاخد قراراتها من غير ما تفضل مستنية إن أنا أكون موجود.
وبعدين بصتلي وقالت
أنا مش جاية أطلب منك فلوس، ولا جاية أهددك، ولا عايزة أنتقم منك. أنا عايزة أعرف إذا كنت مستعد تبقى أب حقيقي لأوين، حتى لو حياتنا كزوجين اتغيرت.
نزلت عيني للأرض.
كنت عايز أقولها إني هتغير، وإني هصلح كل حاجة، لكن لأول مرة فهمت إن الوعود لوحدها مش كفاية.
سألتها
طب والظرف؟ ليه حطيتي فيه كل الأوراق دي؟
قالت
علشان مكنتش عايزة أسيبك تايه بين أسئلة كتير. كل حاجة تخص صحة أوين موجودة هناك، ومواعيد متابعته، وأسماء الدكاترة، والمصاريف اللي اتدفعت. أنا مش هخبي عنك أي حاجة تخص ابنك، لكن مش هقدر أشيل المسؤولية لوحدي تاني.
مديت إيدي ناحية أوين، لكني وقفت قبل ما ألمسه.
سألتها بهدوء
ينفع أشيله؟
بصتلي لحظة طويلة، وبعدين قربته مني.
لما حملته بين إيديا، فتح عينيه الصغيرتين وبصلي.
حسيت بحاجة عمري ما حسيتها قبل كده.
ده ابني.
طفل ملوش ذنب في أي حاجة، وكل اللي محتاجه إن أبوه وأمه يكونوا موجودين عشانه.
قعدت مع كورين وقت طويل، وسمعت منها كل اللي حصل من غير ما أقاطعها أو أدور على أعذار.
وفي آخر الكلام، قالتلي
أنا مش هقدر أقولك دلوقتي إذا كنت هقدر أرجع أعيش معاك ولا لأ. الثقة مش بترجع في يوم، وأنا محتاجة وقت.
هزيت راسي وقلت
أنا فاهم. مش هضغط عليكي، ومش هطلب منك تنسي كل اللي حصل. أنا هبدأ من اللي أوين محتاجه، وهثبتلك بأفعالي إني أقدر أتحمل مسؤوليتي.
ومن اليوم ده، بدأت أروح مع كورين مواعيد متابعة أوين، وأشارك في رعايته، وأتعلم كل حاجة تخص احتياجاته.
مكنش فيه تحول سحري، ولا كل المشاكل اتحلت في أسبوع.
كورين فضلت محتاجة مساحتها ووقتها، وأنا احتجت أتعلم إن وجودي في حياة أسرتي مش فضل مني، لكنه مسؤولية عليّا.
وبعد شهور، وفي يوم كنا قاعدين فيه في حديقة صغيرة جنب مركز المتابعة، كورين بصتلي وقالت
أنا شايفة إنك بتحاول يا جرانت، وده مهم. بس لسه قدامنا طريق طويل.
ابتسمت بحزن وقلت
عارف، ومش مستني منك قرار دلوقتي.
بصت لأوين، اللي كان نايم في عربته، وبعدين قالت
خلينا نبدأ من هنا. نكون أب وأم كويسين ليه، ونشوف الأيام هتجيب إيه.
في اللحظة دي، فهمت إن البيت مش مجرد جدران فخمة، وإن الورد مش بديل عن الحضور، وإن الاعتذار الحقيقي
مش كلمة بنقولها لما نخاف نخسر اللي بنحبهم.
أحيانًا، أكبر فرصة بيديهالك الزمن مش إنك ترجع كل حاجة زي ما كانت، لكن إنك تتعلم تحافظ على اللي لسه فاضل.
عدّى شهرين من اليوم اللي كورين سابت فيه البيت، وكنت فاكر إن أصعب حاجة هواجهها هي إني أحاول أصلّح علاقتي بيها، لكن اللي حصل بعد كده خلاني أفهم إن فيه سر لسه مستخبي، وإن الظرف اللي سابتهولي مكانش بيحكي الحكاية كلها.
في يوم، كنت رايح آخد أوين من عند كورين علشان أوديه ميعاد المتابعة الطبية، ولما وصلت، لقيتها واقفة عند الباب وماسكة ملف أزرق، ووشها متغير.
سألتها بقلق مالك يا كورين؟ حصل حاجة لأوين؟
هزت راسها بسرعة وقالت لأ، أوين كويس الحمد لله. بس فيه حاجة لازم تعرفها قبل ما نروح للدكتور.
دخلت، وقعدت قدامها، وحطت الملف على الترابيزة.
قالت فاكر الليلة اللي ولدت فيها؟
اتنهدت وقلت طبعًا فاكر. دي أكتر ليلة ندمان على اللي حصل فيها.
بصتلي وقالت أنا مش بتكلم عن غيابك بس. أنا بتكلم عن اللي حصل في المستشفى بعد الولادة.
حسيت بقلق رجعلي من جديد.
فتحت الملف، وطلعت منه ورقة قديمة، وقالت بعد ما أوين اتولد، الدكتورة طلبت مني أعمل فحوصات إضافية ليه. وفي نفس اليوم، جالي اتصال من شخص قال إنه من إدارة المستشفى، وطلب مني أوقّع على ورقة تخص بيانات أوين.
قطبت جبيني وسألتها وإنتِ وقّعتي؟
قالت لأ. حسيت إن فيه حاجة مش مظبوطة، خصوصًا إن الموظف كان مستعجل بشكل غريب، ومش راضي يشرحلي الورقة كويس.
قربت منها وقلت طب والورقة دي فين؟
فتحت الملف وورّتني صورة منها.
كانت ورقة فيها بيانات شخصية، وتفويض يسمح بمشاركة بعض المعلومات الطبية مع جهة خارجية.
قلت باستغراب إيه علاقة ده بموضوعنا؟
ردت لما سألت الدكتورة عنه، قالتلي إنها ما طلبتش مني أوقّع على الورقة دي أصلًا.
حسيت ببرودة في إيديا.
يعني إيه؟
قالت يعني فيه حد حاول ياخد موافقتي على حاجة من غير ما أفهمها. وأنا من وقتها بحاول أعرف مين الشخص ده، وليه كان مستعجل ياخد توقيعي.
سألتها بلغتي المستشفى؟
هزت راسها أيوه، وقدمت شكوى رسمية. والإدارة بدأت تراجع الموضوع.
فضلت ساكت، وبعدين سألتها وليه مقولتليش الكلام ده من أول يوم؟
بصتلي بعينين مليانين تعب وقالت لأني وقتها مكنتش قادرة أستحمل مشكلة جديدة. كنت لسه والدة، وابني محتاجني، وإنت مكنتش موجود. كنت محتاجة
أتأكد من الحقيقة الأول قبل ما أتكلم.
مكنتش عارف أقول إيه.
كل اللي كنت بفكر فيه إن مراتي