في يوم من الايام

في يوم من الأيام، بنتي الصغيرة اللي عندها ٦ سنين حطت ودنها على أرضية أوضة الصالون عند أختي، وهمست بصوت بيرتعش: «يا بابا، أنا حاسة إن يوسف تحت هنا… أنا سامعاه بيعيط». ابني كان مختفي بقاله ١٤ شهر، ولحد اللحظة دي كنا فقدنا الأمل إننا نعرف هو راح فين.

.. لحد ما سمعت ٣ خبطات خفيفة جاية من تحت الخشب، وبصيت لأختي لقيت إيديها بتترعش بشكل غريب!«يا بابا، أنا أظن إن يوسف تحت هنا»، بنتي ملك همستلي وهي بتبصلي بعينين مليانين خوف. «أنا سامعاه بيعيط يا بابا».

كنت واقف في صالون أختي، ماسك فنجان القهوة في إيدي، وبحاول أستوعب إزاي بنت عندها ست سنين ممكن تتخيل إن أخوها اللي اختفى من أكتر من سنة موجود تحت أرضية البيت. يوسف كان مختفي بقاله أربعة عشر شهر. أنا ومراتي منى دورنا عليه في كل مكان نقدر نوصل له.

لفينا على المستشفيات وأقسام الشرطة، وفضلنا نرد على أسئلة المباحث مرة ورا التانية، وجرينا ورا كل خيط أمل ظهر قدامنا، وفي كل مرة كنا بنرجع مكسورين لما نكتشف إن البلاغ اللي وصلنا أو الشخص اللي قال إنه شافه ملوش أي علاقة بابننا.

الناس حوالينا بدأت تقول كلام عمره ما كان سهل علينا نسمعه. كانوا بيحاولوا يجهزونا لاحتمال إننا يمكن ما نشوفش ابننا تاني. وبعد كل الوجع ده، بنتي ملك كانت واقفة قدامي وبتقول إنها سامعة أخوها بيعيط تحت أرضية بيت أختي!

كانت راكعة جنب المدفأة الديكورية اللي في ركن الصالون، حاطة إيدها الصغيرة على الأرضية الخشب اللامعة، وخدها قريب جدًا منها، كأنها بتحاول تسمع صوت جاي من مكان بعيد. في الأول افتكرت إنها وقعت منها لعبة أو إنها بتدور على حاجة دخلت تحت الكنبة.

لكن لما قربت منها وشوفت ملامح وشها، حسيت بحاجة غريبة قبضت على قلبي. كانت نفس النظرة اللي شفتها في عينيها شهور طويلة بعد اختفاء أخوها… خوف ممزوج بأمل كبير، ولهفة طفلة نفسها حد يصدقها بدل ما يقول لها إنها بتتخيل.

«يا بابا، يوسف تحت هنا»، كررت كلامها وهي بتبصلي برجاء. لثواني، ما عرفتش أتحرك من مكاني. رجعت بذاكرتي لأربعتاشر شهر فاتوا، لليوم اللي اختفى فيه ابني يوسف، وكان عنده تمن سنين، أثناء تجمع عائلي في بيت جدي القديم في الريف، ناحية المنوفية.

كان يوم صيف عادي، والجو حر، والعيلة كلها متجمعة في البيت الكبير. خالاتي وأعمامي قاعدين في الصالون، والستات بين المطبخ والحوش، والأطفال بيجروا ويلعبوا جنب شجر الليمون والجوافة اللي في الجنينة. ريحة الفراخ المشوية كانت مالية المكان، وجدتي كانت لسه خارجة من المطبخ بصينية كبيرة، وبتنادي على الكل عشان يتغدوا قبل ما الأكل يبرد.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *