حماتي طردتني

الرحمن موجود، وحسام قاعد جنبه.
على المكتب كان فيه عقد قديم، وصورة ضوئية لورقة تانية.
المحامي قال
إحنا راجعنا المستندات، ولقينا إن فيه عقدًا فرعيًا اتعمل بعد وفاة والدك. العقد ده بيشير إلى تسوية جزء من حقوق الشراكة، لكن التوقيع الموجود عليه مش واضح إنه توقيع والد حسام.
سألت
يعني إيه؟
قال
يعني لازم خبير يفحص التوقيع، ونراجع تاريخ تحرير المستند، ونتأكد من صحته. ما نقدرش نتهم حد بالتزوير قبل الفحص.
الحاج عبد الرحمن قال
أنا كنت بشك في العقد ده من زمان، لكن ما كانش عندي النسخة الأصلية.
حسام بص للورقة، وبعدين قال
أنا شفت الورقة دي قبل كده.
كلنا بصينا له.
سألته
فين؟
قال
في مكتب أبويا القديم. كنت بدور على أوراق تخص البيت، ولقيت ملف فيه مستندات عن المشروع. لكن أمي قالت لي وقتها إن دي أوراق قديمة مالهاش لازمة.
المحامي سأله
هل فاكر إذا كان فيه حد تاني بيستخدم المكتب؟
حسام فكر شوية.
أيوه. كان فيه محاسب اسمه شريف، كان مسؤول عن حسابات المشروع لفترة طويلة.
الحاج عبد الرحمن اتعدل في قعدته.
قال
شريف؟ ده كان يعرف كل تفاصيل الحسابات.
المحامي كتب الاسم، وقال إنه هيحاول يوصل له من خلال الإجراءات القانونية.
خرجنا من المكتب، وحسام فضل ماشي جنبي في صمت.
بعد فترة، قال
منال، أنا عارف إنك مش واثقة فيا.
قلتله
أنا مش هكدب عليك. أيوه، ثقتي فيك اتأثرت جدًا.
قال
أنا عايز أرجعها.
رديت
الثقة مش بتترجع بكلمتين. إنت كنت عارف إن أمي بتطلب منك تبعد عن أي حد بيسأل عن الموضوع، ومع ذلك ما فكرتش تسأل ليه. ولما أمك أهانتني، فضلت ساكت. المشكلة مش بس في اللي حصل النهارده، المشكلة في طريقة تفكيرك.
هز راسه.
أنا محتاج أتعلم إزاي أكون زوج أحسن.
قلت
ابدأ بأنك تبقى مسؤول عن قراراتك. ما تخليش أمك تختار لك الصح والغلط. احترامك ليها مش معناه إنك تسيبها تظلمني.
قال
هحاول.
رديت
أنا محتاجة أشوف أكتر من محاولة.
في الأيام اللي بعدها، بدأت الأمور تتحرك قانونيًا.
المحامي طلب مستندات إضافية، والحاج عبد الرحمن قدم الأوراق اللي عنده، وخالتي سلمت الخطاب الأصلي اللي كان عندها.
وفي وسط كل ده، كنت بحاول أرجع لحياتي الطبيعية.
رجعت لشغلي، ونظمت وقتي، وبطلت أروح بيت حماتي كل يوم.
لما كانت تطلب مني أطبخ لها أو أعمل لها مشوار، كنت بسأل نفسي الأول هل أنا قادرة؟ هل عندي وقت؟ هل الطلب ده مناسب؟
لو كنت مشغولة، بقول ببساطة
مش هقدر النهارده يا ماما.
في الأول، كانت بتزعل وتقول لحسام إني اتغيرت.
لكنه لأول مرة، ما كانش يطلب مني أتنازل لمجرد إنها زعلانة.
كان بيقول لها
منال عندها شغلها وبيتها، ولو مش قادرة تساعد النهارده، يبقى نشوف حل تاني.
ما كنتش بعتبر ده فضلًا منه، لكنه كان بداية تغيير حقيقي.
بعد أسبوع، المحامي اتصل وقال إنهم وصلوا للمحاسب شريف.
الرجل كان كبير في السن، ومتقاعد من سنين، لكنه وافق يقابلنا بعد ما عرف إن الموضوع يخص تركة قديمة.
اتقابلنا في مكتبه الصغير.
كان واضح عليه التوتر.
المحامي بدأ يسأله عن المشروع، وعن الحسابات القديمة، وعن العقد اللي عليه التوقيع المختلف.
شريف قال إنه فاكر المشروع كويس، وإنه كان فيه خلاف بين الشريكين قبل وفاة أبويا.
لكن لما سأله المحامي عن العقد، اتردد.
وبعدين قال
أنا ما كتبتش العقد ده، لكن فاكر إن فيه نسخة اتعملت بعد وفاة المهندس عبد الرحمن.
سألته
مين اللي طلب إعدادها؟
قال
اللي طلب مراجعة الحسابات كان الأستاذ محمود، والد حسام. لكن مش فاكر مين اللي جهّز العقد النهائي.
الحاج عبد الرحمن سأله
هل كان فيه مبلغ اتدفع مقابل تسوية الأرض؟
شريف فتح دفترًا قديمًا كان محتفظًا به، وبدأ يقلب صفحاته.
بعد شوية، قال
فيه دفعة مسجلة، لكن المبلغ أقل بكتير من القيمة اللي كانت مطلوبة حسب اتفاق الشراكة.
المحامي سأله
والفرق راح فين؟
قال
ده اللي مش قادر أجزم بيه. بعض الحسابات اتنقلت لمكتب تاني، والملفات الأصلية ما كانتش كلها عندي.
كان واضح إن الموضوع مش بسيط، لكن لأول مرة بقينا بنعرف نسأل الأسئلة الصح.
قبل ما نمشي، شريف قال للحاج عبد الرحمن
أنا عندي دفتر تاني في البيت، فيه تسجيلات بخط إيدي عن الحسابات. ممكن يكون فيه تفاصيل تساعدكم.
اتفقنا إنه يقدمه للمحامي.
خرجنا، وأنا حاسة إن فيه أمل إن الحقيقة تظهر، حتى لو استغرق الموضوع وقتًا.
لكن المفاجأة حصلت لما رجعنا البيت.
لقيت الحاجة فوزية مستنيانا، ومعاها داليا بنتها.
داليا أول ما شافتني، قالت بانفعال
إنتِ ليه بتعملي كل ده؟ مش كفاية اللي حصل؟ إحنا بقينا في مشاكل بسببك!
بصيت لها بهدوء وقلت
أنا ما بدأتش المشكلة. أنا بس بحاول أفهم حق يخصني.
قالت
ماما تعبانة من وقت ما الموضوع اتفتح، وإنتِ كل يوم بتروحي لمحامي وبتجيبي ناس تسأل عن الماضي.
رديت
لو فيه حاجة تخصني، من حقي أسأل عنها.
داليا قالت
طب ما تسيبي الموضوع وخلاص. إحنا مش ناقصين.
حسام تدخل وقال
داليا، منال مش بتعمل حاجة غلط. هي بتراجع أوراق قانونية تخصها.
بصت له بدهشة.
إنت كمان واقف في صفها؟
قال
أنا واقف في صف الحق. لو طلع إن مفيش حق ليها، هنقبل النتيجة. ولو طلع إن ليها حق، لازم تاخده.
داليا سكتت.
أما حماتي، فكانت باصة للأرض.
بعد ما داليا خرجت، الحاجة فوزية قالت
أنا مش عايزة أخسر ابني ولا بنتي بسبب الموضوع ده.
رديت
ولا أنا عايزة أخسر حد. لكن مش هقدر أدفن الحقيقة عشان محدش يزعل.
قالت
أنا غلطت لما طردتك من الفرح، وعارفة إنك مش هتقدري تنسي اللي حصل بسهولة. بس أنا محتاجة فرصة أصلح الأمور.
قلت
الفرصة هتكون موجودة لو فيه احترام وصدق. مش هينفع أرجع أعمل كل حاجة زي زمان، وبعدها نتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.
هزت راسها ببطء.
في اليوم التالي، المحامي استلم الدفتر القديم من شريف.
وبعد مراجعته، اكتشف إن فيه حسابًا ماليًا مرتبطًا بالمشروع ما كانش موجودًا في المستندات اللي وصلتنا قبل كده.
لكن الدفتر ما أثبتش وحده إن فيه حد استولى على أموال.
كان محتاج يتقارن بكشوف الحسابات والعقود الأصلية.
المحامي قال
إحنا قربنا نفهم الصورة، لكن لسه فيه خطوة مهمة. لازم نعرف مين كان عنده صلاحية التوقيع على الحساب وقت التسوية.
الحاج عبد الرحمن قال
أنا عندي نسخة من تفويض قديم. ممكن تكون مفيدة.
طلعها من الملف.
المحامي بص عليها، وسكت لحظة.
وبعدين رفع عينه وقال
التفويض ده فيه اسم شخص كان مسؤول عن إدارة جزء من الحسابات، لكن الاسم مش اسم والد حسام.
سألته
مين؟
قال
الاسم هو شريف نفسه.
كلنا بصينا لبعض.
شريف كان حاضرًا معانا في الاجتماع السابق، لكنه ما قالش إنه كان عنده صلاحية التوقيع.
المحامي وضح إنه مش معنى كده إن شريف ارتكب مخالفة، لكن لازم نعرف إذا كان التفويض اتستخدم فعلًا، وفي أي معاملات.
الحاج عبد الرحمن قال
يبقى لازم نسأله تاني، لكن من غير اتهامات.
وأنا وافقت.
كنت عارفة إن الحقيقة مش دايمًا بتكون بسيطة، وإن مش كل شخص يظهر في ورقة يبقى مذنبًا.
لكن كان عندي إحساس إننا لسه ما وصلناش لنهاية الحكاية.
وفي نفس الليلة، وصلني خطاب من مكتب المحامي.
فتحت الظرف، ولقيت صورة من مستند قديم، ومعاه ملاحظة مكتوبة بخط إيد المحامي
هناك اختلاف جوهري بين نسخة العقد التي بحوزة الأسرة والنسخة المحفوظة ضمن السجلات. نحتاج إلى فحص الأصلين لتحديد سبب الاختلاف.
حسيت إن كل حاجة ممكن تتغير تاني.
اتصلت بالحاج عبد الرحمن، وقلتله
واضح إن الموضوع لسه طويل.
قال
المهم إننا بقينا بندور على الحقيقة، مش بنخاف منها.
وبعد ما قفلت، جالي اتصال من رقم غريب.
صوت رجل قال
أنا شريف. محتاج أقابلكم بكرة، وفيه حاجة لازم أقولها قبل ما الموضوع يكبر.
سألته
حاجة إيه؟
قال
أنا كنت ساكت سنين، لكن مش هقدر أفضل ساكت أكتر من كده. فيه حد طلب مني زمان أغيّر نسخة من الحسابات، وأنا عندي ما يثبت الكلام ده.
اتجمدت مكاني.
سألته
مين اللي طلب منك؟
سكت لحظة، وبعدين قال
هقول لكم بكرة، قدام المحامي. لكن لازم تعرفي إن الشخص ده من عيلة جوزك.
يتبع في الجزء الخامس والأخير
الجزء الخامس يوم ما رجع حقي، رجعت كرامتي كمان
تاني يوم، روحت مكتب المحامي ومعايا حسام والحاج عبد الرحمن.
شريف كان مستنينا، وقدامه شنطة جلد قديمة.
أول ما قعدنا، قال
أنا عارف إن سكوتي زمان كان غلط، وعارف إن الكلام اللي هقوله ممكن يسبب مشاكل، لكن لازم أوضح الحقيقة.
المحامي قال
اتفضل. احكي اللي تعرفه، وقدم أي مستندات عندك، وإحنا هنراجعها بشكل قانوني.
شريف فتح الشنطة، وطلع دفترًا صغيرًا، ونسخة قديمة من كشف حساب، وخطابًا موقعًا.
قال إن بعد وفاة أبويا، حصلت مراجعة للحسابات، وإنه كان مسؤولًا عن تجهيز بعض المستندات.
في الوقت ده، والد حسام طلب منه ترتيب الملفات، لكنه ما طلبش منه تغيير أي أرقام.
أما النسخة المختلفة من العقد، فقال شريف إنه اكتشفها بعد فترة، لكنه ما كانش يعرف مين اللي عدّلها.
سأله المحامي
طب إنت قلت امبارح إن فيه حد طلب منك تغيّر نسخة من الحسابات.
شريف هز راسه.
أيوه. لكن لازم أوضح إن الطلب ما كانش من محمود، والد حسام. كان من شخص تاني جه بعد وفاته، وطلب مني أجهز نسخة جديدة من كشف الحساب عشان يقدّمها في ملف التسوية.
حسام اتوتر.
سأل
مين الشخص ده؟
شريف طلع الخطاب، وحطه على المكتب.
كان عليه اسم شخص من العيلة، لكنه مش اسم الحاجة فوزية.
المحامي قرأ الخطاب، وبعدين قال
إحنا لازم نتحقق من صحة المستند ده، ونسمع من الشخص المذكور فيه قبل ما نستنتج أي حاجة.
أنا كنت متوترة، لكني ما استعجلتش.
سألت شريف
إنت ليه ما تكلمتش من زمان؟
قال بحزن
كنت خايف أخسر شغلي، وبعد ما تقاعدت، قلت إن الموضوع انتهى. لكن لما عرفت إن بنت المهندس عبد الرحمن بتحاول تعرف حقها، حسيت إني ما ينفعش أفضل ساكت.
الحاج عبد الرحمن قال
اللي يهمنا دلوقتي إن كل حاجة تتراجع بشكل قانوني، وإن منال ما تتظلمش تاني.
المحامي أخذ المستندات، وطلب وقتًا لمراجعتها ومقارنة التوقيعات والسجلات.
وبعد أسابيع من المراجعات، اتضح إن جزءًا من الحسابات القديمة لم تتم تسويته بالشكل الذي ورد في النسخة التي كانت الأسرة تعتمد عليها.
أما مسألة المسؤولية عن التعديلات، فاحتاجت إلى تحقيق مستقل، ولم يكن ممكنًا تحميل شخص بعينه المسؤولية من غير أدلة كافية.
لكن أهم نتيجة ظهرت كانت تخص الأرض نفسها.
السجلات أثبتت إن جزءًا من ملكية الأرض لم يُنقل بشكل نهائي، وإن منال لها حقوق محتملة فيها باعتبارها وريثة والدها.
المحامي قال لي
دلوقتي عندنا أساس قانوني واضح للمطالبة بحقك. هنبدأ الإجراءات الرسمية، ونطلب تسوية عادلة وفقًا للمستندات والقانون.
لأول مرة من بداية الحكاية، حسيت إن فيه أرض ثابتة واقفة عليها.
ما بقيتش محتاجة أصدق كلام حد لمجرد إنه أكبر مني، أو لأنه من العيلة، أو لأنه بيقول إنه خايف على مصلحتي.
بقيت عارفة إن الحقيقة لازم يكون ليها دليل.
وبعد فترة من الإجراءات، تم التوصل إلى تسوية قانونية بشأن الجزء الذي ثبت من حقوقي، مع استمرار مراجعة بعض التفاصيل المالية القديمة.
ما صحيتش في يوم لقيت نفسي مليونيرة، ولا حصلت معجزة قلبت حياتي في لحظة.
لكن استعدت شيئًا كان أهم عندي من أي مبلغ.
استعدت حقي في معرفة الحقيقة، وبدأت أسترد حقي المالي بالطريقة القانونية.
الحاج عبد الرحمن وقف جنبي، وخالتي ساعدت في توضيح المبالغ اللي كانت وصلت لها، وحسام تعاون مع المحامي في توفير الأوراق اللي كانت عند أسرته.
أما الحاجة فوزية، فكان لازم تواجه نتيجة اختياراتها.
في يوم، طلبت تقابلني لوحدنا.
رحنا قعدنا في الصالة عندها، وكانت لأول مرة مش بتتكلم بصوت الأوامر المعتاد.
قالت
منال، أنا عارفة إنك مش مضطرة تسمعيني، لكن أنا محتاجة أقول لك حاجة.
قلت
اتفضلي.
قالت
أنا كنت غلطانة لما افتكرت إن سكوتك معناه إنك راضية. كنت بشوفك بتساعديني في كل حاجة، فبقيت أعتبر مساعدتك أمرًا طبيعيًا. ولما جه فرح داليا، ما فكرتش في تعبك، ولا في إنك مرات ابني ومن حقك تفرحي معانا. فكرت بس في إن كل

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *